- يوسف شرف: دفنت ملك ومالك وياسمين ونور بعد 3 سنوات من بقائهم تحت الأنقاض
- 20 قنبلة أمريكية الصنع دمرت مربع التاج.. و105 شهداء خرجوا من تحت أنقاضه
- يوسف شرف: 37 شهيدا من عائلتي في مجزرة مربع التاج
- 73 ألف شهيد و174 ألف جريح.. حصيلة إنسانية تكشف حجم كارثة غزة
- أرقام توثق الإبادة العائلية.. 2700 أسرة مُحيت من السجل المدني و8574 شهيدا
- مسئول بالدفاع المدني بغزة: انتشال 800 إلى 900 جثمان منذ وقف إطلاق النار.. و9 آلاف لا تزال تحت الأنقاض
- يوسف شرف: لم نجد وجوه أحبائنا.. تسلمنا رفاتا وعظاما بعد 3 سنوات من الانتظار
- نقص المعدات والوقود يعرقل انتشال آلاف الجثامين.. وحق الدفن لا يزال مؤجلا
في الأول من أكتوبر الماضي، أعن الدفاع المدني في غزة، تشيع 105 شهيدا بعد انتشال رفاتهم من تحت أنقاض مربع التاج عقب ثلاثة أعوام من المجزرة البشعة التي ارتكبها جيش الاحتلال بمدينة غزة في أكتوبر 2023، حينها استهدفت القوات الإسرائيلية بـ 20 قنبلة ثقيلة أمريكية الصنع من طراز (GBU-31)، عدة مباني، مما أدى إلى مسح المربع السكني بالكامل وتسويته بالأرض فوق رؤوس أكثر من 500 مدني.
أسفرت المجزرة في مرحلتها الأولى عن انتشال 120 شهيدا، وبعد ثلاث سنوات يتم تشييع 105 شهيدا آخرين، هم ليسوا أرقاما بل حياة كانوا يعيشونها ومستقبلا يرسمونه مع أطفالهم، أسر بالكامل مسحت من السجل المدني، من بينها أسرة الشاب الفلسطيني يوسف شرف.
ثلاث سنوات تحت الركام.. ويومان فقط لوداع عمر كامل
مع بداية الحرب، استشهدت زوجته إسلام وأطفاله الأربعة، إلى جانب عدد من أفراد عائلته وأهله، بعدما دفنهم الركام تحت أنقاض المكان الذي كانوا فيه، لم تستطع العائلة يومها أن تودعهم كما يودع الناس أحباءهم، حيث لا جنازة، ولا قبور، ولا نظرة أخيرة، ولا حتى يقين كامل بأن الوداع قد حدث.

جثث عائلة يوسف شرف
بحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بعزة الصادر في 2 يوليو، فإن الحرب تسببت في إبادة 2700 أسرة بالكامل ومسح جميع أفرادها من السجل المدني، بعدد 8574 شهيدا، بجانب إبادة 6020 أسرة وتبقى منها ناجيا واحدا، بعدد 12917 شهيدا، مؤكدا أن 55 % الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين.
بقيت أجسادهم تحت الأنقاض طوال ثلاث سنوات، ثلاثة أعوام عاش خلالها يوسف وعائلته مع حقيقة ثقيلة لا تشبه أي فقد آخر، أحباؤهم رحلوا، لكنهم لم يُواروا الثرى، بقيت قصتهم مفتوحة، وبقيت لحظة الوداع مؤجلة، تنتظر أن يصل إليهم أحد، وأن تخرج أجسادهم من المكان الذي احتجزها فيه الركام.
خلال تلك السنوات، لم يكن الانتظار مجرد أيام تتوالى على التقويم، كان انتظارا يحمل في داخله تفاصيل حياة كاملة توقفت عند لحظة الحرب، زوجة، وأربعة أطفال، وأفراد من العائلة والأهل، أشخاص كانت لهم أصوات ووجوه وأسماء وذكريات، أصبح الوصول إليهم بعد ثلاث سنوات مهمة ثقيلة تختصر كل ما مرّ على الأسرة منذ بداية الحرب.
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
آلاف الجثامين تحت الأنقاض
في غزة، لم تنته مأساة آلاف العائلات بانتهاء القصف أو فقدان الاتصال بذويها، حيث لا تزال جثامين أشخاص تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة، بينما تنتظر أسرهم منذ شهور أو سنوات لحظة انتشال رفاتهم والتأكد من مصيرهم ودفنهم، وبينما تحاول فرق الإنقاذ الوصول إلى الضحايا، تقف العائلات أمام انتظار قاس لا تعرف فيه ما إذا كانت ستتمكن من احتضان جثمان فقيدها وتشييعه أم ستظل ذكراه مرتبطة بمكان تحت الركام.
