مها عبد القادر

رمضان.. إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي واستدامة الأثر الإيماني

الخميس، 19 مارس 2026 03:15 ص


تمثل العشر الأواخر من شهر رمضان ذروة التجربة الإيمانية في الوجدان الإسلامي، حيث تتكثف فيها المعاني الروحية، ويتصاعد فيها السعي نحو التزكية، وتبلغ فيها العبادة مستوى من العمق والتكامل يجعلها أقرب إلى لحظة فاصلة في حياة الإنسان، وتكمن أهمية هذه المرحلة في بعدها التعبدي وتمتد إلى أفق أوسع يتمثل في إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي، واستدامة الأثر الإيماني، وإعادة ميلاد الذات على أسس أكثر وعيًا واتزانًا.

ويمكن النظر إلى العشر الأواخر باعتبارها بنية زمنية مركزة لإعادة بناء الإنسان، حيث تتداخل فيها الأبعاد الروحية والتربوية والأخلاقية، لتنتج تحولًا نوعيًا في إدراك الإنسان لذاته ولموقعه في العالم، ويرتبط الوعي الأخلاقي في الرؤية الإسلامية بحالة من اليقظة الداخلية التي تمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، على مستوى المعرفة النظرية ومستوى الممارسة اليومية، وبالتالي تسهم العشر الأواخر في ترسيخ هذا الوعي وتحويله من حالة إدراكية إلى بنية سلوكية راسخة.

ويتكثف في هذه الأيام حضور الإنسان مع ذاته، ويزداد انشغاله بمراجعة أفعاله ونواياه، وهو ما يعزز ما يمكن تسميته بالضمير الإيماني، كما أن الانخراط المكثف في العبادات، من قيام وذكر وقراءة للقرآن، يعمل على إيجاد حالة من التناغم بين الفكر والسلوك، حيث تتحول القيم إلى ممارسات مستدامة، ومن ثم يمكن القول إن العشر الأواخر تسهم في إعادة ترتيب سلم القيم لدى الإنسان، بحيث تتقدم القيم الروحية والأخلاقية على غيرها من القيم المادية أو النفعية، وهو ما يشكل خطوة أساسية نحو بناء شخصية متوازنة.

وتطرح التجربة الرمضانية، وخاصة في العشر الأواخر، سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى استمرارية الأثر الإيماني بعد انتهاء الشهر، فالتدين الذي يقتصر على مواسم محددة يفقد كثيرًا من فاعليته، بينما يظل التحدي الحقيقي في تحويل هذه التجربة إلى حالة مستدامة من الوعي والسلوك، وتكمن أهمية العشر الأواخر في كونها تمثل لحظة تكثيف قصوى، تتيح للإنسان أن يعيش تجربة إيمانية يمكن أن تشكل نقطة تحول في حياته، فالتكرار المكثف للعبادات، والتفرغ النسبي للذكر والتأمل، يسهمان في ترسيخ عادات وسلوكيات يمكن أن تستمر بعد رمضان، غير أن تحقيق هذه الاستدامة يتطلب وعيًا مقصودًا، يقوم على إدراك أن العشر الأواخر وسيلة لإعادة تشكيل نمط الحياة، وبالتالي فإن المطلوب الإكثار من العبادة وتحويل هذه العبادة إلى منظومة قيمية وسلوكية مستمرة.

وتتيح العشر الأواخر للإنسان فرصة نادرة لما يمكن تسميته بميلاد الوعي المتجدد، حيث يعيد الإنسان النظر في ذاته، ويكتشف أبعادًا جديدة في علاقته بالله وبالعالم، فالتجربة الروحية المكثفة تفتح المجال أمام نوع من الإدراك العميق الذي يتجاوز السطحيات، ويقود إلى فهم أكثر نضجًا للحياة، ويتجلى هذا الميلاد في عدة مستويات؛ أولها الوعي بالذات، حيث يصبح الإنسان أكثر إدراكًا لنقاط قوته وضعفه، وأكثر استعدادًا للتغيير، وثانيها الوعي بالزمن، حيث يدرك قيمة اللحظة وأهمية استثمارها، وثالثها الوعي بالعلاقة مع الآخر، حيث تتعزز قيم الرحمة والتسامح والمسؤولية، ومن ثم تعيد العشر الأواخر تشكيل السلوك، وتعيد صياغة طريقة التفكير والنظر إلى العالم، وهو ما يمثل جوهر التحول الحقيقي.

ويمكن فهم أثر العشر الأواخر في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، التي تهدف إلى تحقيق مصالح الإنسان في الدنيا والآخرة، فحفظ الدين، مثلًا، يتحقق فقط من خلال أداء الشعائر وترسيخ القيم التي تجعل الدين حاضرًا في الحياة اليومية، وبالتالي تسهم العشر الأواخر في تحقيق عدد من المقاصد، منها تزكية النفس، وتعزيز الأخلاق، وتقوية الروابط الاجتماعية، فالإقبال على العبادة يزكي النفس، والإحساس بالآخر يعزز القيم الأخلاقية، والتكافل الاجتماعي يقوي البنية المجتمعية، ومن ثم، فإن هذه الأيام تمثل ترجمة عملية لمقاصد الشريعة، حيث تلتقي العبادة بالقيم، ويتكامل الفرد مع المجتمع في إطار من المسؤولية المشتركة.

وقد يتصور أحيانًا أن الانغماس في العبادة خلال العشر الأواخر يمثل نوعًا من الانفصال عن الواقع، والتجربة الروحية الحقيقية تؤدي إلى تعميق القدرة على التفاعل الإيجابي مع الواقع، فالشخص الذي يخرج من العشر الأواخر بوعي متجدد يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة، وأكثر التزامًا بالقيم في حياته العملية، سواء في العمل أو في العلاقات الاجتماعية، ومن ثم تتجلى قيمة هذه التجربة في كونها تسهم في تحسين الحياة.

وتمثل العشر الأواخر من رمضان مرحلة انتقالية محورية، حيث تتحول الممارسات التعبدية المكثفة إلى تغييرات فعلية ومستدامة في السلوك الشخصي والأخلاقي، فالتكرار الواعي للعبادات من صيام وقيام وذكر وصدقات يسهم في ترسيخ هذه الممارسات داخل النفس، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان اليومية وسلوكياته المعتادة، غير أن هذا التحول يتطلب الوعي الذاتي والمثابرة والاستمرار، بحيث يعمل الإنسان بعد انتهاء الشهر الكريم على حفظ ما اكتسبه من قيم وسلوكيات، وصيانتها ضد النسيان أو الانحراف، ومن ثم تصبح العشر الأواخر بمثابة مرحلة انطلاق نحو التغيير الحقيقي والمستدام.

ويمكن النظر إلى هذه الأيام على أنها بداية لمسار طويل من الإصلاح الروحي والسلوكي، يهدف إلى استمرار أثر رمضان طوال العام، بحيث تصبح العبادات والتزكية الداخلية جزءًا من الشخصية المستقرة، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على تطبيق القيم الأخلاقية في حياته العملية، واتخاذ القرارات بمسؤولية وروح متوازنة، وهكذا تتحول العشر الأواخر من مجرد تكثيف عبادي إلى إطار تحولي شامل، يجمع بين العبادة، والوعي الأخلاقي، والانضباط الذاتي، ويؤسس لمرحلة جديدة من النضج الروحي والاجتماعي، ليكون رمضان نقطة انطلاق نحو وعي دائم متجدد وحياة قائمة على القيم.

_

أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة