لم تكتف الحياة بأن تأخذ منها أمها وأباها وزوجها، بل مضت لتنتزع منها ما تبقى من العمر، برصاصة طائشة أنهت حكاية وجدان شراب في شارع السكة وسط مدينة خان يونس جنوب غزة، هناك، حيث تتزاحم الهموم وتثقل الحرب أرواح الناس، انتهت حياة امرأة عرفت الفقد مبكرا، وحملت في قلبها أوجاعا متراكمة، قبل أن ترحل شهيدة في حادثة جديدة تفتح جرحا إنسانيا عميقا في واقع أنهكته الخسائر.
لم تكن وجدان مجرد اسم يضاف إلى قائمة الضحايا، بل إنسانة عاشت سلسلة من الفواجع التي انتزعت منها أقرب الناس إلى قلبها، واحدا تلو الآخر، فقدت أمها، ثم أباها، ثم زوجها، لتجد نفسها أمام حياة قاسية، تتراجع فيها دوائر الأمان، ويكبر فيها الفراغ الذي يتركه غياب الأحبة، ومع كل خسارة، كانت تخسر جزءا من عالمها، حتى أصبحت حكايتها تختصر وجع الإنسان حين تتوالى عليه المصائب ولا يجد متسعا من الوقت لالتقاط أنفاسه.
المأساة لم تتوقف عند حدود ما فقدته في حياتها، فالرصاصة الطائشة التي أصابتها في شارع السكة وسط خان يونس أنهت رحلتها، لتترك خلفها قصة إنسانية موجعة عن امرأة أثقلتها الخسارات، ثم باغتها الموت في لحظة لم تكن تنتظرها.
جثمان وجدان شراب
أم وأب وزوج.. ثلاث خسارات تركت وجدان في مواجهة الحياة
في حياة الإنسان، هناك أشخاص يشكلون أعمدة الأمان، ووجودهم يمنح الأيام معناها، ويجعل مواجهة الصعاب أقل قسوة، الأم هي الحضن الذي نعود إليه حين تضيق بنا الدنيا، والأب هو السند الذي نستمد منه الشعور بالحماية، أما الزوج فقد يكون رفيق الطريق الذي نتقاسم معه تفاصيل الحياة وأعباءها، لكن وجدان شراب فقدت هؤلاء جميعا.
رحلت أمها، وغاب أبوها، ثم فقدت زوجها، لتجد نفسها أمام واقع مثقل بالوحدة والحرمان، لم تكن تلك الخسارات مجرد أحداث عابرة في حياتها، بل محطات مؤلمة تركت أثرها في روحها، وجعلت حكايتها أكثر قسوة من أن تختصرها كلمات قليلة.
أن يفقد الإنسان أحد أحبائه تجربة مؤلمة، فكيف إذا توالت الخسارات حتى غاب الأشخاص الذين كان يمكن أن يلجأ إليهم في أشد لحظاته ضعفا؟ وكيف يمكن لقلب أن يتحمل هذا القدر من الفقد، بينما تستمر الحياة في مطالبة صاحبه بالمضي قدما مهما أثقلته الأحزان؟
كانت وجدان امرأة اجتمعت عليها أوجاع الفقد، ولم تترك لها الحياة كثيرا من المساحات التي يمكن أن تستند إليها، ومع ذلك، مضت أيامها حتى جاءت النهاية المفاجئة، لتتحول قصتها إلى حكاية تستدعي التأمل في حجم الألم الذي قد يعيشه إنسان بعيدا عن أعين الآخرين.
شارع السكة في خان يونس.. المكان الذي انتهت فيه الحكاية
في شارع السكة وسط خان يونس، لم تكن الرصاصة الطائشة مجرد حادثة عابرة في مشهد يومي مثقل بالمخاطر، بل كانت السبب في نهاية حياة وجدان شراب، رصاصة لا تعرف من ستصيب، ولا تميز بين إنسان وآخر، ولا ترى ما يحمله المارّة من أحلام وذكريات وأوجاع، وفي لحظة واحدة، يمكن لطلقة عشوائية أن تقطع طريق إنسان، وتحول يوما عاديا إلى فاجعة تترك خلفها أسئلة لا تجد إجابات سهلة.
رحلت وجدان شهيدة بطلق ناري طائش، لتضيف قصتها فصلا جديدا إلى الحكايات الإنسانية المؤلمة التي يعيشها سكان غزة، فخلف كل ضحية إنسان له تاريخ وحياة وعلاقات وذكريات، وخلف كل خبر عن سقوط قتيل حكاية لا تظهر كاملة في السطور الأولى.