وتحولت الأنقاض في مناطق واسعة من القطاع إلى مقابر مفتوحة، تخفي تحتها قصص عائلات بأكملها وأشخاصا فقدوا حياتهم ولم تتح لهم فرصة الدفن أو التوديع، ويضاعف من صعوبة عمليات الانتشال حجم الدمار، ووجود كميات هائلة من الركام، إلى جانب الحاجة إلى معدات متخصصة وفرق مدربة للوصول إلى الضحايا بطريقة آمنة.
الأطفال الضحايا في غزة
ويؤكد أحمد رضوان، مسؤول الإعلام في الدفاع المدني بغزة، انتشال نحو 800 إلى 900 جثمان من تحت الأنقاض منذ اتفاق وقف إطلاق النار، فيما يقدر عدد الجثامين المتبقية بنحو 9 آلاف.
ويوضح، أن فرق الدفاع المدني تعمل بأيديها بشكل أساسي، في ظل نقص المعدات ومنع الاحتلال إدخال الآليات والمعدات إلى غزة، لافتا إلى أن شح الإمكانيات والوقود والإطارات والزيوت يعيق عمل فرق الدفاع المدني، ويحد من قدرتها على تنفيذ التدخلات الإنسانية وانتشال الجثامين.
وتشير المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة أماني الناعوق، إلى أن عمليات البحث عن جثامين المفقودين في القطاع وانتشالها والتعرف على هويات أصحابها قد تستغرق سنوات، في ظل تعقيدات العمل الميداني ونقص المعدات المتخصصة ومحدودية قدرات الطب الشرعي.
جرائم الاحتلال داخل غزة
انتظار لا ينتهي
بالنسبة لعائلات المفقودين، لا يمثل انتشال الجثمان إجراء إنساني فحسب، بل الخطوة الأخيرة في رحلة طويلة من الألم والانتظار، كثيرون يريدون فقط معرفة مصير أحبائهم، والعثور على رفاتهم، وإقامة صلاة الجنازة ودفنهم في مكان يمكنهم زيارته، بدلا من بقاء مصيرهم معلقا تحت الأنقاض، ويبقى مشهد العائلات وهي تبحث بين الركام عن أثر لفقيدها واحدا من أقسى صور الحرب في غزة، فحتى الموتى لم يحصلوا على حقهم في الوداع، بينما يواصل ذووهم الانتظار أملا في أن تحمل عمليات البحث خبرا يضع حدا لحالة الفقد والانتظار.
وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، خلال بيان لها في 30 أغسطس، أن آلاف العائلات في غزة لا تزال تجهل مصير مفقوديها وبعضها ينتظر منذ نحو 3 سنوات.
المفقودون في غزة
وأضافت أن قدرات الطب الشرعي في غزة لا تزال محدودة ولا توجد منشآت لفحص الحمض النووي، موضحة أن عمليات البحث عن الجثامين وانتشالها في القطاع تتطلب معدات متخصصة غير متوفرة بسهولة.
وفي 29 سبتمبر، جاءت اللحظة التي انتظرتها العائلة طويلا، حيث تم استخراج رفاتهم عائلة يوسف أشرف أخيرا، لكن الوصول إليهم لم يكن نهاية الألم، بل بداية وداع ظل مؤجلا لثلاث سنوات، فقد جهزت العائلة الأكفان، وبدأت الاستعداد لدفن من انتظروهم طويلا، غير أن الوداع هذه المرة لم يكن كما ينبغي لوداع زوجة وأطفال وأقارب، لم تكن هناك وجوه يمكن للعائلة أن تتأملها للمرة الأخيرة، ولا ملامح تحفظها الذاكرة قبل أن يغلق القبر أبوابه.
جثث لا يعرف أحد مصيرها داخل غزة
لم يبق سوى الرفات، عظام يحملونها بين أيديهم، ويضمونها للمرة الأخيرة، في محاولة ربما لاستعادة شيء من الذين فقدوهم، أو لقول الكلمات التي لم تتح لهم فرصة قولها قبل ثلاث سنوات، كان وداعا تأخر طويلا، إلى الحد الذي تغيرت فيه كل الأشياء من حولهم، بينما ظل أحباؤهم في مكانهم، تحت الركام، ينتظرون أن تصل إليهم أيدي ذويهم.
في الأول من أكتوبر، حملت العائلة الأكفان أخيرا إلى مثواهم الأخير، كانت الخطوات التي تأخرت ثلاث سنوات تمضي هذه المرة نحو النهاية، وانتهى الانتظار الذي لم يختره أحد، وبدأت لحظة الدفن التي كان ينبغي أن تأتي منذ اليوم الأول، لكن ثلاث سنوات من الغياب لا تختصرها لحظة دفن.
في كل كفن حكاية بيت، وفي كل رفات اسم ووجه وذكريات لم تعد تستطيع العائلة استعادتها إلا من الذاكرة، زوجة كان لها مكان في حياة يوسف، وأربعة أطفال كان ينبغي أن يكبروا أمام عينيه، وأفراد من عائلته وأهله كان من المفترض أن يكون وداعهم مختلفا تماما، ثلاث سنوات للوصول إليهم، ثم يومان فقط ليودع الأب عمرا كاملا.

يوسف أشرف وزوجته وابنته
شهادة يوسف شرف
لم يكن القصف الذي طال "مربع التاج" في 25 أكتوبر 2023، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، مجرد غارة عابرة بالنسبة للأب يوسف شرف، ففي ذلك اليوم، تحول المكان الذي كان يضم بيوتا وعائلات إلى ركام، ودفنت الأنقاض تحتها مئات الضحايا.ويقول يوسف شرف، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" إن الاحتلال قصف مربع التاج، الذي كان يضم برج التاج المكون من 37 شقة، إلى جانب مربع سكني كامل يضم أكثر من 17 منزلا، مشيرا إلى أن القصف استهدف الأبنية وسكانها في وقت واحد.
ويضيف أن مئات الأشخاص استشهدوا في ذلك القصف، كان من بينهم 37 شخصا من عائلته، ففي بداية الحدث، تم استخراج عشرات الشهداء، لكن بقي عدد كبير منهم تحت الأنقاض.
عدد الشهداء والمصابين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة
بالنسبة ليوسف، كان الأمر أكثر قسوة، فقد كانت زوجته إسلام وأطفاله الأربعة من بين الذين استشهدوا في القصف، إلى جانب أفراد آخرين من عائلته وأهله، ومضت الأيام، ثم الشهور، وتحولت إلى سنوات، ثلاث سنوات ظل خلالها جزء من عائلته تحت أنقاض برج التاج، بينما بقيت ذكرى ذلك اليوم حاضرة في حياة من نجوا منه.
حجم الدمار في غزة

عائلة يوسف أشرف الشهداء
ويقول يوسف إن عملية البحث وانتشال الرفات استمرت على مراحل، إلى أن تمكن العاملون، بعد ثلاث سنوات، من استخراج رفات 105 شهداء من تحت أنقاض البرج، برعاية وتمويل من اللجنة المصرية، وكان العثور عليهم، بعد كل هذا الوقت، لحظة تختلط فيها مشاعر الوصول بالفقد.
العائلات التي انتظرت ثلاث سنوات لم تعد تنتظر العثور على ناجين، بل كانت تنتظر أن تستعيد ما تبقى من أجساد أحبائها، حتى تتمكن من دفنهم، وفي 29 سبتمبر الماضي – أي بعد ما يقرب من ثلاث سنوات - وبعد استخراج الرفات، بدأت عائلة يوسف في تجهيز الأكفان، وكان عليها أن تستعد أخيرا للوداع الذي تأخر ثلاث سنوات، ولكن الوداع لم يكن كما تخيلته العائلة يوما.
جرائم الاحتلال ضد النساء والأطفال
التعرف على الأحبة حلما
خلفت الحرب مآسي تتجاوز فقدان الأفراد، حيث شهدت عائلات بأكملها استشهاد عدد كبير من أفرادها في القصف، لتصبح منازل كانت تعج بالأطفال والأمهات والآباء خالية من أصحابها، وفي بعض الحالات، لم يبق من الأسرة سوى أفراد قليلين يبحثون عن أي أثر لأحبائهم بين الأنقاض، في مشهد يختزل حجم الفاجعة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
وتزداد قسوة المأساة عندما تظل الجثامين تحت الأنقاض أو تصل إلى المستشفيات أو مراكز الإيواء دون أن تتمكن الأسر من التعرف عليها، نتيجة الإصابات البالغة أو وجود أشلاء ورفات يصعب تحديد أصحابها، ويجد ذوو الضحايا أنفسهم أمام انتظار مؤلم، بين أمل العثور على قريب مفقود وخوف من أن يكون من بين الجثامين التي لم يتم التعرف إليها.
