فى ذكرى رحيله.. البابا كيرلس السادس «رجل الصلاة» الذى قاد نهضة الكنيسة القبطية.. مسيرة روحية ووطنية صنعت قديسا فى ذاكرة الأقباط من مغارة التوحد إلى الكاتدرائية.. ورسخ أسقفيات التعليم والخدمات والبحث العلمى

الأربعاء، 25 فبراير 2026 08:00 ص
فى ذكرى رحيله.. البابا كيرلس السادس «رجل الصلاة» الذى قاد نهضة الكنيسة القبطية.. مسيرة روحية ووطنية صنعت قديسا فى ذاكرة الأقباط من مغارة التوحد إلى الكاتدرائية.. ورسخ أسقفيات التعليم والخدمات والبحث العلمى ذكرى رحيل البابا كيرلس السادس

كتبت بتول عصام

تبقى ذكرى رحيل البابا كيرلس السادس محطة للتأمل في سيرة رجلٍ اختار طريق الصلاة والتجرد، فصار أحد أبرز رموز الكنيسة القبطية في القرن العشرين، واسمًا خالدًا في تاريخها الحديث.

 

وتحل ذكرى البطريرك السادس عشر بعد المائة من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذي رحل في 9 مارس 1971، بعد مسيرة روحية ووطنية حافلة امتدت قرابة سبعة عقود، ترك خلالها بصمة عميقة في تاريخ الكنيسة والوطن.

 

عُرف بين الأقباط بلقب «رجل الصلاة»، لما اشتهر به من نسكٍ وزهدٍ ومواظبة على القداسات اليومية، حتى صار اسمه مقترنًا بالتقوى والبساطة والتواضع.

 

أولًا: النشأة والبدايات.. من عازر يوسف عطا إلى الراهب مينا البراموسي

وُلد البابا كيرلس السادس في 2 أغسطس 1902 باسم عازر يوسف عطا. ومنذ سنوات شبابه الأولى اتجه قلبه نحو الحياة الرهبانية، فالتحق بدير البراموس بوادي النطرون عام 1927، وبعد فترة اختبار دامت نحو تسعة أشهر، رُهبن في 25 فبراير 1928 باسم الراهب مينا البراموسي.

 

أقام في الدير قرابة أربع سنوات، وتتلمذ روحيًا ولاهوتيًا، كما التحق لمدة عام بالمدرسة اللاهوتية بحلوان، حيث تعمق في العلوم الكنسية. ورُسم قسًا عام 1931، ثم قمصًا في مارس 1945، لتتسع أمامه آفاق الخدمة الكهنوتية.

 

ثانيًا: سنوات التوحد والنسك.. "الأب مينا المتوحد"

لم تكن الرهبنة بالنسبة له مجرد إقامة داخل أسوار الدير، بل اختار طريق الوحدة الكاملة، فعاش خمس سنوات في مغارة تبعد ثلاثة كيلومترات عن دير البراموس (1932–1936)، حتى عُرف باسم "الأب مينا المتوحد".

 

ثم واصل حياة التوحد في طاحونة هواء بتلال المقطم لمدة خمس سنوات أخرى (1936–1941)، في تجربة روحية عميقة عكست ميله الشديد للنسك والصلاة المستمرة. وبعدها تنقل بين كنائس مصر القديمة، قبل أن يؤسس عام 1947 كنيسة باسم القديس مارمينا العجايبي، وأقام بجوارها مسكنًا للطلبة المغتربين، جامعًا بين الروحانية والخدمة الاجتماعية.

 

ثالثًا: إلى الكرسي المرقسي.. القرعة الهيكلية وبداية الحبرية

بعد رحيل البابا يوساب الثاني، جرى ترشيح القمص مينا البراموسي المتوحد ضمن قائمة المرشحين للبطريركية. وفي 17 أبريل 1959، فاز ضمن الثلاثة الذين شملتهم الانتخابات، ثم أُجريت القرعة الهيكلية في 19 أبريل 1959، وأسفرت عن اختياره بطريركًا.

 

وفي 10 مايو 1959، تمت رسامته باسم البابا كيرلس السادس، ليبدأ فصلًا جديدًا في تاريخ الكنيسة القبطية، استمر قرابة 12 عامًا، اتسم بالنشاط الرعوي والتنظيمي والروحي المكثف.

 

رابعًا: نهضة كنسية ومشروعات خالدة

شهدت حبريته طفرة واضحة في البناء المؤسسي والروحي. فوضع حجر الأساس لدير مارمينا بمريوط عام 1959 قرب موقع مدينة بومينا الأثرية، ليصبح أحد أبرز المزارات القبطية في العصر الحديث.

 

كما أسس أسقفية التعليم وأسقفية الخدمات العامة والاجتماعية عام 1962، وأسقفية البحث العلمي عام 1967، وأنشئت في عهده هيئة الأوقاف القبطية عام 1960، ولجنة إدارة أوقاف البطريركية عام 1967.

 

ومن أبرز إنجازاته بناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، التي وضع الرئيس جمال عبد الناصر حجر أساسها عام 1965، وافتُتحت لاحقًا لتصبح المقر البابوي الرئيسي. كما أعاد إلى مصر رفات القديس مرقس الرسول عام 1968، في حدث تاريخي بارز، ودُفن الجسد في المزار المُعد تحت هيكل الكاتدرائية.

 

وخلال حبريته أيضًا تجلت السيدة العذراء على قباب كنيستها بالزيتون عام 1968، وهو الحدث الذي استقطب اهتمامًا محليًا ودوليًا واسعًا.

 

خامسًا: حضور دولي وعلاقات وطنية

اتسم عهد البابا كيرلس السادس بانفتاح ملحوظ على العالم. فرسم بطريركًا جاثليقًا لإثيوبيا عام 1959، وزارها مرتين، كما أصبحت الكنيسة القبطية عضوًا عاملًا في المجالس المسكونية العالمية.

 

وامتدت خدمته خارج مصر، حيث بدأت في عهده خدمة الكنيسة بالكويت ولبنان، وتأسست كنائس قبطية في كندا وأستراليا ولندن والولايات المتحدة، ما شكل نواة الانتشار الواسع للكنيسة القبطية في المهجر.

 

وعلى الصعيد الوطني، ربطته علاقة قوية بالرئيس جمال عبد الناصر، وعاصر جزءًا من فترة حكم الرئيس أنور السادات. واتخذ مواقف وطنية بارزة، من بينها مساندة القضية الفلسطينية، ورفض تهويد القدس، ودعم الوطن عقب نكسة يونيو 1967.

 

سادسًا: الرحيل وإعلان القداسة.. إرث لا يغيب

رحل البابا كيرلس السادس في 9 مارس 1971، عن عمر ناهز 68 عامًا، بعد أن قضى نحو 12 عامًا على الكرسي المرقسي. ودُفن أولًا أسفل الكاتدرائية المرقسية الجديدة، ثم نُقلت رفاته عام 1972 بناءً على وصيته إلى دير مارمينا بمريوط.

 

عاش حياة اتسمت بالزهد والتقشف والتواضع، وأُثر عنه كثرة الصلاة والتسبيح وإقامة القداسات اليومية، وفي يونيو 2013، أعلن المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية قداسته رسميًا، ليُضاف إلى سجل قديسي الكنيسة المعاصرين.

 

رجل صلاة في ذاكرة الأقباط

بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله، لا يزال البابا كيرلس السادس حاضرًا بقوة في وجدان الأقباط، بوصفه رمزًا للبساطة الروحية والقوة الهادئة. فقد جمع بين حياة التوحد العميقة والعمل الرعوي المنظم، وبين الروحانية الصافية والحضور الوطني الفاعل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة