<< محمد الشيخ خليل.. أم تواجه إعاقتها وظروف الحرب كي لا تحرم ابنها من التعليم
<< الإغاثة الطبية: أكثر من 8 آلاف طفل من ذوي التوحد والرقم يحتاج إلى حصر ميداني
<< فارس أحمد.. طفل يضع يديه على أذنيه ويصرخ كلما دوى القصف
<< مخيم الحياة.. مبادرة من العراء تمنح أطفال التوحد في غزة فرصة للتعلم والأمل
<< سعد محمد.. طفل يتيم من ذوي التوحد يواجه الجوع والنزوح وغياب والده
<< سناء سعيد: أطفال التوحد فئة مظلومة.. ومبادرتنا تحاول منحهم مكانا بين الجميع
<< إيلين محمد.. طفلة في السابعة بددت الحرب استقرارها وقطعت طريق تأهيلها
<< جلسات متوقفة ومراكز مدمرة.. كيف تهدد الحرب سنوات التأهيل التي قطعها أطفال التوحد؟
<< بلا صفوف ولا خيمة تحميهم من الشتاء.. مخيم الحياة يتمسك بالأمل وسط قسوة النزوح
في إحدى الخيام، يحاول الطفل محمد الشيخ خليل أن يتمسك بتفاصيل حياته اليومية، وسط واقع تفرضه الحرب وتضاعف فيه الظروف الإنسانية الصعبة معاناة الأطفال، لا سيما المصابين بالتوحد الذين يحتاجون إلى رعاية واهتمام خاصين، وبينما تحاصره التحديات، تحاول والدته أن توفر له ولإخوته حياة أقرب ما تكون إلى الطبيعية، متحملة مسؤولية الأسرة وحدها في ظل ظروف قاسية.
تعيش والدة محمد ظروفا إنسانية بالغة الصعوبة، بعدما انفصلت عن زوجها إثر معاناتها من إعاقة بصرية أثرت في حياتها، لتجد نفسها مسؤولة عن إعالة أبنائها الثلاثة، والقيام بدور الأم والأب في آن واحد، دون أن تتخلى عن محاولاتها المستمرة لتوفير الرعاية والتعليم لأطفالها.
ورغم إصابة محمد بالتوحد، تحرص والدته على مواصلة تعليمه، وتبذل ما في وسعها لمساعدته على التعلم والتكيف مع واقعه، مستفيدة من الإمكانات المتاحة داخل الخيمة وما يتوفر له من دعم تعليمي في "مخيم الحياة" الذي يتلقى فيه دروسه.
وفي وقت تشير فيه تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن شخصا واحدا من كل 127 طفل مولود طفلا واحدا حول العالم لديه اضطراب طيف التوحد عام 2021، تتزايد الحاجة في غزة إلى معرفة حجم هذه الفئة من الأطفال، وتحديد احتياجاتها في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية والنزوح وتضرر المؤسسات الصحية والتأهيلية والتعليمية.
وتقدر المنظمة العالمية، عدد الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد عالميا بنحو 61.8 مليون شخص عام 2021، أي ما يعادل شخصا واحدا من كل 127 شخصا، موضحة أن هذه النسبة تمثل تقديرا عالميا متوسطا، ومعدلات الانتشار المبلغ عنها تختلف بين الدراسات، فيما لا تزال البيانات غير متوافرة بالقدر الكافي في عدد من البلدان.
الحرب تدمر حياة ذوي الإعاقة في غزة
وتكشف تفاصيل الحياة اليومية للطفل عن جانب من إصرار الأسرة على مواصلة الحياة رغم الحرب، حيث يجلس محمد للدراسة في مطبخ بالخيمة، محاولا متابعة دروسه في مساحة بسيطة تحولت إلى مكان للتعلم، بينما تحاول والدته توفير الأجواء المناسبة له، والحفاظ على روتين يومي يمنحه قدرًا من الاستقرار وسط الاضطرابات المحيطة به.
وفي وصف هذه التجربة الإنسانية، تقول إحدى الشهادات التي رصدت ظروف الأسرة: "رغم كل الظروف الصعبة التي تعيشها الأم، فإنها تضغط على نفسها وتبذل كل ما تستطيع من أجل أبنائها، وتحرص على تعليم محمد في المركز، كما تحاول أن توفر له حياة طبيعية قدر الإمكان، ورغم الحرب، يحاولون التمسك بتفاصيل حياتهم اليومية، وكأنهم يريدون أن يشعروا بأن الحياة لا تزال مستمرة".
الأم منفصلة عن زوجها وتعيل ثلاثة أبناء بينهم مريض بالتوحد، لكنها تتحمل مسؤوليتهم جميعا، وتعتني بهم في كل وقت، وتقوم بدور الأم والأب معا، وتحاول ألا يشعر أبناؤها بأنهم وحدهم في مواجهة الظروف الصعبة.
وبين مطبخ صغير يتحول إلى مساحة للتعلم، وأم تحاول تجاوز إعاقتها البصرية وظروفها الأسرية لتأمين احتياجات أبنائها، تبرز قصة محمد بوصفها حكاية عن الصمود الإنساني، وعن حق الأطفال المصابين بالتوحد في التعليم والرعاية والأمان، مهما اشتدت الظروف من حولهم، فبالنسبة إلى هذه الأم، لا يقتصر التحدي على إعالة أبنائها الثلاثة، بل يمتد إلى حماية طفولة ابنها المريض، ومساعدته على التعلم والاستمرار، ومنحه شعورا بأن الحياة لا تزال تحمل مساحة للأمل، حتى في قلب الحرب.
والد فارس أحمد: ابني لا يتحمل أصوات القصف ويضع يديه على أذنيه ويصرخ
في القطاع، لا تتوقف معاناة الأطفال عند الخوف من القصف أو فقدان الأمان أو قسوة النزوح، فهناك أطفال يواجهون آلاما مضاعفة بسبب احتياجاتهم الخاصة، وفي مقدمتهم الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد، الذين يجدون أنفسهم أمام واقع يفوق قدرتهم على التحمل، في ظل أصوات الانفجارات المتواصلة والعيش داخل الخيام، وغياب الاستقرار الذي يحتاجون إليه لمواصلة النمو والتعلم والتواصل مع الآخرين.
آثار الحرب الإسرائيلية على مرضى التوحد في غزة
وسط هذه الظروف القاسية، يروي أحمد، والد الطفل فارس الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد، جانبا من المعاناة اليومية التي يعيشها ابنه منذ اندلاع الحرب، مؤكدا أن أصوات القصف والانفجارات تمثل مصدر خوف شديد له، وتترك آثارًا واضحة على حالته النفسية وقدرته على التفاعل مع محيطه.
فارس مريض توحد
ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن ابنه لا يستطيع تحمل أصوات القصف والضربات العنيفة، فعندما يسمعها يضع يديه على أذنيه ويبدأ في الصراخ، في محاولة للتعامل مع الأصوات التي تسبب له ضيقا شديدا، لافتا إلى أن هذه الظروف تؤثر سلبا على حالته، وتزيد من صعوبة التعامل مع احتياجاته اليومية، خاصة مع وجود صعوبات في النطق والتواصل.
ويشير الأب، إلى أن استمرار القصف والضوضاء يضاعف من معاناة فارس، الذي يحتاج إلى بيئة هادئة ومستقرة تساعده على تنمية مهاراته والاستفادة من أي دعم أو رعاية يتلقاها، إلا أن الحرب حرمته من هذا الحد الأدنى من الاستقرار، وجعلت تفاصيل الحياة اليومية أكثر صعوبة.
خيمة لا تمنح الأمان
داخل الخيمة التي أصبحت مكان إقامة الأسرة، تتواصل معاناة فارس مع الخوف والتوتر وسرعة الانفعال، حيث يؤكد والده أن ابنه أصبح يتضايق من أبسط الأمور، وقد يغضب سريعا وينسحب من التفاعل مع المحيطين به، وهو ما يجعل التعامل معه أكثر صعوبة في ظل الظروف الحالية.
ويقول الأب إن الأسرة تحاول قدر استطاعتها احتواء فارس ومساعدته على تجاوز هذه الأوقات العصيبة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في ظل النزوح وغياب البيئة المناسبة لاحتياجاته، مضيفا أن الحياة داخل الخيام لا توفر للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد الاستقرار الذي يحتاجون إليه، سواء من حيث الهدوء أو انتظام الأنشطة اليومية أو توافر الخدمات المتخصصة.
وفي لحظة إنسانية تعكس تمسك الأسرة بابنها ومحاولتها الحفاظ على قدراته، يحاول الأب التحدث إلى فارس وطرح أسئلة بسيطة عليه، فيسأله عن حاله، فيجيبه الطفل: "منيح"، ثم يسأله عن هوية والده، فيرد: "بابا"، وعندما يسأله عن اسم أبيه، يجيب: "أحمد"، فيستقبله والده بكلمات التشجيع والفخر، في مشهد صغير يكشف قيمة هذه اللحظات بالنسبة إلى أسرة تسعى إلى الحفاظ على تقدم طفلها وسط واقع شديد القسوة.
لا نعلم ماذا نفعل في الحرب
لا يخفي والد فارس شعوره بالعجز أمام الظروف التي تحاصر أسرته، مؤكدا أن التعامل مع احتياجات ابنه أصبح أكثر صعوبة في ظل استمرار الحرب، والأسرة لا تعرف كيف يمكنها توفير كل ما يحتاج إليه طفلها في بيئة تفتقر إلى الأمان والاستقرار.
وتلخص كلماته حجم المأساة التي تعيشها أسر الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد في غزة، حيث لا تقتصر احتياجات هؤلاء الصغار على الغذاء والمأوى، بل تمتد إلى الدعم النفسي والرعاية المتخصصة والبيئة المناسبة التي تساعدهم على التواصل والتعلم والنمو.
8 آلاف مريض بالتوحد
ويقدر المختص في مجال الإعاقة مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في غزة، وجود أكثر من 8 آلاف طفل ذي اضطراب طيف التوحد داخل القطاع، مؤكدا أن هذا الرقم يظل تقديرا أوليا يحتاج إلى التحقق من خلال دراسة ميدانية متخصصة، في ظل غياب حصر شامل يحدد أعداد الأطفال المشخصين، وأولئك الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى التشخيص أو الخدمات التأهيلية.
ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن معاناة هؤلاء الأطفال لا تبدأ مع الحرب، بل كانت موجودة قبلها في ظل الحاجة إلى خدمات تشخيص وتأهيل متخصصة ومستمرة، لكنها أصبحت أكثر تعقيدا مع النزوح المتكرر، وتعطل الخدمات، وصعوبة الوصول إلى المراكز، وفقدان بعض الأطفال البيئة التي اعتادوا عليها ووسائل الدعم التي تساعدهم على التواصل والتعلم وتنظيم حياتهم اليومية.
معاناة مرضى التوحد في غزة بسبب الحرب
ويضيف أن الطفل الذي يحتاج إلى وسيلة تواصل بديلة أو برنامج تأهيلي منتظم قد يجد نفسه فجأة في مكان إقامة مكتظ، وسط أصوات وحركة وتغيرات متواصلة، بينما تحاول أسرته توفير الغذاء والماء والمأوى، ومساعدته على التكيف مع واقع جديد لا يراعي بالضرورة احتياجاته الفردية.
ويوضح أن التعامل مع هذه الفئة لا ينبغي أن يقتصر على توفير جلسات متفرقة أو تسجيل الأطفال في قوائم المؤسسات، بل يتطلب مسارا متكاملا يجمع بين التقييم والتأهيل والدعم التعليمي والنفسي والاجتماعي، إلى جانب مساندة الأسر وضمان استمرارية الخدمات حتى في حالات الطوارئ.
الحرب والنزوح.. اضطراب في الروتين وانقطاع في التأهيل
لا تتسبب الحرب في اضطراب طيف التوحد، لكنها قد تزيد من صعوبة تلبية احتياجات الأطفال الذين لديهم هذا الاضطراب، خاصة عندما تؤدي إلى فقدان البيئة المألوفة، وتعطل برامج التأهيل، وتغير مواعيد النوم والطعام والأنشطة اليومية.
ويشرح عابد أن بعض الأطفال يحتاجون إلى قدر من الاستقرار والتدرج في الانتقال بين الأنشطة، وقد يواجهون صعوبة في التكيف مع الانتقال المفاجئ إلى مكان جديد أو العيش في مساحة مكتظة لا تتوافر فيها الخصوصية والهدوء.
