أكرم القصاص

مصر والصواريخ وأوهام نتنياهو.. تحولات موازين القوة وخرائط النفوذ

الثلاثاء، 24 مارس 2026 10:00 ص


هذه الجولة من الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف عن تحولت كبيرة فى شكل وأسلوب الحرب الحديثة، حيث يظهر دور المعلومات بشكل كبير والتجسس والاختراقات الأمنية فى تنفيذ عمليات اغتيالات بدقة داخل إيران وقبلها بين قيادات حزب الله وإيران، وفى المقابل هناك دور واضح للصواريخ الإيرانية فى الحرب وأيضا للمعلومات، حيث من الواضح أن دقة إطلاق الصواريخ الإيرانية وقوتها تضاعفت عما كان فى جولات ومواجهات سابقة، بما يشير إلى أن إيران تتوفر لها معلومات دقيقة عن أهدافها داخل إسرائيل، وبشكل عام تلعب الصواريخ والمسيرات دورا كبيرا فى هذه الحرب، بشكل يغير من توازنات القوة، ويمثل رادعا لإسرائيل فى أى مواجهات قادمة مع دول كبرى، تمتلك ترسانات من الصواريخ ربما تكون قادرة على إحداث تأثيرات كبيرة.


وبالتالى فإن هذه الحرب وهى المواجهة الأولى بين إيران وإسرائيل، بعد عقود من الحروب بالوكالة، أو التهديدات المتبادلة، تكشف عن عجز كل طرف عن إلحاق الهزيمة بخصمه، من دون إدخال عناصر أخرى، إسرائيل تعتمد بشكل تام على الولايات المتحدة، وبالتالى فإن مزاعم امتلاك القوة على تغيير الشرق الأوسط يمثل وهما، يصعب تحقيقه، ولا يفترض أن يأخذه البعض على عواهنه، حيث إن القوة الأكبر فى المنطقة رادعة ممثلة فى مصر أو الدول العربية، وقد كان موقف مصر من الحرب على غزة والتهجير واضحا ورادعا بشكل كاف، فى مواجهة محاولات الضغط لتنفيذ التهجير، مع رغبة نتنياهو فى استمرار الحرب لكونه لا يستطيع الاستمرار من دون حرب، بل إنه اتخذ 7 أكتوبر ذريعة للبقاء فى وضع حرب مستمر، ومخاطبة اليمين الصهيونى المتطرف بأوهام توراتية.


وبقدر ما كشفت هذه الجولة عن وهم نتنياهو فى تغيير الإقليم، وسقوط هذا الوهم بالصواريخ الإيرانية، فقد كشفت أيضا عن ثغرات فى الجبهة الإيرانية وتقلل من تأثير التهديدات، وبالتالى يفترض أن يعترف الطرفان بعدم القدرة على امتلاك السيطرة الكاملة وضرورة الالتزام بتوازنات تضمن أمن كل الأطراف، وعلى إيران أن تلتزم بنظام أمن إقليمى يتوازن مع جيرانها فى الخليج، بعيدا عن ادعاءات النفوذ السابقة ومحاولات خوض حروب بالوكالة، وربما تتاح فرصة لإيران أن تنخرط فى نظام إقليمى سياسى وأمنى يغير من شكل توازنات القوة.


وفى المقابل فإن الدول العربية ودول الإقليم عليها تفهم وجهة نظر مصر التى طرحها الرئيس عبدالفتاح السيسى، طوال سنوات، ودعا فيها إلى وجود نظام إقليمى عربى يمكنه القيام بدور فى مواجهة التحديات وتخفيف الصراعات لصالح مسارات سياسية تسمح بسيادة واستقرار أكبر مما هو قائم، وهو ما يمكنه أن يعالج ضعف النظام العالمى، وانشغال الدول الكبرى بمنافساتها ومصالحها، حيث يعجز النظام الدولى الحالى عن مواجهة اعتداءات إسرائيل على غزة، أو معالجة سياسية للحرب بين إسرائيل وأمريكا وإيران.


من هنا يمكن النظر إلى التحركات المصرية، والموقف الحاسم من كل أطراف الحرب، فقد أعلنت مصر من البداية رفضها للحرب على إيران، وسعت للوصول إلى اتفاق بالتفاوض، لكن الحرب قامت بسبب تعنت اليمين الأمريكى الإسرائيلى والإيرانى أيضا وتراجع السياسة لصالح الحرب. وأعلنت مصر بعد الحرب رفضها لاتساع الصراع وأدانت بشكل واضح اعتداءات إيران على دول الخليج، ولم يكتف الرئيس السيسى بالبيانات أو جولات ولقاءات واتصالات وزير الخارجية، لكنه قام بجولة وزيارات ولقاءات مع السعودية والبحرين وقبلهما قطر والإمارات، وسافر وسط أجواء الحرب بما يشير إلى تنسيق وتفاهم مع كل الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة فى الحرب، وفى مهام واضحة لدعم أمن الخليج واعتباره من الأمن القومى المصرى، بجانب التواصل مع كل الأطراف بمبادرات تسعى لوقف الحرب والبحث عن سياق لهذا بعيدا عن ادعاءات كل طرف أنه يحقق انتصارا بينما التعتيم على الخسائر قائم من كل أطراف الحرب.
التحركات المصرية واضحة تجاه اعتبار أمن الخليج خط أحمر، وسعى لإنهاء الحرب بمساع سياسية، بجانب تأكيد أهمية وجود نظام إقليمى يتعامل مع التحديات، ويعالج خلل وضعف النظام الدولى، وهى مساع ورؤية مصرية لم يتوقف الرئيس السيسى عن طرحها طوال سنوات. وقد أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن المنطقة تمر بمرحلة تحول تاريخى وتتغير بشكل كبير يفرض واقعا جديدا، وبالفعل فإن التحولات منذ 7 أكتوبر 2023، لا تتوقف حتى الآن، وتمثل هذه الحرب إحدى جولاته، وبعدها ستكون هناك أشكال وتفاعلات تفرز واقعا جديدا يحتاج إلى أن تكون الأطراف الإقليمية والعربية مستعدة له بعيدا عما يدور فى مباريات السوشيال ميديا بين ألتراس لا يدرك خطورة ما يجرى، والتعامل مع سيناريوهات وترتيبات اليوم الثانى لتوقف الحرب ما لم تتجه إلى سيناريوهات دمار شامل، وفى كل الحالات يولد نظام إقليمى جديد يشهد تغييرا فى موازين القوة وخرائط النفوذ.

p
 



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة