فى مجموعته القصصية الصادرة مؤخرًا عن دار العين للنشر، يواصل الكاتب مجدى نصار مشروعه الإبداعى عبر لعبته الفنية المفضلة، البحث فى تفاصيل حياة أبطاله، تلك التفاصيل التى لا يلتقطها سواه، وقد أسهمت البنية المتنوعة للمجموعة فى تمكينه من اقتناص مكامن الدهشة من لقطات تبدو عادية من بعيد. ومع الاستمرار فى مطالعة النصوص، تتكشف المعطيات تباعًا، وتتقاطع الأحداث مع الشخوص فى رسم مصائرهم، من دون أن يفقدوا الحد الأدنى من إنسانيتهم، تلك الإنسانية المتفردة فى هشاشتها المقاومة من أجل الخلاص، والبحث عن المعنى وسط هذا الكم من العبث المطلق واللامنطق الذى يتحكم فى كل شيء.
تتجلى حيرة أبطال القصص الست عبر عدة مظاهر، من أبرزها تغير الراوى وتبدّله من قصة إلى أخرى. فالسرد هنا يبحث عن منطقه عبر تبديل لسانه مرة، والتخفى فى عباءة ضمير الغائب مرة أخرى. ولا تتمايز الأصوات السردية فى المجموعة عبر تغيّر نوع الراوى فحسب، بل تتفاوت أيضًا درجة ثقة السارد فى العالم من حوله تحت مظلة الأنا الراوية. ففى قصة "حارة الحارة" على سبيل المثال، لا يسرد الراوى من منطلق بينى يطمح إلى إيجاد تفسير لوقائع محيطه الذى يزداد غرابة كل لحظة عن سابقتها، بينما تبدأ الأنا المتكلمة فى قصة "برتقالة وشوكة وسكين" فى ترديد قصتها بثقة تتهاوى تدريجيًا، بنسق مفاجئ للسارد قبل القارئ.
تحضر تقنية "السردية داخل السردية" بوضوح فى أكثر من نص داخل المجموعة، فيما يحرص نصار على حسم إحدى السرديتين عبر تعقيد حياة أحد الأبطال بنمط غير مباشر. ففى قصة "ضحكة سيبو"، تنهض المروية الأساسية على فقدان صحفى لضحكته، وسرعان ما تتعقد الصراعات من حوله، فيظهر فقدانه لضحكته، التى لم يكن يمتلك سواها، بمثابة نقطة فى بحر من الخديعة كان عائمًا على سطحه. ويتكرر الانقلاب فى قصة "برتقالة وشوكة وسكين" عندما يستيقظ الكاتب المتوهم إحكامه لعوالم حكاياته على تمرد كل شخوصه التى خلقها عليه. تتفاعل الشخصيات فيما بينها بتناغم أو تنافر، مشكلة حالة من الخضوع للامنطق المقبول الذى يسيّر الأحداث. فالغرائبية هنا شرط لاكتمال المشهد العام؛ فلولا هذا الإصرار على جعل الدهشة أمرًا عاديًا يحدث كل يوم، ولا يجب استقباله باستغراب، لوقعت أغلب نصوص المجموعة فى شراك التنميط.
يتقابل شخوص المجموعة فى دائرة واحدة تقريبًا؛ دائرة تشهد طوافهم الدائم سعيًا وراء نجاة متوهمة. يجتمعون جميعًا تحت راية الفقدان، فكل بطل يعانى فقدًا خاصًا يميزه عمن سواه من بقية الأبطال. فـ"سيبو" لم يفقد ضحكته فحسب، بل انتهى إلى مصير يكلّل عبوسه، وشخوص قصة "حارة الحارة"، الذين توحدوا فى احتفاظهم بأسماء متجانسة، ضاعت منهم قدرتهم على الكلام، ثم حُرموا من البكاء عقابًا جماعيًا على امتلاكهم أصواتهم وأحزانهم.
تتميز نصوص المجموعة بنهايات تراجيدية فى أغلبها، قد لا تتوافق مع طبيعة الشخوص الطامحة إلى التحرر من الأرق الوجودي، لكنها -على تراجيديتها- تشدد على ضرورة الاحتكام إلى الروح العبثية التى تنتظم القصص. فالكاتب لا يعوّض أبطاله عن القهر المحكم الذى اختبروه بصور مختلفة؛ كلّ بطريقته، ووفق تسلسل محكم من قلة الحيلة والتهميش والعجز التام.
وتحتفظ القصص بلغة واقعية لا تخلو من مجاز، ولا من قدرة على إدراج مشهدية تنطلق فى بعض النصوص لتخلق أجواء مسرحية، بينما تتميز قصة مثل "برتقالة وشوكة وسكين" بسينمائية مشهدية لافتة، خاصة فى مشاهد المونتاج المتوازى للشخوص التى ابتدعها البطل. أما القصة الأساسية فى المجموعة، "نظرية حسن مرعينيو"، فقد تفردت ببنية زمنية دائرية ومتشظية، استطاع الكاتب من خلالها أن يفصل -بعد إجمال- طبقاتٍ من حياة بطل مبعثرة وملتبسة.

المجموعة القصصية