في مراكز النزوح، قد تجد الأسرة نفسها عاجزة عن توفير مساحة مناسبة للطفل أو المحافظة على الأنشطة التي اعتادها، فيما يصبح الوصول إلى اختصاصي النطق واللغة أو العلاج الوظيفي أو خدمات الدعم الأخرى أكثر صعوبة، وتزداد الأعباء عندما تفقد الأسرة وسائل التواصل التي يستخدمها الطفل، أو تتعذر عليها متابعة الجلسات التي كان يحصل عليها، أو تضطر إلى الانتقال مجددا إلى منطقة أخرى. وفي هذه الحالات، لا يقتصر أثر انقطاع الخدمة على غياب الجلسة نفسها، بل يمتد إلى قدرة الأسرة على مواصلة الأنشطة الداعمة للتواصل والتعلم والمشاركة اليومية.

معاناة ذوي الإعاقة في غزة
ويشدد عابد على ضرورة عدم تفسير انقطاع الطفل عن التأهيل باعتباره تقصيرا من أسرته، حيث قد يكون مرتبطا بظروف النزوح أو عدم توافر المواصلات أو توقف المؤسسة التي تقدم الخدمة أو عجز الأسرة عن تحمل التكاليف، كما أن أولويات البقاء التي تواجه الأسر خلال الحرب قد تجعل توفير الاحتياجات الأساسية مقدما على متابعة الخدمات التخصصية، من دون أن يعني ذلك تراجع أهمية التأهيل أو انتفاء حاجة الطفل إليه.
التأهيل لا ينتهي عند الجلسة
احتياجات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تتجاوز جلسات العلاج، وتتطلب منظومة متكاملة تراعي الفروق الفردية بينهم، وتربط بين الأسرة والاختصاصيين والمؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية، حيث قد يحتاج طفل إلى دعم في النطق واللغة، فيما يحتاج آخر إلى وسائل تواصل بديلة، أو تدريب على المهارات اليومية، أو تيسيرات تعليمية تساعده على المشاركة في التعلم، وقد تحتاج الأسرة إلى إرشاد عملي حول كيفية تنظيم الأنشطة اليومية، والتعامل مع التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل واحتياجاته، ومساعدته على التعبير عن رغباته.
وفي المجال التعليمي، لا يكفي تسجيل الطفل في مدرسة أو مساحة تعليمية، بل يتطلب الدمج تهيئة البيئة التعليمية، وتوفير وسائل مناسبة للتواصل والتعلم، وتعزيز التعاون بين الأسرة والمعلمين والاختصاصيين.
ويؤكد عابد أن انقطاع هذه الخدمات خلال الحرب يفرض البحث عن نماذج أكثر مرونة، تتيح استمرار الدعم في الظروف التي يتعذر فيها الوصول إلى المراكز، من دون التخلي عن التقييم المهني والتدخلات المتخصصة التي تحتاج إليها بعض الحالات، موضحا أهمية التأهيل المجتمعي والزيارات المنزلية وتدريب مقدمي الرعاية، بما يساعد الأسر على تطبيق الأنشطة المناسبة في البيئة التي يعيش فيها الطفل، غير أن هذه التدخلات لا ينبغي أن تتحول إلى بديل كامل عن الخدمات المهنية، بل يجب أن تكون جزءا من منظومة مترابطة تتيح الإحالة إلى الاختصاصيين ومتابعة الحالات.
سناء سعيد تقود معركة الأمل لأطفال التوحد في غزة
محمد الشيخ وفارس أحمد، طفلان يتلقيان برامج التأهيل داخل مخيم الحياة، حيث يخوضان معركة مضاعفة من أجل البقاء والتعلم والحصول على أبسط حقوقهم. وبينما تحاصرهم أصوات القصف ويفتقدون الأمان والاستقرار، هنا تحاول سناء سعيد، صاحبة مبادرة هذا المخيم، دعم هؤلاء الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد، كي تمنحهم مساحة صغيرة للفرح والتعلم، رغم قسوة الظروف ومحدودية الإمكانات.
تتحدث سناء سعيد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، عن واقع المبادرة بكلمات تختصر حجم المعاناة، قائلة إن المركز الذي أنشأته برفقة زميلتها يعمل في العراء، دون صفوف دراسية أو خيام تحمي الأطفال من تقلبات الطقس، ومع اقتراب فصل الشتاء، تتضاعف مخاوفها من عدم قدرتها على مواصلة الأنشطة في مكان لا يوفر الحماية اللازمة للأطفال.
