عصام محمد عبد القادر

رمضان.. زلزال الحصون

السبت، 28 فبراير 2026 01:54 ص


تنمية أنماط الوعي القيمي، والديني، والوطني في الوجدان، وتغذية الأذهان بثوابت إيمانية راسخة، ضرورة لشحذ الهمم، وترسيخ ثبات الإرادة، وتعزيز قوة العزيمة؛ فهي مسار أصيل؛ لبناء القدرة على مواجهة التحديات، وصون الحقوق، وترسيخ معاني الانتماء، والمسؤولية تجاه الأرض، والإنسان، فالأوطان التي تتسلّح بقيمها، وتستمد من عقيدتها، وأصالتها زادها المعنوي، تملك من القوة ما يمكّنها من حماية مقدراتها، والحفاظ على سيادتها؛ فهناك أبناء أوفياء، يحملون لواء العزة، والكرامة، ورجال صدقوا العهد في الذَّود عن تراب وطنهم، وشعب تحمّل الصعاب في سبيل الحرية، وصون مقدّراته، ومكتسباته، وهذا توصيف متواضع للمنهج، الذي سطّره التاريخ المقروء، والمشاهد في تجربة المصريين حين وحّدوا الإرادة، واستثمروا الإيمان، والعمل، والعلم؛ فحققوا نصرهم المستحق في العاشر من رمضان سنة 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973م، مؤكّدين أن الإعداد المعنوي، والإيمان الراسخ كانا ركيزتين أساسيتين في صناعة النصر المبين.

الرهان على القيم الروحية في شهر رمضان الفضيل قد أمدّ الجنود بطاقات معنوية، لا تنضب؛ فالجنديُّ صاحب القيمة في المعركة، لا يتزحزح عن موقفه، أو موقعه، أو مكتسبه؛ إذ يملك استعدادًا صادقًا؛ للتضحية بدمه، وروحه حسبة لله -تعالى-، ونصرة لوطن يعشق ترابه؛ ومن ثم بدت الشجاعة تعلو الرؤوس، وتصعق الأبصار، التي خشيت المواجهة، وقاتلت خلف أستار ظنت أنها حامية لها، لكن اندفع التقدم في ميادين القتال بعزيمة واثقة، وإصرار، فقضت على غطرسة عدوٍ لدود، ظن في لحظة غفلة أنه لن يُقهر؛ ناهيك عن العمل الجاد، والأخذ بالأسباب، وتحمّل المسؤولية، والانضباط الواعي؛ فقد كانت جميعُها من العوامل الحاسمة المسقطة لهيمنة العدوانُ والمرسّخة لمعادلة الإرادة، والإعداد معًا، وقد بدت هذه المعاني في سلوك يوميٍّ راسخ، تآلف فيه الصف، وتوّحدت الكلمة؛ فصار الصيام مدرسة؛ لتقوية النفوس الزَّكية، وشحذ الهمم، ومحرابًا، تتقوّى فيه العزائم على الثبات، والصبر؛ فالإيمان حين يمتزج بالفعل يخلق رجالًا، لا تعرف قلوبهم الوهن، ولا تساوم على الحق، بل تمضي بثقة نحو الهدف مستندة إلى يقين عميق بأن النصر ثمرة صدق، وإخلاص، وتضحية، وبذل دون مواربة.

الثبات، والصبر، والمثابرة من أجل بلوغ غاية نبيلة، من أجل ساهم فيها إعدادٌ احترافي، شمل الوجدان، والبنيان؛ فكانت رباطة الجأش في وقتٍ، يصعب أن يتوقعه، أو يفكر فيه أحد؛ غير أن التربية الرمضانية تُعدّ رائدة في هذا الشأن؛ إذ صقلت الإرادة، وفجّرت طاقاتٍ كامنة، وأعلنت عن شجاعة في مواجهة جحافل العدو بمعداته، ودفاعاته الحصينة، وكانت الرغبة في طلب الشهادة حاضرةً دون استثناء؛ فخلصت النية، فصار ، والعطش دافعًا للتحمل، وغدت لياقة الأبدان في أبهى صورها، وتكاملت قوة الروح مع الجسد في معادلة متوازنة، صنعت من الصائمين في الميدان رجالًا، تتقدمهم البصيرة قبل البصر، وتتوشحهم السكينة في أشدّ اللحظات احتدامًا، فكانوا على قدر المسؤولية، ثابتين عند الملمّات، ماضين بعزمٍ، لا يلين نحو أداء المهمة المستحيلة.

التضحيات لم تكن محصورة في قلب ميدان المعركة فقط، بل امتدت لتشمل أبناء الوطن في كل ربوعه؛ حيث تجلّى التلاحم الوطني بصورة أبهرت العالم بأسره؛ فقد أمدّ الشعب الجسور المؤسسة العسكرية بريعان شبابه، وقدّم ما يملك من قوة، وطاقة من أجل الحرية، والكرامة، ورفع الهامة والراية؛ فالجميع على اصطفافٍ قلب رجل واحد، مما زرع الخوف، والريبة في صفوف العدو، وقضى على كبريائه، وأعاد للمصريين الثقة المطلقة في مؤسساتهم الوطنية، التي ضحّت من أجل البلاد والعباد، وهنا ندرك ماهية أن رمضان زلزل حصون المتغطرس، كما يتضح أن التربية الرمضانية كانت أحد أسباب النصر، الذي تحقق من خلال معادلة الإرادة الصلبة، والإيمان العميق بوحدة الصف، وتكامل الأدوار بين الشعب، وجيشه.

اللهم في هذا الشهر المبارك، اجعلْ قلوب أبناء وطننا صافية، وازرعْ فيهم ثبات الإرادة، والعزيمة التي لا تلين، واجعل صيامنا مدرسةً للصبر، والمثابرة، ومنبع قوة؛ لحماية الأرض، والعرض، اللهم اجمع بيننا على حب الوطن، واجعلنا قلبًا واحدًا، يدًا واحدة، ثابتين عند الملمّات، ماضين بعزم، لا يلين في سبيل نهضة البلاد، ونسير على طريق النصر، والإخلاص كما خطّه أبطال العاشر من رمضان، اللّهُمَّ ارفعْ درجات شهدائنا الأبرار، واجعل دماءهم نورًا، يضيء دروبنا؛ ويقودنا إلى الوفاء بالعهد، والنصر المبين.

ـــــــــــ

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة