لم يعد الجدل حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين مجرد نقاش أكاديمي، بل تحول إلى تشريعات فعلية بدأت في أستراليا وامتدت إلى أوروبا، وتتناقلها الآن الأرجنتين ودول أمريكا اللاتينية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يؤدي الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والمخاطر النفسية إلى موجة عالمية من قوانين تقييد استخدام المنصات لمن هم دون سن 16 عامًا؟.
أستراليا: الرائدة في التشريع
كانت أستراليا أول دولة في العالم تشرع قانونًا يمنع من هم دون 16 عامًا من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، مثل فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، سناب شات، إكس (تويتر سابقًا)، ويوتيوب، القانون الذي دخل حيز التنفيذ مؤخرًا يلزم الشركات بتطبيق آليات فعالة للتحقق من العمر، وإلا ستواجه غرامات بملايين الدولارات.
تبرر الحكومة الأسترالية القرار بضرورة حماية الأطفال من المحتوى الضار، والحد من ظاهرة التنمر الإلكتروني التي تسببت في حالات انتحار بين المراهقين، وتقليل الآثار السلبية على الصحة النفسية الناتجة عن الاستخدام المفرط. لكن المعارضين يحذرون من أن المراهقين قد يهاجرون إلى فضاءات رقمية أقل تنظيماً وأكثر خطورة، مثل المواقع المشبوهة أو تطبيقات المراسلة غير الخاضعة للرقابة.
أوروبا: إسبانيا وفرنسا والبرتغال في الطليعة
في أوروبا، يبدو أن التوجه نحو رفع السن القانونية لاستخدام وسائل التواصل أصبح قاب قوسين أو أدنى. أعلنت الحكومة الإسبانية عزمها رفع الحد الأدنى للسن من 14 إلى 16 عامًا، مع تشديد أنظمة التحقق من العمر واشتراط موافقة الوالدين للفئة العمرية من 16 إلى 18 عامًا.
أما فرنسا، فقد سبقت الجميع بتشريع يلزم المنصات بالحصول على موافقة الوالدين لمن هم دون 15 عامًا، مع غرامات تصل إلى 1% من العائدات العالمية للشركات المخالفة. البرتغال بدورها تدرس مشروع قانون مشابه، بينما تنتظر دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا لترى نتائج هذه التجارب قبل اتخاذ خطوات مماثلة.
القاسم المشترك بين هذه الدول هو القلق المتزايد من التأثيرات النفسية والتعليمية للاستهلاك الرقمي المكثف في مرحلة المراهقة، التي تعتبر أكثر مراحل تطور الدماغ حساسية وتأثرًا بالمؤثرات الخارجية.
الخطر الطبي: إدمان رقمي حقيقي
تؤكد الدكتورة أليخاندرا دوريتي، الطبيبة النفسية والمحللة النفسية في الجمعية النفسية التحليلية الأرجنتينية، أن وسائل التواصل الاجتماعي صُممت بخبرة لتستحوذ على انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة. وتشرح قائلة: "في دماغ المراهق الذي لا يزال في طور النمو، يعمل التحفيز المستمر على تنشيط مراكز المكافأة (الدوبامين)، مما يعزز السلوكيات الإدمانية تمامًا مثل المخدرات".
وتضيف أن الأضرار لا تقتصر على الإدمان فقط، بل تمتد إلى، زيادة اضطرابات القلق والاكتئاب بين المراهقين، واضطرابات النوم المزمنة بسبب التعرض للضوء الأزرق قبل النوم، وتفشي ظاهرة التنمر الإلكتروني التي تتضاعف آثارها بسبب الانتشار السريع للمحتوى، وتراجع تقدير الذات نتيجة مقارنة النفس بالنماذج الجمالية غير الواقعية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الغش الدراسي، مما يضعف التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات.
أمريكا اللاتينية: الأرجنتين تبدأ النقاش
في أمريكا اللاتينية، لا تزال القضية في بداياتها. في الأرجنتين، قُدم مشروع قانون في مقاطعة بوينس آيرس يهدف إلى تقييد الوصول إلى وسائل التواصل لمن هم دون 13 عامًا، مع تشديد الرقابة الأبوية. كما بدأت العديد من المدارس العامة والخاصة في تطبيق سياسات تمنع استخدام الهواتف المحمولة داخل الفصول الدراسية.
رغم عدم وجود قانون وطني حتى الآن، فإن الموضوع يحتل أولوية متزايدة على الأجندتين التعليمية والصحية. وتشير استطلاعات الرأي المحلية إلى تأييد واسع بين الأهالي لفكرة تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل، لكن مع مخاوف من صعوبة التطبيق الفعلي في بلد يعاني من فجوات رقمية وضعف في الرقابة.