وتقول: "نحن نعمل معهم في مركز بالعراء، لا تتوافر فيه صفوف ولا خيمة، والشتاء قادم، كيف يمكنني الاستمرار معهم في هذه الظروف؟ لو استطعنا الحصول على خيمة واحدة، لكان ذلك أفضل كثيرا".
مخيم الحياة
ليست الخيمة بالنسبة إلى سناء مجرد مأوى مؤقت، بل ضرورة تضمن استمرار مساحة تعليمية وإنسانية يحتاج إليها الأطفال، الذين وجدوا في المركز مكانا يستقبلهم ويمنحهم فرصة للتعلم والتفاعل، بعدما أغلقت أمامهم أبواب مؤسسات وأنشطة عديدة.
القصف يسرق الطمأنينة من الأطفال
لا تنتهي معاناة أطفال التوحد عند غياب المكان المناسب، حيث تترك أصوات القصف والانفجارات آثارا قاسية على حالتهم النفسية وسلوكهم اليومي، وتوضح سناء أن بعض الصغار يصابون بالخوف الشديد ليلا عند سماع أصوات القصف، وقد ينتابهم الفزع وتصدر عنهم ردود فعل يصعب عليهم التحكم فيها.
وتشير إلى أن العيش داخل الخيام غير الملائمة لاحتياجاتهم يزيد من صعوبة التعامل مع هذه الحالات، لاسيما أن بعض الأطفال قد يدخلون في نوبات غضب، أو يؤذون أنفسهم أو الأطفال المحيطين بهم، وهو ما يضاعف مسؤولية القائمين على رعايتهم ويجعل توفير بيئة آمنة أمرا ضروريا.
الأطفال الضحايا في غزة
وتؤكد أن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى معاملة متخصصة وصبر واحتواء، وليس إلى العزل أو الإقصاء، مشيرة إلى أن الحرب لا تحرمهم الأمان فقط، بل تهدد أيضا فرصهم في التعلم وتنمية مهاراتهم واكتشاف قدراتهم.
أطفال التوحد فئة مظلومة
وتروي سناء أن فكرة المبادرة بدأت عندما اكتشفت وجود عدد من الأطفال والشباب من ذوي اضطراب طيف التوحد داخل مخيم يضم فئات مختلفة من ذوي الإعاقة والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، ومع الوقت، لاحظت أن هذه الفئة لا تحصل على فرص مماثلة للمشاركة في الأنشطة التعليمية والتوعوية التي تنظمها بعض المؤسسات.
وتقول إن مؤسسات كانت تنظم ورش عمل لفئات عمرية مختلفة، لكنها لا تستقبل أطفال التوحد، بحجة صعوبة التعامل معهم أو عدم القدرة على إيصال المعلومات إليهم، مؤكدة أنها شعرت بأن هؤلاء الأطفال يُتركون خارج دائرة الاهتمام، رغم حاجتهم الشديدة إلى التعليم والتأهيل والدعم النفسي.
سناء سعيد
وتضيف: "كنا نرى أطفال التوحد لا يجدون مكانا في المدارس أو ورش العمل، وشعرنا أنهم مظلومون، لذلك قررت أنا وزميلتي أن ننشئ لهم مركزا خاصا، نتمكن فيه من التعامل معهم، وتعليمهم، والاهتمام باحتياجاتهم، واكتشاف المواهب الموجودة لديهم".
وتؤكد أن المبادرة لم تبدأ بدعم مؤسسي أو بإمكانات كبيرة، بل جاءت بمبادرة شخصية من فتاتين قررتا جمع الأطفال وتوفير مكان لهم، انطلاقا من إيمانهما بحقهم في التعلم والاندماج والحصول على الرعاية المناسبة.
ساعات قليلة تنسيهم الحرب
رغم غياب الإمكانات، تحاول سناء وزميلتها تقديم أنشطة يومية للأطفال، تشمل التدريب على المهارات الأساسية، وتعليم الحروف والأرقام، ومساعدتهم على تطوير قدراتهم اللغوية والتواصلية، إلى جانب أنشطة اللعب والتحفيز، موضحة أن الصغار يأتون إلى المركز في أوقات الصباح وهم سعداء ومتحمسون، بل إن بعضهم يصل قبل الموعد المحدد للحصة، ويرغب في البقاء لفترة أطول، حتى إن القائمات على المبادرة يجدن صعوبة أحيانا في إقناعهم بالعودة إلى منازلهم.
