هناك لحظات مهنية تبقى أقرب إلى القلب من غيرها، مهما تعددت التجارب وتنوعت المنصات. لحظات لا تُقاس فقط بثقل المسؤولية، بل بما تثيره في الداخل من إحساس بالانتماء والمعنى. وبرغم أنني حظيت بشرف التحكيم في مهرجانات سينمائية عديدة، يظل حضوري هنا، كرئيسة لجنة التحكيم لجائزة النقاد لأفضل فيلم مصري وعربي وأجنبي لعام 2025 — الجائزة التي تمنحها جمعية النقاد المصريين سنويًا منذ العام 1972، من أكثر التجارب خصوصية بالنسبة لي.
ليس فقط لما تحمله هذه المهمة من قيمة نقدية ومعرفية، بل لأن جمعية النقاد المصريين تمثل، بالنسبة لي، ذاكرة نضالية سينمائية حية، ومشروعًا ثقافيًا طويل النفس، حافظ لعقود على فكرة جوهرية: أن النقد ليس ترفًا فكريًا، ولا تعليقًا هامشيًا على الإبداع، بل جزء أصيل من معركة الوعي، ومن الدفاع عن السينما بوصفها فنًا وصناعة وأداة تفكير في آن واحد.
تأسست الجمعية عام 1972، ومنذ ذلك الحين لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ تقاليد نقدية جادة، وفي حماية استقلال الرؤية النقدية في مواجهة التبسيط، أو التوظيف الدعائي، أو التواطؤ مع السوق. لم تكن الجمعية يومًا مجرد كيان مهني أو تجمع نقابي، بل مساحة مفتوحة للحوار والمساءلة والمقاومة الثقافية، تواكب التحولات الاجتماعية والسياسية، وتقرأ انعكاساتها داخل السينما وخارجها.
في السنوات الأخيرة، عززت الجمعية حضورها الدولي، سواء من خلال مشاركات أعضائها في لجان تحكيم مهرجانات عالمية، أو عبر مساهماتهم في النقاشات الكبرى حول مستقبل السينما، وحدودها، وأدوارها الجديدة في عالم متغير.
جاءت قائمة الأفلام المرشحة هذا العام لتقدم لوحة سينمائية شديدة التنوع: بين الوثائقي والروائي، بين المحلي والعربي والعالمي، بين التجريب والسرد الكلاسيكي المُطوَّر. لكن هذا التنوع، على اتساعه، لم يكن عشوائيًا. فمع التأمل، يمكن رصد خيوط خفية تربط بين هذه الأعمال، وكأنها جميعًا تحاول، كل بطريقتها، التقاط نبض زمن يعيش حالة ارتباك وجودي وسياسي وثقافي عميق.
من أبرز القواسم المشتركة بين هذه الأفلام: أولًا، العودة إلى الماضي بوصفه أداة لفهم الحاضر. كثير من هذه الأعمال لا تنظر إلى الماضي بوصفه مساحة للحنين أو التمجيد، بل باعتباره مادة خام لفهم أزمات اللحظة الراهنة،وجذور العنف، والتشوهات التي ما زالت تُعيد إنتاج نفسها.
ثانيًا، حضور الأبطال العاديين في مواجهة قوى أكبر منهم. الشخصيات هنا ليست بطولية بالمعنى التقليدي، بل أفراد هشّون، يحاولون النجاة داخل منظومات اجتماعية أو سياسية أو نفسية قاسية، غالبًا ما تكون غير مرئية، لكنها شديدة الفتك.
ثالثًا، نبرة نقد اجتماعي وسياسي واضحة، لكنها غير خطابية.
تتجه معظم الأعمال إلى مساءلة المجتمع، لا عبر الشعارات أو الوعظ المباشر، بل من خلال الحكايات الشخصية، والهشاشة الإنسانية، والتفاصيل الصغيرة التي تكشف البنية الأكبر.
إلى جانب ذلك، كسرت هذه الأفلام، في أغلبها، القوالب السردية التقليدية. ابتعدت عن الحكاية الخطية الواضحة، واتجهت نحو السرد المفتوح، والتجريب البصري، وإعادة التفكير في علاقة الزمن بالصورة، وفي موقع المتفرج نفسه داخل التجربة السينمائية.
في المجمل، تبدو هذه السينما مرآة لعالم يبحث عن معنى: عن هوية، عن عدالة، أو حتى عن مخرج نفسي من حالة التوتر الكوني التي تهيمن على اللحظة الراهنة.
حين نركز في اختيارات جمعية النقاد هذا العام، نكتشف أنها تكشف عن سينما أكثر قلقًا، وأكثر صدقًا مع نفسها. سينما لا تبحث عن إجابات جاهزة، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تصر على طرح الأسئلة الضرورية، حتى وإن كانت موجعة أو بلا حلول واضحة.
ربما هذا هو الدور الحقيقي للسينما اليوم: ليس فقط أن تحكي قصصًا، بل أن تفتح مساحات للتفكير، وأن تذكّرنا بأن الفن، في لحظات التحول الكبرى، يصبح شكلًا من أشكال الشهادة على الزمن.
