من صوم يونان إلى بداية الصوم الكبير.. فبراير شهر الاستعداد الروحي في الكنيسة الأرثوذكسية.. ثلاثة أيام للتوبة العاجلة تفتح باب رحلة الـ55 يومًا نحو القيامة.. واختلاف في الزمن ووحدة في الرسالة

الإثنين، 09 فبراير 2026 07:00 ص
من صوم يونان إلى بداية الصوم الكبير.. فبراير شهر الاستعداد الروحي في الكنيسة الأرثوذكسية.. ثلاثة أيام للتوبة العاجلة تفتح باب رحلة الـ55 يومًا نحو القيامة.. واختلاف في الزمن ووحدة في الرسالة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

كتبت بتول عصام

يمثل شهر فبراير في التقويم الكنسي القبطي الأرثوذكسي محطة روحية محورية، إذ يجمع بين نهاية صوم قصير مكثف يحمل دعوة عاجلة للتوبة، وبداية أطول وأقدس الأصوام في الكنيسة، وهو الصوم الكبير، لتتحول أيام الشهر إلى ما يشبه الجسر الروحي الذي يعبر عليه المؤمن من اليقظة السريعة إلى الجهاد الممتد استعدادًا لعيد القيامة المجيد.

وخلال فبراير 2026، عاشت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أجواء صوم يونان، أحد الأصوام ذات الطابع النسكي العميق، قبل أن تتجه أنظار المؤمنين وقلوبهم نحو الاستعداد لبدء الصوم الكبير، الرحلة الروحية الأطول في العام الكنسي، والتي تمثل ذروة المسيرة الخلاصية.

ويُعد الصوم في المفهوم الأرثوذكسي ممارسة روحية متكاملة، لا تقتصر على الامتناع عن الطعام، بل تمتد لتشمل ضبط الحواس، ومراجعة النفس، والعودة الصادقة إلى الله، استعدادًا للأحداث الخلاصية الكبرى، وعلى رأسها القيامة، التي تُعد حجر الزاوية في الإيمان المسيحي.

 

صوم يونان.. محطة يقظة روحية سبقت المسيرة الكبرى

شهد مطلع فبراير 2026 صوم يونان، الذي انتهى ليترك وراءه رسالة روحية واضحة تتمثل في التوبة العاجلة والرجوع السريع إلى الله. ويُعد هذا الصوم من أصوام الدرجة الأولى في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث يُصام صومًا انقطاعيًا نسكيًا حتى ساعات متأخرة من اليوم، مع الامتناع عن تناول الأسماك، شأنه في ذلك شأن الصوم الأربعيني، وأيام الأربعاء والجمعة، وأسبوع الآلام، وبرمون عيدي الميلاد والغطاس.

وبدأ صوم يونان لعام 2026 يوم الإثنين الموافق 2 فبراير، واستمر لمدة ثلاثة أيام، حتى انتهى يوم الأربعاء 4 فبراير. ويُعرف هذا الصوم أيضًا باسم صوم أهل نينوى، إذ تستعيد الكنيسة خلاله قصة توبة أهل المدينة بعد كرازة النبي يونان، واستجابتهم الفورية لدعوة التوبة، دون تسويف أو تردد.

وتنظر الكنيسة إلى صوم يونان باعتباره نموذجًا روحيًا للتوبة الصادقة التي لا تنتظر، إذ يرمز إلى سرعة الرجوع إلى الله، والانكسار القلبي الذي يسبق أي جهاد طويل. كما يُطلق عليه في التقليد الكنسي اسم «فصح يونان»، لما يحمله من رمزية لاهوتية عميقة مرتبطة بقيامة السيد المسيح.

فكما مكث النبي يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وخرج حيًا بعدما كان في حكم الميت، يرى الآباء في هذه القصة رمزًا لقيامة المسيح من القبر بعد ثلاثة أيام. ولهذا السبب يأتي صوم يونان عادة قبل الصوم الكبير بنحو خمسة عشر يومًا، ويُعرف يوم فطره باسم «فصح يونان»، في إشارة رمزية إلى عبور الإنسان من الموت إلى الحياة، إذ إن كلمة «الفصح» تعني في أصلها العبري «العبور».

 

فبراير.. من التوبة السريعة إلى الاستعداد للجهاد الطويل

بانتهاء صوم يونان، تدخل الكنيسة خلال شهر فبراير مرحلة الاستعداد الروحي لبدء الصوم الكبير، حيث يُنظر إلى الأيام الفاصلة بين الصومين باعتبارها وقتًا لمراجعة النفس، وترتيب الأولويات الروحية، تمهيدًا للدخول في أطول وأعمق رحلة صوم في العام الكنسي.

ويمثل هذا الانتقال من صوم قصير مكثف إلى صوم طويل ممتد تعبيرًا عن حكمة الكنيسة في تدرجها الروحي، إذ تبدأ بإيقاظ الضمير من خلال صوم يونان، ثم تهيئ المؤمنين نفسيًا وروحيًا للدخول في الصوم الكبير، الذي لا يقوم على الحماس اللحظي، بل على الاستمرارية والجهاد اليومي.

 

الصوم الكبير.. مسيرة الـ55 يومًا نحو القيامة

يُعد الصوم الكبير أقدس الأصوام في الكنيسة الأرثوذكسية وأطولها زمنًا، إذ يمتد لمدة 55 يومًا، ويبدأ في عام 2026 يوم الإثنين الموافق 16 فبراير، ويستمر حتى الاحتفال بعيد القيامة المجيد يوم الأحد 12 أبريل.

ويمثل الصوم الكبير رحلة روحية متكاملة تبدأ بأحد الكنوز وتنتهي بأحد القيامة، وتهدف إلى إعداد النفس روحيًا لقبول سر القيامة، من خلال الجهاد، والصلاة، والتوبة، وضبط الحواس، والتخلي التدريجي عن الخطية.

ويضم الصوم الكبير ثلاثة أصوام مترابطة، هي أسبوع الاستعداد الذي يسبق الأربعين المقدسة، والذي يُنظر إليه إما كتمهيد روحي للصوم أو كتعويض عن أيام السبوت التي لا يُصام فيها انقطاعيًا، ثم الأربعين المقدسة التي صامها السيد المسيح، ويليها أسبوع الآلام، الذي كان في بدايات العصر الرسولي صومًا مستقلًا بذاته قبل أن يُدمج ضمن الصوم الكبير.

 

تقسيم الصوم الكبير.. تدرج تربوي نحو التوبة الكاملة

قسمت الكنيسة الصوم الكبير إلى سبعة أسابيع روحية، يبدأ كل أسبوع يوم الإثنين وينتهي يوم الأحد، وخصصت لكل أسبوع قراءات كنسية مترابطة تدور حول موضوع واحد، تندرج جميعها تحت الإطار العام للصوم، وهو قبول الله للتائبين.

وتأتي موضوعات الأسابيع السبعة على النحو التالي:

الأحد الأول (أحد الكنوز): يدعو إلى تحويل القلب من التعلق بالماديات إلى السعي نحو ملكوت الله وكنوز السماء.

الأحد الثاني (أحد التجربة): يوضح كيفية الانتصار على تجارب إبليس، على مثال المسيح الذي غلب شهوات الجسد والعيون وتعظم المعيشة.

الأحد الثالث (أحد الابن الضال): يجسد صورة الله المحب الذي يقبل الخاطئ التائب مهما كانت خطاياه.

الأحد الرابع (أحد السامرية): يشير إلى قوة كلمة الله في تجديد النفس وسقيها روحيًا.

الأحد الخامس (أحد المخلع): يرمز إلى شفاء الإنسان المقيد بالخطيئة بقوة المخلص.

الأحد السادس (أحد التناصير): يعبر عن الاستنارة الروحية وفتح العيون الداخلية.

الأحد السابع (أحد الشعانين): تستقبل فيه الكنيسة السيد المسيح ملكًا، إيذانًا ببدء أسبوع الآلام.

 

اختلاف في المدة.. ووحدة في الهدف

ورغم الاختلاف الكبير بين صوم يونان والصوم الكبير من حيث المدة وطبيعة الجهاد الروحي، فإن الكنيسة تنظر إليهما باعتبارهما حلقتين في سلسلة واحدة، تهدف إلى التوبة وتجديد الحياة الروحية والاستعداد للقيامة.

فصوم يونان، رغم قصره، يوقظ القلب ويكسر القساوة، بينما يقود الصوم الكبير المؤمن في مسيرة طويلة من الجهاد والتهيئة الروحية، ليجتمع الصومان معًا في رسالة واحدة مفادها أن طريق الاقتراب من الله يبدأ باليقظة، ويكتمل بالثبات.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة