خلف كل منحوتة قلب أنهكه النزوح والمعاناة.. أمل الكحلوت تروي حكاية الإنسان في غزة.. النحاتة الفلسطينية لـ"اليوم السابع": أنحت الوجع وأحاول النجاة بما تبقى مني.. أبحث عن الطعام والماء فيما ينتظر الفن أن أعود

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 09:00 م
خلف كل منحوتة قلب أنهكه النزوح والمعاناة.. أمل الكحلوت تروي حكاية الإنسان في غزة.. النحاتة الفلسطينية لـ"اليوم السابع": أنحت الوجع وأحاول النجاة بما تبقى مني.. أبحث عن الطعام والماء فيما ينتظر الفن أن أعود النحاتة الفلسطينية أمل الكحلوت

حوار / أحمد عرفة

 

- النحت لم يعد بحثا عن الجمال فقط بل محاولة للحفاظ على ما تبقى مني

- البقاء على قيد الحياة في غزة أصبح أصعب من تشكيل الحجر

- لا أريد للفن أن يجمل المعاناة بل أن يحفظها من النسيان

- في النزوح لم أفقد المكان وحده لكن تفاصيل حياة كانت تشبهني

- لم أكن أبحث عن مرسم بل عن مكان آمن أستطيع أن أعيش فيه

- حين أصبح المكان سؤالا مؤلما حاولت أن أحمل فني داخلي

- غادرت الأماكن التي تشبهني وحملت داخلي ما لم أستطع حمله بيدي

- الجوع يستنزف الجسد والتركيز ولا يمكن مطالبة الفنان بالإبداع وهو محروم من أساسيات الحياة

- لا أريد أن يتحول ألم من فقدتهم إلى مجرد تفصيل في حكاية عن الفن

- الصمود لا يعني أن الإنسان لا ينكسر بل أن يحاول إيجاد معنى وسط ما يعيشه

- منحوتات غزة يمكن أن تصبح جزءا من الذاكرة الفلسطينية وشهادة للأجيال القادمة

- إعادة بناء الفن في غزة ليست رفاهية بل استعادة لجزء من الهوية الفلسطينية

في غزة، حيث تقاس الأيام بما ينجو من القصف، وبما يستطيع الإنسان أن يحمله معه في رحلة نزوح جديدة، تحاول النحاتة الفلسطينية أمل الكحلوت أن تتمسك بما لا تستطيع الحرب انتزاعه بسهولة، قدرتها على تشكيل الحياة من قلب الفقد، ومنح الصمت صوتا، والغياب هيئة يمكن رؤيتها ولمسها.

لم يعد النحت بالنسبة إليها مجرد علاقة بين اليد والخامة، أو بحثا عن الجمال داخل الكتلة والفراغ، بل أصبح مواجهة مع واقع يعيد تشكيل الإنسان قسرا، ويختبر قدرته على الاحتفاظ بذاكرته وهويته وسط الخوف والجوع والتشرد.

في عالم تتراجع فيه المراسم أمام الخيام، وتصبح فيه الأدوات الفنية أقل إلحاحا من الماء والطعام ومكان آمن للنوم، تكتسب كل محاولة للإبداع معنى يتجاوز حدود الفن، دون أن تلغي قسوة الظروف التي تحاصر الفنانة والإنسان في داخلها.

في هذا الحوار، تروي أمل الكحلوت حكايتها مع النحت قبل الحرب وبعدها، وتستعيد أثر النزوح والفقد في تجربتها، وتتحدث عن المنحوتات التي تحمل شيئا من وجع غزة وذاكرتها، وعن الفن بوصفه شهادة على زمن لا ينبغي أن يُختزل في أرقام الضحايا وصور الدمار، إنها حكاية فنانة تحاول أن تمنح ما عاشته شكلا يبقى، وتقول عبر المادة ما قد تعجز الكلمات عن حمله، أن خلف كل ما تهدم حياة كانت تُعاش، وأحلاما كانت تتشكل، وإنسانا لا يزال يحاول أن يترك أثره في العالم، وإلى نص الحوار..

الفنانة النحاتة الفلسطينية أمل الكحلوت
الفنانة النحاتة الفلسطينية أمل الكحلوت

كيف تصفين حياتك كفنانة ونحاتة في غزة قبل اندلاع الحرب؟

كانت حياتي قبل الحرب أكثر ارتباطا بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح الإنسان شعورا بالاستقرار.

ما الذي كان يعنيه النحت لكِ في حياتك اليومية؟

كان النحت بالنسبة إلي مساحة أستعيد فيها نفسي، وأحول أفكاري ومشاعري إلى أشكال ملموسة، لم يكن مجرد عمل فني، بل طريقة لفهم الحياة والتعبير عما تعجز الكلمات عن قوله، كنت أرى في الكتلة الصامتة حكاية تنتظر أن تتحرر، وفي الفراغ المحيط بها معنى لا يقل أهمية عن وجودها.

كيف بدأت علاقتك بالنحت؟

بدأت علاقتي بالنحت من انجذابي إلى الشكل والكتلة، وإلى قدرة اليد على منح المادة حياة ومعنى. ومع الوقت، أدركت أنني لا أصنع أشكالا فحسب، بل أبحث من خلالها عن إجابات لأسئلة تسكنني.

متى شعرتِ أن الفن أصبح جزءا أساسيا من هويتك؟

شعرت أن الفن أصبح جزءا من هويتي حين أدركت أنني أرى العالم بعين النحاتة، حيث أبحث في الأشياء عن معناها الخفي، وفي الصمت عن صوت لا يسمعه الجميع.

ما المكان الذي كنتِ تمارسين فيه النحت قبل الحرب؟

كان المكان الذي أمارس فيه النحت أكثر من مساحة للعمل، حيث كان مساحة للتركيز والتأمل، أرتب فيها أفكاري وأمنح أعمالي الوقت الذي تحتاجه لتكتمل، كان وجود مكان أستطيع العودة إليه أمرا مهما، لأن النحت يحتاج إلى الاستمرارية وإلى علاقة هادئة بين الفنان والمادة.

هل كان لديكِ مرسم أو مساحة خاصة لأعمالك خلال الحرب؟

مع الحرب، أصبحت فكرة المكان نفسها سؤالا مؤلما: كيف يمكن للإنسان أن يصنع شيئا جديدا حين يصبح الحفاظ على أبسط مقومات الحياة تحديا يوميا؟

كيف تغيرت علاقتك بالنحت منذ بداية الحرب؟

لم يعد النحت بالنسبة إلي كما كان، قبل الحرب، كنت أبحث في المادة عن الجمال والمعنى، وبعدها، أصبحت أبحث أيضا عن القدرة على البقاء، تغيرت علاقتي بالخامة والوقت والمكان، وأصبحت كل قطعة تحمل شيئا من التجربة الإنسانية التي عشتها، لم تعد الكتلة مجرد مادة أشكلها، بل أصبحت أرى فيها صورة الإنسان الذي تحاول الظروف أن تعيد تشكيله.

هل استطعتِ مواصلة العمل الفني وسط القصف والخوف والدمار أم كانت هناك فترات توقفتِ فيها تماما؟

كانت هناك لحظات أصبح فيها الاستمرار في العمل بالغ الصعوبة، ولحظات اضطررت فيها إلى التوقف بسبب الظروف المحيطة، فالفنان ليس منفصلا عن واقعه، ولا يستطيع دائما أن يعزل نفسه عن الخوف والاحتياجات اليومية، لكن التوقف عن النحت لا يعني بالضرورة التوقف عن الفن، أحيانا تستمر الفكرة في داخلي حتى عندما تعجز يداي عن تنفيذها، وتظل التجربة تتشكل في الذاكرة إلى أن تجد طريقها إلى المادة.

ما الذي دفعكِ إلى الاستمرار في النحت رغم كل الظروف المحيطة بك؟

لأنني شعرت أن الفن أحد الأشياء التي لا أريد أن أفقدها وسط كل ما يمكن أن يفقده الإنسان، لم يكن الاستمرار سهلا، ولم يكن دليلا على غياب الخوف أو التعب، بل كان محاولة للحفاظ على جزء من ذاتي، كنت أشعر أن هناك أشياء يجب أن تبقى شاهدة على ما نعيشه، وأن الفن يستطيع أن يحفظ من التجربة الإنسانية ما قد تعجز الذاكرة وحدها عن الاحتفاظ به.

هل شعرتِ في لحظة أن النحت أصبح وسيلة للبقاء والصمود وليس مجرد ممارسة فنية؟

نعم، بهذا المعنى الإنساني، أصبح النحت بالنسبة إلي وسيلة للحفاظ على هويتي الداخلية حين اهتز كل ما حولي، الصمود لا يعني أن الإنسان لا ينكسر أو لا يتعب، بل أن يحاول إيجاد معنى وسط ما يمر به، كنت أرى أن تشكيل المادة يشبه محاولة إعادة ترتيب العالم في داخلي، حتى عندما أعجز عن تغيير العالم من حولي.

كيف يمكن لفنان أن يفكر في تشكيل قطعة فنية بينما يبحث في الوقت نفسه عن مكان آمن للنوم والطعام والماء؟

هذا أحد أكثر التناقضات قسوة، حين تصبح الاحتياجات الأساسية مهددة، يتراجع الفن أمام ضرورة البقاء، وهذا أمر طبيعي لا ينتقص من الفنان ولا من فنه، لكن الفن لا يختفي تماما، قد يتأخر، أو يتحول إلى فكرة أو صورة عالقة في الذهن، لا يمكن مطالبة الإنسان بالإبداع وهو محروم من الأمان، لكن لا يمكن أيضا تجاهل أن بعض الأفكار تولد من التجارب القاسية، لا لأن المعاناة جميلة، بل لأن الإنسان يحاول فهمها والتعبير عنها.

عشتِ النزوح المتكرر.. كم مرة اضطررتِ إلى مغادرة مكانك؟

النزوح كان مفروض علينا حتى لو لم أنزح كان المكان مكتظ بالنازحين وكانت كل مغادرة تعني فقدان شيء يتجاوز المكان نفسه، النزوح لا يعني أن تحمل حقيبتك وتغادر فحسب، بل أن تترك خلفك تفاصيل حياتك، وأشياء اعتدت وجودها، ومساحة كانت تشبهك، ومع تكرار الرحيل، يصبح الإنسان موزعا بين أماكن مؤقتة وذاكرة تبحث عن الاستقرار.

كيف أثرت هذه التجربة على حياتك وفنك؟

انعكس ذلك على رؤيتي للفن، فأصبحت أكثر وعيا بعلاقة الإنسان بالمكان، وبالمعنى الذي تحمله الأشياء حين نفقد القدرة على الاحتفاظ بها.

إحدى منحوتات الفنانة أمل الكحلوت
إحدى منحوتات الفنانة أمل الكحلوت

ماذا تحمل الفنانة معها عندما تضطر إلى مغادرة منزلها فجأة؟

في لحظات النزوح المفاجئ، لا يملك الإنسان رفاهية الاختيار الهادئ، وتصبح الأولوية للحياة ولمن يجب حمايتهم، وتتحول الأشياء التي كانت ذات قيمة كبيرة إلى أشياء يتعذر حملها، بالنسبة إلى الفنانة، تكون الخامات والأدوات امتدادا لعملها وذاكرتها، لكن الضرورة قد تفرض تركها خلفها، عندها تكتشف أن بعض ما تصنعه بيديها يمكن أن يبقى معها في داخلها، حتى عندما لا تستطيع حمله ماديا.

هل تستطيعين حمل أدواتك وخاماتك أم تتركين كل شيء خلفك؟

كانت ممارسة النحت في حد ذاتها تحديا حقيقيا، لأن النحت يحتاج إلى مساحة وأدوات وظروف تسمح بالتركيز. لم تكن البيئة المؤقتة مهيأة للعمل الفني، وكانت الأولويات اليومية تفرض نفسها باستمرار، لذلك، حين تتاح فرصة للعمل، يصبح على الفنان أن يتعامل مع المتاح بدلا من انتظار الظروف المثالية، فالفكرة قد تكون أكبر من المكان، لكن تنفيذها يظل مرتبطا بما تسمح به الإمكانات.

هل اضطررتِ إلى استخدام مواد بديلة أو بسيطة بسبب عدم توفر الخامات الفنية؟

أعتقد أن الظروف الصعبة تدفع الفنان إلى إعادة التفكير في المادة التي يعمل بها مثلا كالسكين أو كقطعة مسننة من المعدن أو قطعة خشبية مناسبة أو اليدين بحد ذاتهما أكبر أداة تشكيلية مناسبة، ولكن تبقى التفاصيل بحاجة لأدوات، حين لا تتوفر الخامات المعتادة، يصبح السؤال: ماذا يمكنني أن أفعل بما هو متاح؟ لكن المادة البديلة لا تكون دائما اختيارا فنيا حرا، أحيانا تكون نتيجة اضطرار، ومع ذلك، قد تمنح هذه التجربة الفنان فهما جديدا للعلاقة بين الفكرة والمادة، وتجعله أكثر إدراكا أن قيمة العمل لا تأتي من ثمن خامته وحده، بل من المعنى الذي يحمله.

هل ولدت أعمال فنية من داخل الخيمة أو من أماكن النزوح؟

أعتقد أن بعض الأعمال لا تبدأ من المرسم، بل من التجربة التي يعيشها الفنان، قد تولد المنحوتة من مشهد عابر، أو إحساس بالفقد، أو سؤال يرافق الإنسان خلال النزوح.

ما أبرز عمل أنجزته في هذه الظروف؟

تحديد أبرز عمل أنجزته في هذه الظروف، فهو أمر أفضل أن أختاره من أعمالي الفعلية، لأن لكل عمل ظروفه وقصته الخاصة، وبالنسبة إلي، تظل أهمية العمل في قدرته على نقل التجربة من حدودها الشخصية إلى معنى يستطيع الآخرون الشعور به وفهمه، من الطبيعي أن تؤثر الظروف المحيطة بالفنان في طريقة إنتاجه، فالمكان والخامات والوقت كلها عناصر تدخل في عملية النحت، وقد تفرض الظروف تقليل حجم العمل أو تغيير المادة أو تأجيل التنفيذ، لكن التغيير الأعمق قد يكون في طبيعة الأسئلة التي تشغل الفنان نفسه، حين يعيش الإنسان تجربة النزوح، يصبح المكان والغياب والهشاشة والبحث عن الأمان موضوعات لا يمكن فصلها بسهولة عن رؤيته الفنية.

الحرب لم تترك أحدا دون خسارة.. هل فقدتِ أحدا من أفراد أسرتك أو أقاربك خلال الحرب؟

الفقد من أكثر التجارب التي يصعب الحديث عنها، لأنه لا يقتصر على غياب شخص، بل يمتد إلى التفاصيل التي كانت تجمعنا به، والمستقبل الذي كنا نتخيله معه، وتختلف تجارب الناس في حجم خسائرهم وطبيعتها، لكن كل فقد يحمل عالما كاملا لا يستطيع الآخرون الإحاطة به، وإذا تحدثت عن فقد شخص عزيز، فسأحرص على أن أروي حكايته بما يليق به، لا أن أجعل ألمه مجرد تفصيل في حوار عن الفن.

هل هناك شخص فقدته الحرب وتجدين نفسك تستحضرين وجهه أو صوته أو ذكراه في منحوتاتك؟

أحيانا لا يحتاج الحضور إلى وجه واضح كي نشعر به، قد يظهر في انحناءة جسد، أو فراغ داخل الكتلة، أو حركة توحي بأن شيئا ما كان هنا ثم غاب، بالنسبة لي ، يمكن للغياب أن يتحول إلى عنصر تشكيلي يحمل أثر الإنسان من دون أن يصوره مباشرة، لكن الذكريات الشخصية تظل ملكا لأصحابها، وليس من الضروري أن تتحول كل ذكرى إلى عمل فني كي تبقى حية.

كيف يمكن للنحات أن يحول الحزن على شخص عزيز إلى عمل يبقى حاضرا بعد رحيله؟

لا أعتقد أن النحت يستطيع أن يعوض الغياب، أو أن يخفف الحزن بطريقة مضمونة، لكنه يستطيع أن يمنح الشعور شكلا يمكن التأمل فيه، ويحفظ أثرا من التجربة الإنسانية، حين تتحول المادة إلى عمل فني، لا يعود الحزن مجرد إحساس داخلي، بل يصبح معنى يمكن للآخرين الاقتراب منه، وربما تكون قيمة المنحوتة أنها لا تدعي إعادة من رحل، بل تذكرنا بأن حياته كانت ذات معنى، وأثره لا ينتهي عند حدود الغياب.

