تقوم منظومة العمل داخل جماعة الإخوان الإرهابية على مجموعة من القواعد التنظيمية التي تتجاوز حدود الانضباط الإداري، لتصل إلى تشكيل علاقة العضو بالقيادة وبالمجتمع المحيط به، وفي مقدمتها البيعة والسمع والطاعة والتدرج داخل الهيكل التنظيمي، وتكشف شهادات القيادي السابق ثروت الخرباوي عن جوانب من هذه المنظومة، خاصة فيما يتعلق بنظام الأسر ومركزية القرار وطبيعة الالتزامات التنظيمية، بما يفتح ملف تأثير هذه القواعد في استقلال الفرد الفكري وقدرته على الاختلاف ومراجعة المواقف.
وتبرز الطاعة باعتبارها أحد المفاهيم الأساسية في البناء الفكري للجماعة الإرهابية إذ وضعها حسن البنا مؤسس الجماعة الإرهابية ضمن أركان البيعة العشرة في «رسالة التعاليم»، وحددها بقوله: «امتثال الأمر وإنفاذه توا في العسر واليسر والمنشط والمكره»، كما ربط مرحلة التكوين بشعار «أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج» وتطرح هذه النصوص تساؤلات حول المساحة المتاحة أمام العضو لمناقشة القرارات التنظيمية، ومدى الفصل بين الالتزام بقواعد العمل الجماعي وحق الفرد في إبداء رأي مخالف.
الأسر التنظيمية.. دوائر تصنع الانتماء وتحدد مصادر التلقي
وفي كتاباته عن تجربته السابقة، تناول الخرباوي طبيعة نظام الأسر باعتباره أحد المكونات الرئيسية للبناء التنظيمي، حيث ترتبط هذه الدوائر بالتثقيف والمتابعة والتواصل بين الأعضاء والمسؤولين عنهم وتكمن أهمية هذا النظام في دوره في ترسيخ الهوية التنظيمية ونقل الأفكار والتوجيهات، بما يجعل المسؤول التنظيمي حلقة مؤثرة في تشكيل تصورات العضو وتفسيره للأحداث.
وتظهر الإشكالية عندما تصبح الدائرة التنظيمية المصدر الرئيسي للمعلومات والتحليل، وتتراجع مساحة الاطلاع على الرؤى المختلفة، فيجد العضو نفسه أمام رواية واحدة للأحداث، بدلا من المقارنة بين مصادر متعددة وتكوين موقف مستقل وهنا يتحول الانغلاق الفكري إلى عائق أمام قبول الاختلاف، خاصة عندما تتعارض المعلومات القادمة من خارج التنظيم مع التفسير الداخلي للمواقف.
من البيعة إلى مركزية القرار.. أين تقف مساحة الاعتراض؟
ويطرح الخرباوي في شهادته جوانب تتعلق بالبيعة والتدرج القيادي وموقع القيادة داخل الهيكل التنظيمي، وهي محاور تكشف أهمية العلاقة بين الالتزام التنظيمي ومركزية القرار فحين ترتبط العضوية بدرجات من الطاعة والثقة في القيادة، يصبح من الضروري التساؤل عن حدود المراجعة والمساءلة، وما إذا كان العضو يمتلك مساحة حقيقية للاعتراض دون أن يُنظر إلى موقفه باعتباره تراجعا عن الولاء.
ولا تتوقف آثار هذه الثقافة عند حدود التنظيم وإنما قد تمتد إلى علاقة العضو بالمجتمع، عندما يتحول الاختلاف الفكري إلى مصدر للتوجس، ويصبح النقد السياسي موضع اشتباه، ويُقاس الآخر بمدى توافقه مع أفكار الجماعة وبذلك تتراجع فرص الحوار الطبيعي مع أصحاب الرؤى المختلفة، وتتسع المسافة بين الفرد والدوائر الاجتماعية التي لا تنتمي إلى الإطار التنظيمي.
وهو الأمر الذي يكشف أن الخطر لا يكمن في وجود قواعد للانضباط أو العمل الجماعي، وإنما في تحولها إلى قيود على التفكير والمراجعة، بحيث يصبح الولاء مقدما على الاقتناع، والطاعة بديلا عن النقاش، والانتماء معيارا للحكم على الآخرين. فالمجتمع السليم يقوم على تعدد الأفكار وحرية الاختلاف، بينما تظل التنظيمات المغلقة أمام اختبار حقيقي عندما تواجه سؤالا لا تملك إجابته أو رأيا لا يتفق مع توجهاتها.