في واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية إيلاما التي خلفتها الحرب في غزة، تقف الدكتورة سحر كحيل أمام مأساة تفوق قدرة الكلمات على وصفها، بعدما فقدت زوجها وأربعة من أبنائها، إلى جانب عدد آخر من أفراد عائلتها، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة وجع الفقد، ومسؤولية ثقيلة تجاه 11 طفلا يتيما أصبحوا بحاجة إلى رعايتها واحتضانها.
حياة في الغربة
قرابة عشرين عاما قضتها سحر في الغربة بالمملكة العربية السعودية، تحمل خلالها حنينا لا ينقطع إلى وطنها وأسرتها، وتنتظر اللحظة التي تعود فيها إلى غزة، لتجتمع بزوجها وأبنائها، وتستعيد دفء البيت الذي غابت عنه سنوات طويلة، كانت تتخيل العودة باعتبارها بداية لتعويض ما فاتها، وفرصة لقضاء ما تبقى من العمر بالقرب ممن تحب، وسط ضحكات الأبناء ولمة العائلة.
الدكتور سحر كحيل
استشهاد أسرتها
الحياة لم تمنحها النهاية التي حلمت بها، فبدلا من استقبال أحضان زوجها وأبنائها، وجدت نفسها أمام فاجعة لم تكن في الحسبان، رحل الزوج، وغاب أربعة من أبنائها، وفقدت آخرين من أفراد عائلتها، لتتحول فرحة العودة إلى مأساة إنسانية تركت في قلبها جرحا لا يعرف كيف يلتئم.
أي وجع يمكن أن تشعر به أم تفقد زوجها وأربعة من أبنائها؟ وكيف يمكن لقلب واحد أن يستوعب كل هذه الخسارات دفعة واحدة؟ وكيف تستطيع امرأة أن تبدأ يومها دون أن تتذكر الوجوه التي كانت تنتظر رؤيتها، والأصوات التي كانت تملأ حياتها والأحلام التي كانت تتمنى أن تعيشها معهم؟
رعاية 11 طفلا يتيما
ولم تتوقف مأساة سحر عند حدود الفقد الشخصي، فإلى جانب أحزانها، أصبحت أمام مسؤولية رعاية 11 طفلا يتيما، يحمل كل واحد منهم حكاية فقد واحتياجا إلى الأمان والحنان، وجدت نفسها مطالبة بأن تكون لهم الأم والسند، وتحاول توفير الرعاية والاحتواء لهم، رغم أنها فقدت بدورها من كانت تتمنى أن تجد بينهم الدعم والاحتضان.
أصبحت سحر تحمل وجعين في قلب واحد؛ وجع أم فقدت أبناءها وزوجها، ووجع امرأة تدرك أن هناك 11 طفلا ينتظرون منها الرعاية والاهتمام، وأن مستقبلهم أصبح مسؤولية ثقيلة على عاتقها، وبين ذكريات عائلتها الراحلة واحتياجات الأيتام الذين يحتاجون إليها، تحاول أن تتمسك بما تبقى من القوة لمواصلة الحياة.
إنها حكاية لا تتعلق بفقدان أفراد من الأسرة فحسب، بل بعمر كامل تبدلت تفاصيله، وأحلام عودة تحولت إلى ذكريات موجعة، وأم وجدت نفسها مطالبة بأن تمنح الحياة والأمان لأطفال فقدوا آباءهم، بينما تحاول هي أن تتعايش مع غياب أقرب الناس إلى قلبها.
عادت الدكتورة سحر كحيل إلى غزة بحثا عن عائلتها، لكنها وجدت نفسها أمام مسؤولية عائلة من الأيتام، عادت تحمل شوق عشرين عاما، فاستقبلتها مأساة لا تكفيها سنوات العمر لتجاوزها، وبين قلبها المثقل بالفقد وأحد عشر طفلا ينتظرون منها الأمان، تبقى حكايتها شاهدا على أن الحرب لا تأخذ الأرواح وحدها، بل تترك خلفها أمهات يحملن أحزانا تفوق الاحتمال، وأطفالا يبحثون عمن يعيد إليهم شيئا من معنى العائلة والحياة.