"كنت لهم الشخص الذي تمنيته لنفسي"، أظن أن مَنْ يقرأ هذه العبارة سيشعر للوهلة الأولى أنها تحمل شيئًا من الأنين أو الحسرة على عدم تقدير الآخرين للمشاعر الصادقة والأحاسيس النبيلة، والسلوكيات الراقية، ولكنني أشعر بأنها تحمل أمرًا آخر وهو تربية النفس على ما أوصانا به الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما قال في حديثه الشريف: "لا يُؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه".
لذا، لا تندم إذا تعاملت مع الناس بالشكل الذي تمنيت أن يُعاملوك به، حتى لو تبين أنهم لا يستحقون، وأن عطاءك لم يكن في مكانه، فربما سيخسرونك في المستقبل، ولكن وبما لا يدع مجالاً للشك أنهم سيظلون يحملون كمًا لا بأس به من الاحترام والتقدير لك بداخلهم، علاوة على الحسرة التي ستنتابهم بسبب عجزهم عن تعويض شخص مثلك في حياتهم. فالإنسان عندما يتمنى أن يُدخل شخصًا في حياته في صورة صديق، أو حبيب، أو زميل، أو شريك، بالقطع يتمنى أن يحمل هذا الشخص بين ثنايا شخصيته كافة الصفات المثالية، حتى يضمن الأمان معه، فيعيش في هدوء وسكينة من ناحيته، بل ويشعر أن هناك شخصًا إيجابيًا سيكون سندًا له وقت الحاجة، فلماذا إذن لا يُقرر أن يكون هو ذلك الشخص المثالي الإيجابي في تعاملاته مع الآخرين؟!
بمعنى أنه لماذا نأمل الخير من الغير، وننتظر العطاء من الآخر، ونستجدي الإيجابية من ذوينا، في حين أننا نحسبها مئات المرات قبل أن نسلك هذه السلوكيات مع الآخرين؟!
ربما نخشى أن نُعطي مَنْ لا يستحق، وربما نخشى من الصدمة، وربما نخاف من عدم التقدير، أو حتى تفسير سلوكياتنا هذه على أنها درب من دروب الضعف، أو غيرها من التفسيرات الأخرى التي يُحدث بها الإنسان نفسه، فتدفعه إلى التفكير كثيرًا قبل الإقدام على العطاء بلا حدود، ولكن لا بأس من دراسة كل خطوة قبل الإقدام عليها، بل ويُستحسن أن نُقيم مَنْ نتعامل معهم تقييًما دقيقًا، ولكن في النهاية علينا أن نُكون الصورة الجميلة التي نتمنى أن نراها في الآخرين، فعلينا أن نُدرك تمام الإدراك أن الآخرين أيضًا ينتظرون منا ما ننتظره منهم، فكل منا يبحث عن الشخص المثالي الذي يمنح قبل أن يُسأل، والذي يُقدم الخير قبل أن يُطلب منه، والذي يُقدر ويمتن لأقل شيء يُقدم إليه، والذي يتصرف بإيجابية وشجاعة لإنقاذ مَنْ حوله من تلقاء نفسه، والذي يرد الغيب دون أن يتباهى بذلك، والذي يُسارع في المساعدة بمنتهى الحُب والإخلاص.
لذا، علينا أن نُفكر في كل ما نتمناه في شريكنا أو صديقنا أو حبيبنا، ونُقرر أن نكون على هذه الصورة في تعاملاتنا، حتى لو صادف الخير غير أهله، فيكفي احترامنا لأنفسنا، وثقتنا في احترام الآخرين لنا، فقد لا يُقدرك مَنْ أمامك بسبب جهله أو غفلته، أو غروره، ولكن بالقطع يحترمك في قرارة نفسه، ويأمل لو كان مثلك، ويندم على خسارته لك، فرضاؤك عن نفسك هو أجمل نعمه تحظى بها في نهاية يومك.