شاهدت فيلم برشامة المعروض حاليًا في قاعات السينما، وهو فيلم كوميدي، لكنه، إضافة إلى ذلك، يمكن النظر إليه بوصفه يطرح خطابًا معبرًا عن المجتمع حين يوضع تحت اختبار أخلاقي حقيقي، الفيلم من إخراج خالد دياب، وتأليف أحمد الزغبي وشيرين دياب وخالد دياب، أما البطولة فيتصدرها هشام ماجد، وتضم مجموعة متميزة من الفنانين المهمين، منهم باسم سمرة، وريهام عبد الغفور، وحاتم صلاح، ومصطفى غريب، وعارفة عبد الرسول، وكمال أبو رية، وكثيرون يستحقون الإشادة على أدوارهم.
وينطلق الفيلم من لحظة تبدو بسيطة ومناسبة لفيلم كوميدي، وهي امتحان مادة اللغة العربية للثانوية العامة داخل لجنة "منازل" بإحدى المدارس في ريف مصر، لكنه سرعان ما يحول هذه اللحظة إلى نقطة كاشفة، وذلك حين يغيب عنصر الضبط بوفاة الملاحظ، فتتكشف الشخصيات بوصفها تمثل المجتمع الذي يجد نفسه فجأة في مواجهة ما يريد، دون مراقب.
وبالتالي يخرج الامتحان من كونه إطارًا لصنع الدراما أو الكوميديا، ويتحول إلى استعارة كبرى مهيمنة، فقد صار الأبطال في مكان مغلق تقريبًا، والزمن يطاردهم لأنه زمن محدود، وكل شخصية تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرار سريع بين القيمة والمنفعة، وفي هذه اللحظة تحديدًا، يظهر السؤال: هل تبقى القيم قائمة بذاتها، أم تنهار مع أول غياب للسلطة؟
ويبدأ الفيلم في استعراض أدواته وأولها شخصياته بوصفها أنماطًا اجتماعية واضحة، فلدينا ابن العمدة والراقصة والسجين والسيدة الباحثة عن معاش أفضل، والإنسان البسيط المحافظ الراغب في تحسين أوضاعه، وبنظرة ثانية، يمكن قراءة هذه الشخصيات على أساس كونها اختيارات واعية تضع المجتمع كله داخل مساحة واحدة هي اللجنة، التي يمكن اعتبارها نموذجًا مصغرًا لمجتمع كامل، بكل تناقضاته ورغباته في النجاة.
ومن هذه الزاوية، يصبح الغش في الفيلم أكثر من فعل فردي، فالمعرفة غائبة، والنجاح مطلوب بأي وسيلة (يمثل رغبة في النجاة) وكل شخصية تحمل دوافعها، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الدوافع، لكنها دوافع حقيقية، وقد اتفقوا بدون وعي على أن النتيجة أهم من الطريق، وهنا يلامس الفيلم واحدة من أخطر تحولات الواقع، وهي انفصال الشهادة عن المعرفة.
ونقطة أخرى يمكن النظر إليها، طالما ارتضينا هذه الزاوية لمقاربة الفيلم، هي اختيار امتحان اللغة العربية تحديدًا، فهو يحمل دلالة إضافية تمس العلاقة باللغة بوصفها أداة فهم وتفكير، وبوصفها هوية.
لكن، هل استطاع صناع الفيلم أن يحققوا هذا الخطاب، أم التبس عليهم الأمر؟
لقد تحقق هذا الخطاب بطرق عدة، منها اللغة "الحوار"، الذي كشف عن دوافع الشخصيات وغاياتها، وكذلك من خلال الغياب التام للمعرفة إلا لدى شخص واحد، وظلت أفكاره هي التي تتحكم فيه، حتى إن انحرافه عنها جاء بسبب دافع يتفق مع طريقة تفكيره.
كذلك تحقق الخطاب من خلال اختيار مكان شبه مغلق، بما منحه طبيعة قريبة من المسرح، وبالتالي ظهرت التناقضات في الواجهة، فتعرفنا إلى الخطابات الكامنة من خلال السلوك.
وتحقق الخطاب أيضا من خلال الكوميديا، وأكد أن هذه الطريقة هو الأقدر على تمرير الخطابات والإشارة إليها، كما نبهنا إلى أن الخطر قائم في طرق تفكيرنا، وإلى غلبة بعض الأفكار السلبية علينا مثل غياب المعرفة والاستسهال.
وبالتالي نجح الفيلم، على مدى ساعتين، في أن يصنع خطابه ويقدم مساحات إبداعية، خاصة أن هشام ماجد كان مثل مايسترو يقود فريقًا من العازفين المميزين، ولم يفرض نفسه على جميع المشاهد، بل منح مساحات كبيرة استغلها بقية الفريق بصورة جيدة، ربما ما يؤخذ على الفيلن أنه اعتمد أنماطًا اجتماعية جاهزة، وعلى الرغم من كون ذلك خدم الكوميديا، لكنه في الوقت نفسه قلل من عمق بعض الشخصيات لأننا كنا نتوقع في كثير من الأحيان رد فعل الشخصيات على ما يجري.