تواصل جماعة الإخوان الإرهابية محاولاتها اليائسة لإعادة تقديم نفسها داخل المشهد السياسي والإعلامي، عبر خطاب دعائي متكرر يقوم على إعادة تدوير نفس الشعارات التي سقطت عمليًا في تجارب سابقة أثبتت فشلها على أرض الواقع، سواء في إدارة الحكم أو في إدارة مؤسسات الدولة أو حتى في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي والفكري داخل بنيتها التنظيمية.
مصطلحات فقدت تأثيرها الحقيقي لدى الرأي العام
وعلى الرغم من محاولات التلميع المستمرة التي تعتمد على إعادة إنتاج مفاهيم قديمة مثل التمكين والإصلاح والنهضة، إلا أن هذه المصطلحات فقدت تأثيرها الحقيقي لدى الرأي العام، بعدما ارتبطت بسلسلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية التي كشفت حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، هذا التناقض أسهم في خلق حالة من فقدان الثقة الواسعة تجاه الجماعة، ليس فقط على مستوى الأنظمة السياسية، ولكن أيضًا على مستوى الشارع العربي الذي أصبح أكثر إدراكًا لطبيعة هذا التنظيم وأهدافه.
جماعة الإخوان الإرهابية لا تزال تتحرك وفق عقلية تنظيمية جامدة
وفي هذا السياق، قال رشاد عبد الغني، الخبير السياسي، إن جماعة الإخوان الإرهابية لا تزال تتحرك وفق عقلية تنظيمية جامدة لم تتغير منذ عقود، تعتمد على إعادة إنتاج نفس الخطاب دون أي تطوير حقيقي في الفكر أو الأدوات أو الرؤية السياسية، موضحًا أن الأزمة الأساسية للجماعة تكمن في أنها لم تعد قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي طرأت على الدولة الوطنية الحديثة.
وأضاف الخبير السياسي، أن الجماعة ما زالت تروج لنفس الشعارات القديمة التي سقطت عمليًا في اختبارات الواقع، حيث يتم تقديم مفاهيم براقة في ظاهرها لكنها فارغة من أي مضمون حقيقي عند التطبيق، مشيرًا إلى أن هذا النمط من الخطاب لم يعد يجد صدى لدى الشعوب التي أصبحت أكثر وعيًا وخبرة في قراءة ما وراء الشعارات السياسية.
وأكد الخبير السياسي، أن واحدة من أخطر أزمات الجماعة تتمثل في الانفصال الكامل عن الواقع، حيث تعيش داخل إطار فكري مغلق يمنعها من إدراك حجم التغيرات التي حدثت في البيئة السياسية والإقليمية والدولية، وهو ما جعلها تتحرك بمنطق تجاوزه الزمن، قائم على افتراض أن الجمهور ما زال يتلقى الخطاب السياسي بنفس درجة السذاجة أو القابلية التي كانت موجودة في مراحل سابقة.
وأشار إلى أن التجارب التي خاضتها الجماعة في بعض الدول خلال فترات الحكم أو المشاركة السياسية كشفت بشكل واضح حجم العجز البنيوي في قدرتها على إدارة الدولة، حيث ظهرت أزمات اقتصادية وإدارية حادة، إضافة إلى ارتباك في إدارة المؤسسات، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز الثقة بشكل كبير وسريع في تلك التجارب، وانعكس ذلك في حالة رفض شعبي واسع ما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم.
الذاكرة السياسية للشعوب لا تزال تحتفظ بالتفاصيل
وأوضح أن محاولات إعادة تقديم تلك التجارب باعتبارها "تجارب ديمقراطية طبيعية" أو "فترات انتقالية" لا تجد أي قبول حقيقي في الوعي العام، لأن الذاكرة السياسية للشعوب لا تزال تحتفظ بتفاصيل تلك المرحلة وما صاحبها من اضطرابات وتراجع في مؤشرات الاستقرار، وهو ما يجعل أي خطاب تبريري للجماعة غير قابل للتصديق أو الترويج الفعلي.
وتابع عبد الغني:" الجماعة الإرهابية تعتمد في الوقت الحالي على استراتيجية تقوم على استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بعض الدول، بهدف إعادة الترويج لنفسها كبديل سياسي محتمل، إلا أن هذه الاستراتيجية أصبحت محدودة الفاعلية في ظل ارتفاع مستوى الوعي العام، وتطور أدوات تحليل الخطاب الإعلامي لدى الجمهور، الذي أصبح قادرًا على التمييز بين النقد الموضوعي ومحاولات التوظيف السياسي للأزمات.
وأضاف أن الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لم يعد كافيًا لإعادة إنتاج النفوذ الذي كانت الجماعة تسعى إليه، خاصة مع تطور أدوات الرصد والتحقق من المعلومات، ووجود حالة من التدقيق الشعبي في كل ما يتم تداوله، ما أدى إلى تقليص قدرة الخطاب الدعائي على الانتشار والتأثير كما كان في السابق.
وشدد على أن ما تواجهه الجماعة في المرحلة الحالية ليس مجرد أزمة إعلامية أو سياسية عابرة، بل هو تآكل تدريجي في البنية الفكرية والتنظيمية نفسها، نتيجة الإصرار على نفس الأدوات القديمة دون أي مراجعة حقيقية أو نقد ذاتي أو محاولة لإعادة بناء رؤية سياسية تتناسب مع الواقع الجديد.
وأكد الخبير السياسي، أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التراجع في تأثير الجماعة داخل المشهد السياسي والإعلامي، مشيرًا إلى أن الفجوة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي أصبحت أكبر من أن يتم ترميمها عبر حملات دعائية أو محاولات إعادة تسويق إعلامي، مضيفا أن المستقبل القريب سيكشف بشكل أوضح حجم الانكماش الذي ستشهده الجماعة، في ظل غياب أي قدرة على التجديد الفكري أو التنظيمي، ومع استمرار فقدان الثقة الشعبية، وهو ما يجعل خطابها الحالي أقرب إلى محاولة دفاعية متأخرة أكثر منه مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة أو الاستمرار.