قد تكون شهادتي هنا مجروحة، مرتبطة بموقعي كرئيسة لجنة التحكيم، لكنها شهادة أجد من الضروري تسجيلها، لأن هذه الاختيارات ليست مجرد نتائج أو جوائز تقليدية. فالأفلام الثلاثة المختارة:" Sinners، صوت هند رجب، وأبو زعبل 89 "، تبدو، في نظري، كأنها بيان غير معلن عن تصور محدد لدور السينما اليوم: سينما لا تكتفي بالسرد، بل تنشغل بالذاكرة، بالعلاقة المعقدة بين الإنسان وتاريخه، سواء كان هذا التاريخ شخصيًا، أو جمعيًا، أو كونيًا.
ما يجمع هذه الأعمال ليس الأسلوب ولا الجغرافيا، بل الإصرار على أن السينما ما زالت قادرة على طرح أسئلة ثقيلة دون أن تفقد قيمتها الجمالية.
في الفيلم الأمريكي "Sinners" إخراج ريان كوجلر، الفائز بجائزة أفضل فيلم أجنبي، نواجه نموذجًا متقدمًا لسينما النوع حين تتحرر من حدودها التقليدية.
الفيلم لا يستخدم الرعب والفانتازيا بوصفهما أدوات للإثارة فقط، بل كوسائل لإعادة تفكيك تاريخ طويل من العنف الثقافي والعرقي. الماضي هنا ليس خلفية، بل قوة حية، تتسلل إلى الحاضر، وتعيد تشكيله في صور وأساطير، وفي كوابيس لا تنتمي إلى زمن واحد.
جماليًا، يعتمد الفيلم على بناء بصري وصوتي شديد الوعي بهويته، حيث تصبح الموسيقى والطقوس الشعبية جزءًا لا يتجزأ من البنية السردية. بهذا المعنى، ينجح الفيلم في أن يكون جماهيريًا دون أن يكون تبسيطيًا، وأن يكون فكريًا دون أن يتحول إلى خطاب مباشر.
إنه نموذج لسينما تؤكد أن الصناعة والعمق ليسا نقيضين بالضرورة.
على النقيض، يأتي الفيلم التونسي "صوت هند رجب" إخراج كوثر بن هنية ، الفائز بجائزة أفضل فيلم عربي، كعمل شديد التقشف، لكنه بالغ التأثير.
هنا، تختفي تقريبًا أدوات السينما التقليدية لصالح عنصر واحد: الصوت.
الصوت بوصفه دليلًا على الوجود، وشهادة، وذاكرة لا يمكن إنكارها.
الفيلم لا يعرض الحرب، ولا يشرحها، بل يضع المتفرج في مواجهة لحظة إنسانية عارية، خالية من أي سياق تفسيري زائد. هذه الاستراتيجية لا تسعى لاستدرار العاطفة، بل تفرض نوعًا من الانتباه الأخلاقي. المشاهدة هنا ليست فعل استهلاك، بل مشاركة في حمل العبء، وفي الإصغاء لما لا يُراد له أن يُسمع.
أهمية الفيلم، في تقديري، لا تكمن فقط في موضوعه، بل في سؤاله الضمني العميق:
إلى أي مدى يمكن للسينما أن تكون فعل توثيق، دون أن تفقد بعدها الإنساني؟..
أما "أبو زعبل 89" إخراج بسام مرتضي، الفائز بجائزة أفضل فيلم مصري، فينتمي بوضوح إلى تقليد سينمائي مصري يعيد النظر في التاريخ السياسي من خلال التجربة الفردية.
الفيلم لا يقدم السجن كمكان فقط، بل كحالة ذهنية، وكبنية نفسية تترك أثرها طويلًا بعد انتهاء الحدث نفسه.
اللغة البصرية هنا واقعية وقاسية، لكنها ليست استعراضية. العنف لا يُقدَّم كصدمة لحظية، بل كأثر متراكم، كشيء يسكن الجسد والذاكرة معًا.
ما يميز الفيلم، في نظري، هو انشغاله بما بعد الحدث: بما يتبقى، بما لا يُقال، وبما يصعب تمثيله سينمائيًا.
في هذا السياق، يصبح الفيلم محاولة لاستعادة الذاكرة، لا لتثبيتها، بل لفتحها على التساؤل، وعلى احتمالات قراءة جديدة.
إذا نظرنا إلى الأفلام الثلاثة معًا، سنجد أننا أمام خريطة سينمائية للذاكرة المعاصرة: ذاكرة ثقافية تعيد قراءة التاريخ عبر الأسطورة،وذاكرة إنسانية تُختصر في صوت واحد،وذاكرة وطنية تحاول فهم أثر الماضي على الحاضر.
هذه الاختيارات، في تقديري، تعكس وعيًا نقديًا بدور السينما في زمن تتراجع فيه السرديات الكبرى، وتتزايد فيه الحاجة إلى الحكايات الصغيرة، والهشة، والإنسانية.
ما يميز هذه الأفلام ليس فقط أنها جيدة الصنع، بل أنها تترك أثرًا طويلًا بعد المشاهدة. وهي، بالنسبة لي، علامة على أن السينما، رغم كل التحولات، ما زالت قادرة على أن تكون مساحة للتفكير، لا مجرد عرض للصور.
ربما هذا هو الرهان الحقيقي الذي تراهن عليه جمعية النقاد المصريين هذا العام: أن السينما، حين تكون صادقة مع ذاكرتها، تصبح أكثر قدرة على ملامسة الحاضر.