كيف أثرت المجاعة ونقص الغذاء على قدرتك على ممارسة النحت؟

الجوع يستنزف الجسد والتركيز والطاقة، والنحت يحتاج إلى حضور ذهني وجسدي، حين ينشغل الإنسان بتأمين الغذاء والماء، يصبح من الصعب أن يجد المساحة اللازمة للعمل الإبداعي، لا يمكن فصل الفنان عن احتياجاته الأساسية، ولا ينبغي أن نتوقع منه إنتاج أعمال فنية باستمرار وكأن الظروف لا تؤثر فيه، لقد جعلتني هذه الحقيقة أكثر اقتناعا بأن حماية الفنان تبدأ بحماية الإنسان الذي يقف خلف العمل.

منحوتة للفنانة أمل الكحلوت
منحوتة للفنانة أمل الكحلوت

هل وصلتِ إلى لحظات أصبح فيها البحث عن الطعام والماء أهم بكثير من التفكير في الفن؟

بالتأكيد، فالطعام والماء ليسا تفصيلين في حياة الإنسان، بل أساس بقائه، وفي ظروف الحرب، تتغير الأولويات، ويصبح تأمين الاحتياجات الأساسية ضرورة لا يمكن تجاوزها، ولم يكن الفن بديلا عن هذه الاحتياجات، بل كان شيئا أحاول الحفاظ على مكان له في حياتي كلما سمحت الظروف، وأعتقد أن الاعتراف بهذه الحقيقة يجعل الحديث عن الفن أكثر إنسانية وصدقا.

كيف يمكن للفنان أن يواصل الإبداع وهو جائع ومرهق ويعيش في حالة خوف ونزوح؟

لا يستطيع الفنان دائما أن يواصل الإبداع، ولا ينبغي أن يُطلب منه ذلك، وهناك أوقات يحتاج فيها إلى الراحة والأمان والغذاء قبل أن يتمكن من العمل، لكن الإبداع قد يستمر داخليا في صورة أسئلة أو مشاهد أو أفكار مؤجلة، وبالنسبة إلي، لا أقيس علاقتي بالفن بعدد الأعمال التي أنجزها، بل بمدى بقائه جزءًا من رؤيتي للعالم، حتى عندما لا أستطيع تحويل تلك الرؤية إلى منحوتة.

ما أبرز عمل نحتي أنجزتيه خلال الحرب؟

تمثال "صرخة" وتمثال "شهيق" وتمثال "والعديد منها"، ولكن أفضل أن أختار هنا عملا بحد ذاته من تجربتي الفعلية، لأن قصة المنحوتة لا تتعلق بشكلها فقط، بل باللحظة التي ولدت فيها، والظروف التي أحاطت بها، والأسئلة التي دفعتني إلى إنجازها، وبالنسبة إلي، لا تكون أهمية العمل في كونه أُنجز خلال الحرب وحدها، بل في قدرته على تحويل تجربة عابرة أو مؤلمة إلى أثر فني يستطيع البقاء بعد تغير الظروف.

ما العمل الذي تشعرين أنه يختصر تجربتك الإنسانية والفنية خلال هذه السنوات؟

ربما لا تستطيع منحوتة واحدة أن تختصر تجربة كاملة، لأن الإنسان يتغير مع كل ما يعيشه، ولأن الحرب ليست شعورا واحدا، فيها الخوف والفقد، لكن فيها أيضا التمسك بالحياة والأسئلة التي لا تتوقف، وأرى أن العمل الأقرب إلى تجربتي هو الذي يجمع بين ما يظهر على سطحه وما يخفيه داخله، بين الكتلة والفراغ، وبين الحضور والغياب، فهذه العلاقة تشبه الإنسان نفسه، الذي قد يبدو متماسكا بينما يحمل في داخله أشياء لا ترى.

عندما تنظرين اليوم إلى أعمالك التي أنجزتها خلال الحرب.. ماذا ترين فيها الخوف أم الفقد أم الصمود أم الأمل؟

أرى فيها تداخل هذه المعاني جميعا، ولا أستطيع فصل أحدها عن الآخر، الخوف لا ينفي الصمود، والفقد لا يلغي الأمل، قد تحمل المنحوتة أثرا من الألم، لكنها لا تكون بالضرورة إعلانا عن الهزيمة، وأحيانا يكون مجرد وجود العمل دليلا على أن التجربة لم تستطع محو قدرة الإنسان على التفكير والتعبير، ولا أريد أن أجعل الفن تجميلا للمعاناة، بل وسيلة لفهمها ومقاومة النسيان، لقد عشت التجربة من موقعين متداخلين، موقع الإنسان الذي يحتاج إلى الأمان والاستقرار وموقع الفنانة التي تحاول الحفاظ على علاقتها بالإبداع، والحرب لا تؤثر على  داخل مرسمي فقط، بل تمتد إلى تفاصيل حياتي اليومية ومسؤولياتي وقدرتي على إيجاد الوقت والمساحة لنفسي، وجعلتني التجربة أكثر وعيا بأن الفن ليس منفصلا عن الحياة، والفنانة لا تأتي إلى العمل محملة بالأفكار وحدها، بل بكل ما تعيشه وتحمله من مسؤوليات ومشاعر.

هل شعرتِ أن مسؤوليات النزوح والأسرة والحياة اليومية جعلت ممارسة الفن أكثر صعوبة؟

نعم، فالنزوح يستهلك الوقت والطاقة بشكل عام، ويجعل التخطيط للمستقبل أمرا صعبا، والفن يحتاج إلى مساحة من التركيز والاستقرار، وهي أمور قد لا تتوفر في ظروف النزوح، وأيا كانت الظروف فهذا لا يعني أنني فقدت قدرتي على الإبداع، بل يعني أن ممارسة الفن أصبحت مرتبطة بظروف أكثر قسوة وتعقيدا، وأعتقد أن من المهم أن نفهم هذا الجانب، بدلا من مطالبة الفنانين بإنتاج أعمال مؤثرة من دون الالتفات إلى ما يحتاجونه كي يتمكنوا من العمل.

هل تعتقدين أن منحوتات فناني غزة خلال الحرب ستصبح جزءا من الذاكرة الفلسطينية؟

نعم، أرى أن لها القدرة على أن تصبح جزءا مهما من الذاكرة الفلسطينية، فالفن لا يحفظ الأحداث الكبرى وحدها، بل يحفظ أيضا تفاصيل الحياة الإنسانية التي قد تغيب عن السجلات الرسمية، والشعور بالخوف، وعلاقة الإنسان بمكانه، وأثر الغياب، ومحاولات التمسك بالحياة، وحين تحفظ هذه الأعمال وتُعرض وتُدرس، يمكن أن تصبح شهادات بصرية ومادية تنتقل إلى الأجيال القادمة.

ما الذي يستطيع النحت أن يقوله عن الحرب ولا تستطيع الكلمات أو الصور قوله؟

يستطيع النحت أن يجعل المعنى محسوسا من خلال الكتلة والوزن والملمس والفراغ، الصورة تلتقط لحظة، والكلمات تحاول تفسيرها، أما المنحوتة فتمنح المشاهد فرصة للوقوف أمام المعنى والتفاعل معه من زوايا مختلفة، قد يعبر الفراغ عن الغياب، والانحناء عن الثقل، والتشقق عن أثر الزمن أو التجربة، لا أقول إن النحت أقدر من الكلمات أو الصور، بل إن لكل وسيط لغته الخاصة، والنحت يستطيع أن يضيف إلى الذاكرة بعدا ماديا لا يُختزل في الحكاية وحدها، وأرى أن الفنان يستطيع أن يكون شاهدا على زمنه، لكنه ليس مؤرخا بالمعنى التقليدي بالضرورة، إنه يوثق ما يراه ويشعر به ويفهمه من خلال لغته الفنية الخاصة، والمنحوتة يمكن أن تكون وثيقة إنسانية تحمل أثر المرحلة التي نشأت فيها، بشرط أن تحفظ وتوثق وتتاح للأجيال القادمة، فالفن لا يقدم دائما رواية مكتملة للأحداث، لكنه يفتح نافذة على التجربة الإنسانية التي صاحبتها.

كيف تتخيلين مستقبل النحت والفن التشكيلي في غزة بعد الحرب؟

أتخيل مستقبلا يحتاج إلى الكثير من العمل والصبر، لأن إعادة بناء الحركة الفنية لا تعني إعادة بناء الجدران والمراسم فحسب، إنها تعني أيضا استعادة الأدوات والخامات، وتهيئة المساحات الآمنة، وإتاحة الفرص للفنانين كي يعملوا ويعرضوا أعمالهم ويتواصلوا مع العالم، وأتمنى أن يكون المستقبل مساحة لا يضطر فيها الفنان إلى إثبات حقه في الإبداع وسط الخطر، بل يستطيع أن يمارس فنه بوصفه جزءا طبيعيا من الحياة.

هل تعتقدين أن الفنانين سيعودون إلى أعمالهم ومساحاتهم الفنية بسهولة أم أن آثار الحرب ستظل حاضرة في أعمالهم لسنوات طويلة؟

لن تكون العودة سهلة بالضرورة، لأن آثار الحرب لا تنتهي بمجرد تغير الظروف المحيطة، وقد يحتاج الفنان إلى وقت لاستعادة أدواته ومساحته، كما قد تتغير نظرته إلى المادة والمكان والإنسان، وأعتقد أن آثار هذه التجربة ستظهر في أعمال كثير من الفنانين لسنوات، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، لكنني لا أرى أن الفن الفلسطيني يجب أن يبقى محصورا في الألم، فمن حق الفنان أيضا أن يتخيل ويجرب ويحتفي بالحياة ويبحث عن موضوعات جديدة.

ما الذي تحتاجه الفنانة والنحاتة في غزة اليوم لاستعادة قدرتها على الإبداع؟

تحتاج إلى الأمان أولا، وإلى مكان صالح للعمل، وخامات وأدوات فنية، ودعم مادي يتيح لها الاستمرار، وتحتاج كذلك إلى فرص حقيقية للعرض والمشاركة والتواصل مع المؤسسات الفنية داخل فلسطين وخارجها، والأهم أن يُنظر إلى الفن باعتباره جزءا من حق المجتمع في الحياة والثقافة، لا ترفا يمكن الاستغناء عنه، فحين ندعم الفنانة، نحن لا ندعم شخصا واحدا فقط، بل نساعد على حماية جزء من الذاكرة والهوية الثقافية الفلسطينية.

هل نحتاج إلى مشروع فلسطيني وعربي ودولي لإعادة بناء الحركة الفنية والنحتية في غزة؟

نعم، أرى أن وجود مشروع متكامل يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا، بشرط أن يقوم على شراكة تحترم الفنان الفلسطيني واحتياجاته واستقلاليته الفنية، ونحتاج إلى إعادة تأهيل المراسم والمساحات الثقافية، وتوفير الخامات والمعدات، وحماية الأعمال المتضررة، وتوثيق الإنتاج الفني، وإنشاء برامج للمعارض والإقامات الفنية والتبادل الثقافي، كما نحتاج إلى دعم المؤسسات الفلسطينية المحلية حتى تكون شريكا أساسيا في إعادة البناء، لا مجرد جهة تتلقى المساعدات، فإعادة بناء الفن ليست استعادة لما كان موجودا فقط، بل فرصة لخلق بيئة ثقافية أكثر قدرة على الاستمرار، وحين أتحدث عن النحت في غزة، لا أتحدث عن الفن بمعزل عن الإنسان، ولا عن الجمال بمعزل عن الحقيقة، حيث جعلتنا التجربة نعيد التفكير في معنى المكان، وفي قيمة الأشياء الصغيرة، وفي العلاقة بين ما نفقده وما نحاول الاحتفاظ به داخلنا، أؤمن أن المنحوتة لا تستطيع أن تعيد بيتا، ولا أن تعوض إنسانا رحل، ولا أن تمحو ما حدث، لكنها تستطيع أن تحفظ أثرا، وتمنح الصمت شكلا، وتترك للأجيال القادمة شاهدا على أن الإنسان لم يكن مجرد رقم في حكاية الحرب، بل كان روحا تحلم وتفكر وتصنع وتحاول أن تعيش، وأنا أرى النحت فعلا من أفعال الذاكرة، فالمادة قد تصمت، لكن ما تحمله فيها من معنى يستطيع أن يبقى، وفي غزة، لا تكمن قيمة الفن في أنه يتجاهل الألم، بل في أنه يمنح الإنسان مساحة ليعبّر عنه دون أن يسمح له بأن يكون الحكاية الوحيدة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة