رامى محيى الدين

لعنة العقد الثامن.. هاجس تاريخى يثير قلق الإسرائيليين

الإثنين، 16 مارس 2026 11:00 ص


في كل مرة تشتد فيها الأزمات داخل إسرائيل، يعود مصطلح لافت إلى الواجهة في النقاشات الفكرية والإعلامية: «لعنة العقد الثامن»، وهو تعبير غير رسمي يستخدمه بعض المؤرخين والمحللين للإشارة إلى ملاحظة تاريخية تقول إن الكيانات السياسية اليهودية في التاريخ القديم لم تستطع الصمود طويلًا بعد مرور نحو ثمانية عقود على تأسيسها، عندما كانت الانقسامات الداخلية تتحول إلى نقطة ضعف قاتلة.

اليوم، ومع اقتراب إسرائيل من عامها الثمانين منذ إعلان قيامها عام 1948، يبدو أن هذا التشبيه التاريخي لم يعد مجرد فكرة أكاديمية، بل تحول إلى موضوع نقاش داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، خاصة في ظل أزمات سياسية وأمنية واجتماعية متلاحقة.

وتستدعى هنا تجربة مملكة الحشمونيين، التي نشأت بعد ثورة المكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد، عندما تمكن اليهود من إقامة حكم مستقل في القدس، لكن تلك الدولة، التي بدأت قوية ومتماسكة، سرعان ما دخلت في صراعات داخلية حادة بين قادتها، حتى تحولت الخلافات السياسية إلى حرب أهلية غير معلنة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، تدخلت الإمبراطورية الرومانية في شؤون المنطقة، لتنتهي تجربة الاستقلال اليهودي عام 63 قبل الميلاد.

وتتكرر الصورة في نهاية الدولة اليهودية في القدس خلال القرن الأول الميلادي، حين كانت الانقسامات بين الفصائل اليهودية أحد العوامل التي أضعفت المدينة قبل الحصار الروماني، وهو الحصار الذي انتهى بحدث تاريخي مفصلي تمثل في تدمير الهيكل الثاني على يد القائد الروماني تيتوس.

وبالنسبة لعدد من المؤرخين، لم يكن العامل الخارجي وحده هو سبب النهاية، بل كان الانقسام الداخلي هو ما مهد الطريق لها.

الانقسام الإسرائيلي اليوم

هذا التشبيه التاريخي عاد بقوة في السنوات الأخيرة مع تصاعد الاستقطاب داخل إسرائيل، فالمجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الانقسام الحاد بين تيارات سياسية وأيديولوجية متعارضة: العلمانيون في مواجهة التيارات الدينية، واليمين في مواجهة اليسار، والجدل المستمر حول طبيعة الدولة بين كونها «يهودية» أو «ديمقراطية».

كما شهدت البلاد موجات احتجاج واسعة بسبب الخلافات حول إصلاحات النظام القضائي، وهو ما كشف عن عمق الشرخ داخل المجتمع، حتى إن بعض المسؤولين الإسرائيليين حذروا علنًا من أن الانقسام الداخلي قد يشكل تهديدًا أخطر من التحديات الخارجية.

ومع ذلك، يؤكد كثير من الباحثين أن «لعنة العقد الثامن» ليست قانونًا تاريخيًا أو نبوءة حتمية، فالدول لا تسقط بسبب رقم زمني محدد، بل نتيجة تراكم أزمات سياسية واجتماعية وأمنية.

لكن التاريخ، كما يقول المؤرخون، يقدم أحيانًا إشارات تحذيرية، فالدول التي تنشغل بصراعاتها الداخلية تفقد تدريجيًا قدرتها على مواجهة التحديات الكبرى، وهو ما حدث مرارًا في تجارب تاريخية عديدة.

لهذا السبب تحديدًا، فإن الحديث عن «لعنة العقد الثامن» لا يعكس بالضرورة توقعًا بانهيار وشيك، بقدر ما يعبر عن قلق متزايد داخل إسرائيل من أن الانقسامات الداخلية قد تتحول مع الوقت إلى نقطة ضعف استراتيجية.

وفي عالم السياسة، كثيرًا ما تكون أخطر التحديات التي تواجه الدول ليست تلك القادمة من الخارج، بل تلك التي تنمو بصمت في الداخل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة