تحت سقف واحد، وفي غرف مغلقة، تدور رحى معارك صامتة لا يسمع ضجيجها إلا الجدران، معارك أطرافها ليست "الضرة" بالمعنى التقليدي، بل هي "الحماة" التي لم تدرك بعد أن نجلها قد شب عن الطوق وأصبح له بيت وكيان.
داخل أروقة محاكم الأسرة، وبين طيات ملفات الخلع المكدسة فوق المكاتب، تبرز وقائع اجتماعية مخيفة باتت تنخر في عظام المجتمع المصري، وهي "الزوج المدلل" أو كما يطلق عليه في الموروث الشعبي "ابن أمه".
هذا الرجل الذي قد يمتلك أعلى الشهادات العلمية والمناصب المرموقة، لكنه يفتقد لأهم ركائز الزواج وهي "الاستقلال النفسي"، ليتحول في النهاية إلى مجرد "مؤدٍ" لنص مسرحي تكتبه والدته خلف الستار، وتكون الزوجة هي الضحية التي تطلب الخلاص بالخلع مهما كان الثمن.
تبدأ المأساة عادة بلحظات من الانبهار، فالرجل "ابن أمه" غالباً ما يكون شديد التهذيب، هادئاً، ومطيعاً، وهي صفات تجذب أي فتاة تبحث عن السكينة، ولكن سرعان ما ينقشع الضباب بعد شهر العسل، لتكتشف الزوجة أنها ليست ملكة في بيتها، بل هي "ضيفة ثقيلة" في مملكة تديرها حماتها بجهاز تحكم عن بعد.
حكايات زوجات مع ابن أمه
قصص هؤلاء النسوة في دفاتر محكمة الأسرة تدمي القلوب؛ فهناك "سعاد" المهندسة الشابة التي وقفت تطلب الخلع وهي تصرخ: "جوزي بيكلم أمه فيديو كول واحنا في أوضة النوم عشان تختار له لون البيجامة اللي هيلبسها، ولو قالت له لون مش عاجبني بيقلبه خناقة ويتهمني إني بغير من حبها".
لم تكن مأساة سعاد في الغيرة، بل في تلاشي شخصية زوجها الذي أصبح "ظلاً" لوالدته، لا يجرؤ على شراء قطعة أثاث أو حتى اتخاذ قرار بشأن نوع الطعام دون الحصول على "الختم الأموي".
وفي زاوية أخرى، تروي "هبة" قصة أغرب من الخيال، حيث اكتشفت أن زوجها يقوم بتحويل راتبه بالكامل لوالدته في بداية كل شهر، ثم يذهب إليها يومياً ليأخذ "مصروف البيت" بالقطارة، وحين سألته عن السبب، كان رده الصادم: "أمي هي اللي بتعرف تدير الفلوس، إنتي لسه صغيرة ومش فاهمة حاجة".
هبة التي تحملت عامين من العذاب النفسي، وجد نفسها في مواجهة جيش من الانتقادات من عائلة زوجها لأنها "تريد عزل الابن عن أمه"، وهي التهمة الجاهزة دائماً لكل زوجة تحاول الحفاظ على خصوصية بيتها.
هنا تتحول الأمومة من "نبع للحنان" إلى "أداة للسيطرة"، ويتحول البر من "فضيلة" إلى "قيد" يذبح رجولة الابن ويقتل كرامة الزوجة.
أسباب مشاكل الزوج ابن أمه
التحليل النفسي لهذه الوقائع يكشف عن "كارثة تربوية" تبدأ منذ الطفولة، حيث تزرع الأم في نجلها روح "الاعتمادية الكاملة" تحت مسمى الدلال.
هذه الأم غالباً ما تكون قد عانت من جفاء زوجها أو فقدانه، فتصب كل طاقتها العاطفية في ابنها، محولة إياه إلى "زوج بديل" من الناحية العاطفية، لا يسمح له بالاستقلال أبداً.
وحين يتزوج، تشعر أن هناك "لصة" جاءت لتخطف استثمار عمرها، فتبدأ في ممارسة ضغوط خفية لإفشال الزيارة أو على الأقل البقاء هي "الرقم واحد" في حياته.
الزوج في هذه الحالة يعاني من "تمزق داخلي"، فهو يحب زوجته لكنه يرتعب من "غضب الأم" الذي يصور له كأنه "غضب من الله"، فيختار الطريق الأسهل وهو التضحية باستقرار بيته إرضاءً لغرور والدته.
ولكن، هل الخلع هو الحل الوحيد؟ الصرخة التي تطلقها الزوجات في المحاكم هي صرخة استغاثة لم تجد صدى في البيت.
روشتة لتفادي مشاكل الحموات
الروشتة تبدأ من "الوقاية"، وتحديداً في فترة الخطوبة التي يجب أن تكون فترة "كشف حساب" لشخصية الرجل، إذا وجدتِ أن كلمته الأولى والأخيرة لوالدته، وأن قراراته الكبرى والصغرى تمر عبر "فلتر" الست الوالدة، فاعلمي أنكِ أمام مشروع "ابن أمه" مع وقف التنفيذ.
الخطوة الثانية هي وضع "دستور للمنزل" منذ اللحظة الأولى؛ الخصوصية خط أحمر، ومفاتيح الشقة لا يحملها إلا أصحابها، والمشاكل الزوجية لا تخرج خلف باب الغرفة.
البر بالوالدين فرض وعين، لكنه لا يعني "الاستباحة" أو إلغاء شخصية الزوجة.
على الأمهات أيضاً دور كبير في إنقاذ بيوت أبنائهن، فالأم الواعية هي التي تدفع ابنها ليكون "رجلاً" في بيته، وتدرك أن نجاحه مع زوجته هو أكبر وسام على صدرها.
أما الزوج، فعليه أن يفهم معنى "القوامة" الحقيقي؛ فالرجل الذي لا يملك قراره في بيته لا يمكنه أن يقود أسرة أو يربي أجيالاً، الرجولة تعني القدرة على الموازنة، فتعطي للأم حقها من البر والطاعة في المعروف، وتعطي للزوجة حقها في السكن والاحتواء والخصوصية.
إن غياب "الأب القدوة" في كثير من المنازل ساعد في توحش دور الأم، مما خلق جيلاً من الرجال "الناعمين" الذين ينهارون أمام أول اختبار للمسؤولية.
إن قضايا الخلع بسبب "الزوج المدلل" هي جرس إنذار للمجتمع بأسره. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم البر والمودة، وفك الاشتباك بين "حب الأم" و"إدارة المنزل"، فما دامت محاكم الأسرة تزدحم بهؤلاء الضحايا، فإننا أمام أزمة أخلاقية واجتماعية تتطلب تدخل رجال الدين وعلماء النفس وخبراء الاجتماع.
البيوت تُبنى على المودة والرحمة والاستقلال، لا على السيطرة والتبعية، فرفقاً بالزوجات، ورفقاً بالأبناء الذين يدفعون ثمن دلال أمهاتهم من استقرارهم النفسي ومستقبل أسرهم.
إن بناء "الرجل" يبدأ من فطامه عن "ثدي السيطرة" ليواجه الحياة كشريك حقيقي، لا كدمية في يد والده أو والدته.