مع احتدام المنافسة وتداخلها في إطار شبكي، يبدو سلوك القوى الدولية، أو ما أسميناه “المراكز الدولية”، أكثر تقلبًا بفعل سعيها إلى الحفاظ على الهيمنة كما في الحالة الأمريكية، أو استعادة المكانة كما في الحالة الروسية، أو الصعود إلى القمة الدولية كما في الحالة الصينية، الأمر الذي يخلق قدرا من الفراغ في الوظيفة الدولية المرتبطة بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وهي وظيفة يصعب على أي دولة أن تضطلع بها منفردة، سواء كانت مركزا دوليا أو شبكيا، خاصة مع تعذر التعاون بين هذه المراكز في ظل الصراع القائم بينها، ومن ثم يتزايد التعويل على أطراف أخرى في المعادلة الدولية تمتلك من التأثير ما يؤهلها للحفاظ على أوضاع أقاليمها عند الحد الأدنى من الاستقرار، أو على الأقل الصمود في مواجهة التهديدات المحيطة بها.
غير أن القوى الإقليمية القادرة على القيام بهذا الدور، تبقى في حاجة ملحة إلى مقومات تتواكب مع معطيات المرحلة الراهنة، فالرهان عليها لا يقوم فقط على ما تملكه من تاريخ أو جغرافيا، رغم محوريتهما، بل يتجاوز ذلك إلى امتلاك قاعدة صلبة من الاستقرار الداخلي، تستند إلى بنية أساسية وتكنولوجية وسياسية وعسكرية قادرة على التعامل الفوري مع الأزمات حال اندلاعها، سواء عبر توفير بدائل أو ملاذات آمنة للأفراد والسلع والخدمات، أو عبر أدوات دبلوماسية تحقق تواصلا متعدد الأطراف لإيجاد حلول للصراعات القائمة أو منع تفاقمها، فضلا عن قدرة ذاتية على الصمود الداخلي في مواجهة التداعيات المترتبة على الأزمات الدولية والإقليمية، وهو العامل الحاسم الذي يؤهل أي دولة لتصدير الاستقرار إلى محيطها الإقليمي.
إلا أن مفهوم القوى الإقليمية في هذا الإطار يبقى في حاجة إلى التحديث، إذ لم يعد قاصراً على التأثير داخل نطاقها الجغرافي فقط، وإنما امتد دورها إلى فضاء أوسع يتصل بالشبكات الدولية التي تتشكل داخلها مراكز صناعة القرار العالمي، وهو ما يجعلها أقرب إلى قوى شبكية قادرة على التعاطي مع مختلف دوائر التأثير، مع الاحتفاظ بقدر من التوازن في إدارة علاقاتها مع أطراف المعادلة الدولية المتنافسة، ومن ثم يتجاوز دورها مجرد التنسيق داخل الإقليم الجغرافي الضيق إلى آفاق دولية أوسع، عبر إدارة التناقضات بين الرؤى والقواعد التي تحكم هذه الشبكات المتنافسة، وهو ما يتوافق مع طبيعة العمل داخل نظام الـ GAPS أو Global Architecture for Policy Sovereignty (الهندسة العالمية لسيادة السياسات).
ففي هذا النظام، لم يعد الاستقرار نتاج توافق المراكز الدولية الكبرى كما كان الحال في المراحل السابقة، بل أصبح محصلة تفاعل شبكي معقد تشارك في إدارته قوى إقليمية قادرة على الحركة بين الشبكات الدولية المتنافسة.
ولعل النموذج المصري، في هذا الإطار، يمثل أحد أبرز النماذج الفاعلة التي يمكن النظر إليها، باعتباره من أهم القوى الشبكية التي نجحت في خلق استقرار داخلي مكنها من تثبيت أركان السيادة بمفهومها التقليدي، القائم على سيطرة الدولة على الأرض والمواطنين عبر مؤسساتها بعد سنوات من الفوضى، قبل أن تتحرك نحو الاستثمار في هذه السيادة عبر تدشين بنية أساسية وتكنولوجية واقتصادية وسياسية أكثر استقرارا، وهو ما أضفى عليها تأثيرا متناميا دفع نحو استقطابها من قبل شبكات دولية متنافسة، وهو ما يبدو في دعوتها للانضمام إلى مجموعة “بريكس” التي تقودها روسيا والصين، وفي الوقت نفسه في دورها المحوري في المسارات الدبلوماسية التي قادتها واشنطن لاحتواء تداعيات الحرب في غزة، والتي انطلقت إحدى محطاتها الأساسية من شرم الشيخ، عبر الانضمام الى مجلس السلام بدعوة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب.
والواقع أن التوازن المصري لا يقتصر على العلاقة مع المراكز الشبكية الرئيسية، وإنما يمتد إلى كيفية تقديم نفسها كشريك موثوق للشبكات الأخرى، وفي القلب منها الاتحاد الأوروبي والقوى الآسيوية الفاعلة، وهو ما خلق إطارا ناعما يتجاوز التحالفات الخشنة التي تهيمن على العلاقات الشبكية، وهو ما تناولته في مقالات سابقة، باعتباره طبيعة العلاقة في الاطار الجديد، وهو ما يخلق رؤية أخرى تجابه مسألة "صدام السيادات" أو "Clash of Sovereignties”، عبر حالة يمكننا تسميتها بـ"التناغم السيادي".
التوازن في الدور المصري يمثل امتدادا واضحا لخطوات سابقة وحالية وضعت الحفاظ على السيادة في صدارة أولويات الدولة، قبل أن تتحرك نحو الاستثمار فيها أمنيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا، وهو ما أسهم في تحويل أرضها إلى بيئة مهيأة للاستثمار، ومعبرا للسلع والخدمات حتى في أحلك اللحظات الدولية والإقليمية، وملاذا آمنا للفارين من الحروب، الأمر الذي عزز من حالة الوثوق الدولي بها في اللحظات الحرجة، حيث أصبحت أرضها أحد المخارج المهمة للحركة الدولية في عالم يبدو مهددا بمزيد من الاضطراب.
ويقوم دور القوى الشبكية في اللحظة الراهنة على الصمود في مواجهة التهديدات والأزمات المتلاحقة، غير أنه يبدو مرشحا للتطور نحو إضفاء قدر أكبر من الحماية لمناطقها الجغرافية في المستقبل، عبر استباق الأزمات قبل اندلاعها من خلال تدشين شبكاتها الخاصة القادرة على إدارة التوترات والحد من تفاقمها، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بقدرتها على الانفتاح على شبكات دولية موازية، بما يتيح لها اكتساب قدر من الشرعية الدولية لما تتخذه من ترتيبات تهدف في جوهرها إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الدولي.
وهنا يمكننا القول بأن النظام الدولي في حقبة الـ GAPS لم يعد يقوم فقط على صراع المراكز الكبرى أو على توازناتها التقليدية، بقدر ما بات يعتمد بدرجة متزايدة على قدرة قوى أخرى على ملء الفراغات التي يخلقها هذا الصراع داخل بنية الشبكة الدولية، وفي هذا السياق، تتقدم القوى الشبكية بوصفها فاعلا جديدا في إدارة الاستقرار، ليس من خلال فرض الهيمنة أو الانخراط في صراعاتها المباشرة، وإنما عبر قدرتها على خلق مساحات من الصمود داخل أقاليمها، والحركة بين الشبكات الدولية المتنافسة دون الارتهان الكامل لأي منها، وبذلك لا تقتصر وظيفة هذه القوى على احتواء الأزمات الآنية فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في تشكيل معادلة أكثر توازنا داخل النظام الدولي، يصبح فيها الحفاظ على الاستقرار نتاجا لتفاعل شبكي متعدد المستويات، تشارك في صياغته أطراف قادرة على الجمع بين السيادة الوطنية والقدرة على الانفتاح على الشبكات الدولية في آن واحد.
إقرأ أيضا
من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم
من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ"GAPS"
من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ"GAPS"
الـ GAPS وبنية النظام العالمى.. أحادية قطبية وتعددية شبكية
حروب GAPS.. إيران بين الاستنزاف والمضاربة فى سوق السيادة
"صدام السيادات".. حرب إيران وطبيعة الصراع الدولي الجديد