ويؤكد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، أن ️هناك ما يقارب 73,000 شهيد و174,000 جريح، بينهم أكثر من 21,000 طفل و11,000 امرأة، و59,000 يتيم، موضحا أن لكل مفقود اسم وعائلة، وانتشال الجثامين والتعرف عليها ودفنها بكرامة حق إنساني وليس ملفا ثانويا.
ويوجه مدير عام وزارة الصحة في غزة، ، رسالته للعالم قائلا :" هناك ضرورة ألا تبدأ إعادة إعمار غزة فوق أجساد مفقوديها، ف️تشييع مئات الجثامين دفعة واحدة يدلل على أن ما حدث في القطاع، إبادة جماعية بمعنى الكلمة تتكشف يوما بعد يوم، والاحتلال لا يسمح حتى بالبحث عن شهدائنا".
لم تعد قوائم الضحايا في كثير من الأحيان مجرد أسماء وأرقام، فخلف كل اسم عائلة وذكريات وحياة كاملة توقفت في لحظة واحدة، وعندما تُفقد الأسرة بأكملها أو لا يتبقى من أفرادها من يستطيع التعرف على الجثامين، تصبح مهمة تحديد الهوية أكثر تعقيدا، لاسيما مع صعوبة عمليات التوثيق والوصول إلى الضحايا.
ويبقى التعرف على الجثمان جزءا أساسيا من حق الأسرة في معرفة مصير أحبائها ودفنهم بصورة تليق بهم، لذلك فإن فقدان القدرة على تحديد هوية الضحايا يضيف طبقة أخرى من الألم إلى المأساة، لأن العائلة لا تفقد قريبها فقط، وإنما قد تفقد أيضا القدرة على توديعه ومعرفة مكان دفنه.
بالنسبة للناجين، لا ينتهي الألم عند فقدان الأحبة، فغياب اليقين بشأن مصير المفقودين يترك العائلات في حالة انتظار مفتوحة، وبين الركام والمستشفيات ومواقع الدفن، تظل هناك أسر تبحث عن إجابة بسيطة لكنها بالغة القسوة، أين أحباؤنا وهل سنتمكن يوما من التعرف عليهم ودفنهم؟

يوسف شرف يدفن أسرته
رفات وعظام بلا أجساد
ويوضح يوسف شرف، أنهم لم يجدوا أمامهم الوجوه التي حفظوها، ولا الملامح التي كان يمكن أن تكون آخر ما تراه أعينهم قبل الدفن، بل وجدوا رفاتا وعظاما، ثلاث سنوات تحت الأنقاض اختصرت في لحظة واحدة، وهي لحظة يحمل فيها الأب بقايا زوجته وأطفاله، بعد انتظار طويل للوصول إليهم.
لم تكن المسافة إلى المقبرة طويلة، لكن الطريق إليها كان قد بدأ قبل ثلاث سنوات، يوم انهارت الأبنية ودفن الركام من كانوا يعيشون فيها، مضيفا :"ثلاث سنوات للوصول إلى زوجتى وأطفالى وعائلتى، ثم يومان فقط لنودع عمرا كاملا".
ويشير إلى أنه دفن أطفاله الأربعة، ملك، مالك، ياسمين، ونور وزوجته وجمعا من أهله وأحبته، وودعهم واحدا واحدا، وسلم أجسادهم للتراب، وهو يردد في قلبه "إنا لله وإنا إليه راجعون".
بالنسبة ليوسف شرف، لم يكن استخراج الرفات نهاية قصة عائلته، بقدر ما كان نهاية انتظار مؤلم امتد منذ الأيام الأولى للحرب، فالأسماء التي كانت تعيش بين أفراد الأسرة أصبحت الآن أسماء على قبور، والوجوه التي غابت تحت الأنقاض بقيت حاضرة في ذاكرة من بقوا على قيد الحياة.
في "مربع التاج"، حيث كانت عشرات الشقق والبيوت تضم حياة كاملة، بقي الركام شاهدا على يوم واحد حول المكان إلى مقبرة، فيما ظلت عائلات الضحايا لسنوات تنتظر أن تستعيد أحبتها، ولو في صورة رفات، لم يكن يوسف ينتظر معجزة تعيد إليه زوجته وأطفاله، بل كان ينتظر فقط أن يصل إليهم، وبعد ثلاث سنوات، وصل إليهم.