وتقول إن هذه الاستجابة تمنحها وزميلتها دافعا كبيرا للاستمرار، خاصة عندما تلاحظان تحسنا في تفاعل الأطفال أو محاولاتهم التعبير عن أنفسهم والتحدث والتعلم، لافتة إلى أن ساعات العمل القليلة التي تقضيها مع الأطفال تجعلها تنسى، ولو مؤقتا، قسوة الحرب وما تفرضه من أعباء يومية، وانشغالها بتعليمهم ومتابعة تطورهم يمنحها شعورا بالأمل، ويجعلها تتمسك بالمبادرة رغم كل الصعوبات.

مخيم الحياة لمرضى التوحد في غزة
ولتشجيع الأطفال، تحرص سناء وزميلتها على توفير بعض قطع البسكويت لهم بعد انتهاء الأنشطة، باعتبارها مكافأة بسيطة تسعدهم وتحفزهم على المشاركة والتركيز، لكنها تؤكد أن المركز يحتاج إلى ألعاب تعليمية وأدوات تدريبية ووسائل تساعد الأطفال على تنمية مهاراتهم بصورة أفضل.
الجوع وسوء التغذية.. معاناة إضافية
إلى جانب القصف والنزوح وغياب المكان المناسب، تواجه الأسر أزمة حادة في توفير الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية، حيث تشير سناء سعيد، إلى أن أطفال التوحد قد تكون لديهم احتياجات غذائية خاصة، أو صعوبات تتعلق بتقبل أنواع معينة من الطعام، الأمر الذي يجعل نقص الغذاء أكثر تعقيدا بالنسبة إلى بعضهم.

مجاعة شاملة في غزة
وتروي أن الطفل فارس أحمد، الذي يبلغ من العمر 18 عاما، يبدو أصغر من عمره الحقيقي بكثير، وهو ما يثير مخاوفها بشأن تأثير نقص التغذية والظروف المعيشية القاسية على نمو الأطفال وبنيتهم الجسدية.
أعلنت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان لها في 16 أكتوبر، وفاة 466 فلسطينيا، بينهم 157 طفلا، جراء سوء التغذية والتجويع منذ عام 2024، وأكثر من 1.4 مليون مواطن يواجهون خطر أزمة غذائية حتى نهاية عام 2026.
وتؤكد أن توفير الغذاء المناسب والرعاية الصحية والتغذية يجب أن يكون جزءا أساسيا من الاستجابة الإنسانية، مع مراعاة احتياجات كل طفل وظروفه الصحية، بدلًا من الاكتفاء بتقديم مساعدات عامة لا تلبي جميع احتياجات هذه الفئة.
المجاعة والأمراض في غزة بسبب الحرب
مبادرة بلا دعم.. واحتياجات لا تحتمل التأجيل
وتقول سناء إن المركز لم يحصل على دعم يكفي لتوفير احتياجاته الأساسية، والقائمات عليه يعتمدن على إمكانات محدودة لتسيير الأنشطة اليومية، مؤكدة أن الأولوية العاجلة تتمثل في توفير خيمة تحمي الأطفال من المطر والبرد، إلى جانب الألعاب والوسائل التعليمية والأدوات التي تساعد على تدريبهم وتنمية مهاراتهم.
كما تدعو إلى زيادة اهتمام المؤسسات الإنسانية والأهلية بالأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد، وإتاحة فرص حقيقية لهم للمشاركة في البرامج التعليمية والتأهيلية، وتدريب العاملين على التعامل مع احتياجاتهم بصورة مناسبة، لافتة إلى أن تجربتها مع الصغار الذين يعانون من التوحد جعلتها أكثر انتباها إلى الفئات الأخرى التي قد تُستبعد من الأنشطة، ومن بينها الأشخاص الصم، الذين يحتاجون إلى توفير مترجمي لغة الإشارة حتى يتمكنوا من المشاركة والاستفادة من البرامج التوعوية والتدريبية.
سعد محمد.. طفل يتيم مصاب بالتوحد يواجه الحرب والنزوح والمجاعة بلا سند
وبصوت يملؤه الحزن والألم، تروي فاطمة سعد، والدة الطفل اليتيم سعد محمد سعد الطباطيبي، تفاصيل رحلة قاسية اجتمع فيها فقدان الزوج واكتشاف إصابة طفلها بالتوحد – والذي يعالج حاليا في بداية لاضطرابات التوحد - في وقت كانت فيه الحرب تحاصر كل تفاصيل حياتهم، وتحرمهم من أبسط مقومات الحياة.

الطفل محمد سعد محمد
وتقول فاطمة سعد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "اكتشفت أن ابني سعد مصاب بالتوحد قبل بداية الحرب بشهرين فقط، وكان عمره وقتها سنتين ونصف السنة، ولم نكن قد استوعبنا الأمر، ولم نكن نعرف كيف نتعامل مع حالته أو كيف نوفر له العلاج والرعاية التي يحتاجها، حتى جاء العدوان وقلبت حياتنا رأسا على عقب".
وتضيف: "بعد شهر واحد من بداية الحرب، استشهد والده، وهنا كانت الصدمة الكبرى، حيث وجدت نفسي أمام واقع لم أكن أتخيله، فقدت زوجي وسندنا في الحياة، وأصبحت مسؤولة وحدي عن تربية أربعة أطفال، سعد وثلاث بنات، من دون أي معيل أو سند يساعدني على مواجهة هذه الظروف الصعبة".
أيتام وأرامل
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، أن القطاع أصبح مدينة للأرامل والأيتام، حيث إن هناك 64,413 امرأة وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الحياة كأرامل، يحملن ثقل الفقد ومرارة اللجوء وحدهن.

عدد الأيتام في غزة
وأضافت أن هناك 71,846 طفلا أُضيفت أسماؤهم إلى قائمة الأيتام، ينامون بلا حضن أبوي يقيهم البرد، ويتشاركون الوجع والخوف كل يوم، هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل أرواح كسرت، وبيوت أُغلقت، وحكايات ألم تُكتب كل ثانية تحت وطأة الحرب المتواصلة.
جرائم الاحتلال داخل غزة
كما أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة خلال بيان لها في 26 أكتوبر، أن 123,588 أسرة تعيلها نساء خلال عام 2026، فيما فقدت 28,580 امرأة أزواجهن منذ 7 أكتوبر 2023، وتلقت 1,625 امرأة خدمات دعم وحماية متخصصة، في ظل استمرار الظروف الإنسانية القاسية.
وتتابع: "كان اكتشاف مرض سعد صعبا علي، لكن الأصعب أنني لم أكن أعرف كيف أعالجه أو أوفر له ما يحتاجه في ظل الحرب الشرسة، كل شيء أصبح صعبا، العلاج، والرعاية، وحتى توفير الاحتياجات الأساسية، كنت أفكر دائما في مستقبل ابني، وكيف سأتمكن من مساعدته في وقت لا أستطيع فيه تأمين أبسط متطلبات الحياة".
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
وتستذكر الأم معاناة النزوح والمجاعة، قائلة: "كانت المجاعة والنزوح من أصعب ما مررنا به، فلم يكن لنا سند بعد استشهاد والده، وكنت أحاول أن أحمي أطفالي وأوفر لهم ما يسد جوعهم، بينما أعيش خوفا دائما على سعد، الذي يحتاج إلى رعاية واهتمام خاصين، وكنت أشعر بالعجز أمام احتياجاته، لا لأنني لا أريد مساعدته، بل لأن الظروف كانت أقسى من قدرتي على التحمل".
ولم تتوقف معاناة سعد عند المرض وفقدان والده، بل امتدت إلى الخوف الذي زرعته أصوات الصواريخ والقذائف في نفسه، حيث تقول والدته: "كان يخاف كثيرا من أصوات الصواريخ والقذائف، وكانت هذه الأصوات تزيد من خوفه ومعاناته، كان متعلقا بوالده تعلقا كبيرا، فوجوده إلى جانبه يمنحه الأمان، وبعد استشهاده، أصبح يفتقده بطريقة توجع قلبي".
وتروي فاطمة مشهدا لا يغيب عن ذاكرتها: "كان سعد ينظر إلى صورة والده ويبكي، كان يفتقد شخصا كان معنا في كل تفاصيل حياتنا، شخصا كان موجودا بيننا، ثم رحل ولم يعد، كنت أراه أمام صورة أبيه ولا أملك إلا أن أحتضنه وأحاول تهدئته، بينما كان قلبي أنا أيضا مليئا بالحزن على زوج فقدناه، وعلى طفل صغير لا يستطيع أن يفهم لماذا غاب أبوه ولماذا لن يعود".
وتضيف: "كل ما أتمناه أن يجد سعد فرصة للعلاج والرعاية، ويعيش حياة آمنة بعيدا عن أصوات القصف والخوف والجوع والنزوح، ابني فقد والده وهو لا يزال صغيرا، ويحتاج اليوم إلى من يقف إلى جانبه ويساعده على تجاوز هذه الظروف، أنا أم أحاول أن أكون له الأم والأب، لكنني بحاجة إلى من يساندني، حتى أستطيع أن أمنحه وأخواته حياة كريمة وأملًا في مستقبل أفضل".
إيلين.. طفلة التوحد التي تنتزع الحرب منها فرص التعلم والأمان في غزة
على الجانب الأخر هناك إيلين محمد أبو خشم، ذات السنوات السبع، لم تكن تعرف أن العالم الذي اعتادت تفاصيله الصغيرة سيتبدل يوما إلى خيمة مكتظة بالنازحين، وأصوات مرتفعة تربك حواسها، ورحلات نزوح متكررة تعيدها في كل مرة إلى نقطة البداية، فالطفلة التي بدأت رحلة التأهيل مبكرا لمواجهة اضطراب طيف التوحد، وجدت نفسها في مواجهة حرب سلبتها استقرارها، وحرمتها من جلسات التأهيل والتعليم، وزادت معاناتها بعد استشهاد والدها في بداية الحرب، حيث تتلقى الآن برامج التأهيل أيضا داخل مركز بداية داخل القطاع.
وتروي هبة يوسف، والدة إيلين، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ملامح الاختلاف بدأت تظهر على ابنتها عندما كان عمرها عاما ونصف العام، حين لاحظت تراجعا في بعض قدراتها، وضعفا في التواصل البصري والتركيز، وكأن الطفلة تنسحب تدريجيا إلى عالم يصعب على المحيطين بها الوصول إليه.
وتقول الأم إنها بدأت رحلة البحث عن المساعدة، فالتحقت إيلين بجلسات تأهيل فردية عندما بلغت عامين ونصف العام، واستمرت فيها لمدة عام، قبل أن تسجلها في روضة أطفال مع توفير مرافقة تساعدها على التعلم والتفاعل مع الآخرين، في محاولة لدعم تطورها ومنحها فرصة للاندماج.
الحرب قطعت هذا المسار، حيث أغلقت رياض الأطفال أبوابها، وتوقف التعليم، وانقطعت سبل التأهيل التي كانت تعتمد عليها الطفلة، وتقول الأم إن توقف التعليم كان من أصعب ما واجهته، خاصة مع صعوبة الوصول إلى مرافقة ابنتها وأخصائيتها، في ظل تراجع المواصلات واستمرار النزوح من مكان إلى آخر.
وتضيف أن حياتها تحولت إلى محاولات متكررة للبدء من جديد، فكلما ظنت أنها وجدت مكانا يمكن أن تستقر فيه وتعيد ترتيب حياة ابنتها، اضطرت إلى النزوح مرة أخرى، لتجد نفسها أمام التحديات ذاتها، من دون بيئة مستقرة تتيح لإيلين مواصلة ما بدأته من تدريب وتأهيل.
اليوم، تعيش إيلين مع والدتها في خيمة نزوح، حيث تتضاعف الصعوبات في ظل الاكتظاظ وغياب الأمان والمرافق الصحية والتعليمية المناسبة، حيث توضح الأم أن الضوضاء والأصوات المرتفعة تزعج ابنتها بشدة، وازدحام المكان يجعل تأقلمها مع البيئة المحيطة أكثر صعوبة، في وقت لا تستطيع فيه توفير الظروف الهادئة والمستقرة التي تحتاج إليها.
عدد الشهداء والمصابين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة
وتزداد معاناة الطفلة بعد استشهاد والدها في بداية الحرب، وهي خسارة تركت أثرا سلبيا على حالتها، بحسب والدتها، التي اضطرت لفترة إلى التوقف عن إجراء الجلسات الفردية معها، بسبب الظروف القاسية التي فرضتها الحرب والنزوح.