وفي حالة وجدان، لا تقف المأساة عند حقيقة مقتلها برصاصة طائشة، بل تمتد إلى ما عرفته من خسارات قبل رحيلها، أم غابت، وأب رحل، وزوج لم يعد حاضرا في حياتها، ثم جاءت الرصاصة لتضع حدا لرحلتها، وتترك وراءها سيرة تختصر الكثير من الألم الإنساني.
المواطنون يحملون جثمان وجدان شراب
الرصاصة الطائشة
تسلط وفاة وجدان شراب الضوء على الخطر الإنساني الذي تمثله الأعيرة النارية الطائشة، خاصة في المناطق السكنية والشوارع التي يسلكها المدنيون لقضاء احتياجاتهم اليومية، فالحياة التي يفترض أن تكون حقا أصيلا لكل إنسان لا ينبغي أن تتحول إلى مغامرة محفوفة بالموت بسبب إطلاق النار العشوائي، ولا ينبغي أن يصبح السير في الشارع سببا محتملا لفقدان الحياة، أو أن تعيش العائلات في خوف دائم من رصاصة قد تنطلق في أي لحظة وتصيب شخصا لا علاقة له بما يجري.
إن الرصاص الطائش لا يترك مجالا للضحية كي تتجنب الخطر، ولا يمنح الأسرة فرصة للاستعداد للفاجعة، ففي لحظة واحدة، قد تتحول حياة كاملة إلى ذكرى، وتجد عائلة نفسها أمام خسارة لم تكن تتوقعها، فيما يبقى الألم حاضرا بعد انفضاض المشهد وانتهاء الخبر العاجل.
وجدان شراب.. أكثر من خبر عن شهيدة
حين نقرأ خبر وفاة إنسان، قد تمر الكلمات سريعا أمام أعيننا: الاسم، والمكان، وسبب الوفاة، لكن وراء هذه الكلمات حياة كاملة لا يمكن اختزالها في بضعة أسطر.
وجدان شراب لم تكن مجرد امرأة استشهدت برصاصة طائشة، كانت ابنة فقدت أمها وأباها، وزوجة فقدت زوجها، وإنسانة حملت في ذاكرتها تجارب من الفقد لا يمكن قياس ثقلها بسهولة، وقد لا نعرف كل تفاصيل حياتها، ولا حجم ما واجهته من صعوبات، لكن ما نعرفه من حكايتها يكفي لإدراك أن رحيلها جاء بعد خسارات موجعة سبقت نهايتها.
إن الحديث عن وجدان هو حديث عن حق الإنسان في أن يعيش بأمان، وعن حاجتنا إلى رؤية الضحايا بوصفهم بشرا، لا أرقاما تتبدل في نشرات الأخبار، فلكل اسم حكاية، ولكل حكاية تفاصيل تستحق أن تروى، ولكل روح غادرت الحياة أشخاص وذكريات وأثر لا ينبغي أن يمحوه مرور الوقت.
وفي مدينة أنهكتها الحرب، تبدو الحاجة إلى حماية الأرواح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فالمآسي المتراكمة لا تجعل فقدان إنسان أمرا عاديا، ولا ينبغي أن يؤدي تكرار الأخبار الحزينة إلى اعتياد الموت أو التقليل من فداحة الخسارة.
حكاية وجع لا تختصرها الكلمات
فقدت وجدان أمها وأباها وزوجها، ثم رحلت هي الأخرى برصاصة طائشة، إنها سلسلة من الخسارات تجعل قصتها أقرب إلى مرثية إنسانية عن هشاشة الحياة، والألم الذي قد يتراكم في قلب الإنسان حتى يصبح تاريخه حافلا بالغياب.
رحلت وجدان، وبقيت حكايتها شاهدا على أن الموت لا ينهي حياة شخص فحسب، بل يترك خلفه أسئلة عن الأمان، وقيمة الحياة، وحق المدنيين في التنقل دون خوف من رصاصة عشوائية.
لم تكن وجدان شراب مجرد ضحية لرصاصة طائشة، كانت إنسانة عرفت الفقد قبل أن تصبح هي نفسها خبرا حزينا، فقدت أمها وأباها وزوجها، ثم غادرت الحياة، لتبقى حكايتها صرخة إنسانية في وجه الرصاص العشوائي، ورسالة تذكر بأن وراء كل ضحية حياة كاملة تستحق أن تصان، ولكل إنسان حقا في أن يعيش بأمان، لا أن تنتهي حكايته برصاصة لا تعرف من تصيب.