أيمن عيسى

"بيت المهمل" بطريق الصعيد الصحراوي الغربي

الأحد، 29 مارس 2026 08:21 م


نشأنا في صعيد مصر على أحد أهم الأمثال الشعبية أهمية، وأكثرها بلاغة وفق تقديري، حيث كنت أسمع الأهل مع كل تصرف غير منضبط منا كصغار يلوموننا بعنف قائلين لا تفعل ذلك، ولا تكن مستهترًا، وحافظ على الممتلكات لأن "بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم".

نشأت وقد ظلت تطاردني هذا المقولة مع كل استهانة أو استهتار بأي شيء في حياتي، واعتبرتها مادة بدستور حياة كل شخص يبغي نجاحًا ويحمل ضميرًا حيًا، وشخصية سوية، وعليه فقد بدأت تطبيق المثل في كل زوايا الحياة، وعلى الجميع، وقبل أيام من الآن تجسد أمامي المثل، في طريق ذهابي وعودتي من مسقط رأسي في المنيا، حيث رأيت على الطريق الصحراوي الغربي وبوضوح "بيت المهمل" على طول الطريق منذ الخروج من كارتة القاهرة حتى الصعيد.

جدير بي أن أذكر أني كنت ضمن الناجين بمعجزة إلهية من هذا الطريق قبل سنوات، وقبل أن تنفق عليه الدولة مليارات، إذ انقلبت سيارتي وتدمرت تمامًا، بسبب الحفر التي كانت سببًا فيها سيارات النقل الثقيل، التي تتردد على المحاجر بطول الطريق، وكان هذا الطريق بالفعل "طريق موت"، حصد آلاف الأرواح، وقد تنبهت الدولة لذلك، وعبر سنوات حولته لطريق عظيم، ممهد تمامًا، بل استعانت الدولة وقتها بمعدات مستوردة لتمهيد طريق خاص بسيارات النقل الثقيل، بمواصفات تتحمل الحمولات الثقيلة، ولكي تمنع سير هذه السيارات مع الملاكي والميكروباص بنفس المسار، لتقليل الحوادث أيضًا.. ثم ماذا حدث؟

حدث أن بدأنا في المعاناة التاريخية، وجاءت "آفة حارتنا"، وفي هذا السياق تجسدت الآفة في الإهمال، حيث تنتشر سيارات النقل الثقيل في المسار المخصص للملاكي بكثافة، والحقيقة إن هذا الخلل غير أنه يسبب حوادث وقتية متعددة، فإنه في الوقت ذاته يدمر تمامًا الطريق الممهد للأحمال الخفيفة، حيث يمتلئ بالحفر والهبوط الأرضي بسبب حمل سيارات النقل الثقيل، فنكون أمام خسائر متعددة في الأرواح والممتلكات، وفي المال العام نفسه، لا سيما وأن الدولة أنفقت بالفعل مليارات الجنيهات على هذا الطريق، ورقم كبير بالدولار على تمهيد طريق خاص بالنقل الثقيل، وهو بالفعل ممهد وجاهز، غير أنهم يضربون عرض الحائط بالقوانين، ويسيرون في المسار الآخر، بسبب الحفاظ على عمر كاوتش السيارة، حسبما أخبرني البعض حين سألت عن عدم سيرهم بمسارهم.

المصريون لا يطبقون القانون إلا في وجود ممثل القانون.. مقولة قرأتها قديمًا وتذكرتها وأنا في طريقي، مع غيرها من كل المقولات التي تتحدث عن عيوب الثقافة المصرية، وخلل السلوكيات، غير أني أرى أن أي إنجاز أو مشروع قومي كبير، لا يمكن ضمان استمرار نجاحه، إلا باستمرار المتابعة، ولا معنى لإنفاق مليارات على طريق محترم مثل هذا الطريق، ثم تركه فريسة للمستهترين، يعبثون فيه كما يشاءون، حتى يتحول لمسافات من الحفر والهبوط الأرضي المتكرر، فتضيع الأموال، ومعها المشروعات، وقبلهما الأرواح.

في طريق مصر أسيوط الصحراوي الغربي، أو الصعيد، رأيت بعيني "بيت المهمل"، حيث فوضى تامة، والحقيقة أنني توقفت على الطريق عدة مرات وسألت مسؤولين عنه بشكل مباشر، لماذا لا تتحركون للحفاظ على هذا الطريق المهم، وكانت الإجابة أنهم ينفذون بالفعل بعض الحملات، لكن لا يستطيعون فرض الرقابة المطلقة على الطريق، وهذه إجابة غير مقنعة، إذ أن طريق الإسكندرية على سبيل المثال ليس به هذه المخالفات بهذا الكم والشكل، وأن الأمر لا يحتاج سوى لتطبيق صارم للقانون، وقيام كل بدوره ومهمته ووظيفته، لا سيما هؤلاء المكلفون بمراقبة الطريق.

الشاهد أننا أمام طريق محترم، تم تهيئته وتكلفته، غير أنه لن يكون كذلك حال استمرار الأوضاع به كما هي الآن، والشاهد أن أحدًا من المسؤولين عن هذا الطريق لابد أن يكون لديه الحلول المناسبة التي تمكن الدولة من فرض سيطرتها على هذا الطريق تمامًا، وتحقيق الانضباط، وتطبيق القانون فيه، حفاظًا عليه، وعلى المال العام، وقبل كل ذلك على الأرواح، وأن يضطلع كل بمسؤولياته، وأن تتشدد الرقابة، كي يتحقق الأمن والانضباط، وغني عن الذكر أنهما لن يتحققا إلا بقبضة حديدية، ينفذ بها القانون، ويقيني أن الأمر ليس بهذه الصعوبة، ولا يحتاج إلا لأفكار مبتكرة، سواء بكاميرات مراقبة أو غيرها من طرق فرض الانضباط، بالتزامن مع رقابة مشددة ومكثفة على مدار اليوم، وغرامات باهظة أو أكثر من ذلك، وفقًا لما منحه القانون للقائم على تنفيذه، ولا أريد أن أسترسل في الأفكار، كوني أرى أن الأمر متعلق بعدم تشديد قبضة القانون، وليس باستحالة القدرة على فرض الانضباط هناك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة