شتاء غزة يطرق أبواب الخيام الممزقة ومنازل الركام.. أطفال يرتجفون من البرد وأمهات يحاولن حماية صغارهن من المطر بأغطية بالية.. 1.5 مليون نازح يواجهون شبح الغرق.. والمياه الملوثة والأمراض والجوع تهدد مقومات الحياة

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 07:00 م
شتاء غزة يطرق أبواب الخيام الممزقة ومنازل الركام.. أطفال يرتجفون من البرد وأمهات يحاولن حماية صغارهن من المطر بأغطية بالية.. 1.5 مليون نازح يواجهون شبح الغرق.. والمياه الملوثة والأمراض والجوع تهدد مقومات الحياة الشتاء في غزة

كتب / أحمد عرفة

- 162 ألف خيمة خرجت عن الخدمة.. وأكثر من 60% من خيام غزة عاجزة عن حماية النازحين من البرد والأمطار

- 1.5 مليون نازح يواجهون الشتاء في خيام بالية ومبان مدمرة.. ومطالب عاجلة بتوفير 200 ألف خيمة و300 ألف شادر

- وكيل وزارة الأشغال العامة السابق77% من سكان غزة نازحون

- مليونا فلسطيني بحاجة إلى مساعدات إيواء عاجلة.. والإمدادات المتاحة لا تغطي سوى 17% من احتياجات الشتاء

- 220 ألف متر من شبكات الصرف الصحي دُمرت.. ومياه الأمطار تهدد بتحويل مخيمات النزوح لبرك ملوثة

- رئيس بلدية جباليا يستغيث قبل اشتداد الأمطار : كل حي الصفطاوي مهدد بالغرق

- محطتان فقط تعملان من أصل 8 محطات للصرف الصحي.. والبنية التحتية العاجزة تنذر بغرق الأحياء مع أولى العواصف

- تلوث المياه يرتفع 3 أضعاف.. وحالات الإسهال الحاد تقفز من 27 ألفا إلى أكثر من 48 ألف حالة

- مدير مجمع الشفاء الطبي: ارتفاع التهابات الجهاز التنفسي والرئة والنزلات المعوية ينذر بشتاء صحي قاس

- 45 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تتدفق للبحر يوميا.. وأزمة التلوث تمتد إلى المياه والسواحل

- رئيس قسم الإسعاف والطوارئ في الدفاع المدني: 80% من المركبات متوقفة ونحتاج الوقود وقطع الغيار لإنقاذ النازحين

- المدير التنفيذي للجنة المصرية بغزة: الاستعداد للشتاء يبدأ قبل هطول الأمطار.. ونعمل على تأمين الخيام وفتح الطرق

 

مع اقتراب فصل الشتاء، يستعد آلاف النازحين في غزة لمواجهة ظروف قاسية، بعدما وجدوا أنفسهم أمام خيار السكن في خيام مهترئة أو فوق أنقاض منازلهم المدمرة، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحماية من البرد والأمطار.

الخيام التي تؤوي العائلات لم تعد في كثير من الحالات قادرة على صد مياه الأمطار أو الرياح، أقمشة ممزقة وأغطية مهترئة وقطع من النايلون هي ما يحاول السكان استخدامه لسد الفتحات، فيما يبحثون عن أي وسيلة تمنع المياه من الوصول إلى الأطفال والفراش والملابس التي لا يملكون غيرها.

المشكلة لا تتوقف عند دخول مياه الأمطار إلى الخيام، فمع تضرر شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ، تتحول المياه المتجمعة في الشوارع ومخيمات النزوح إلى برك تختلط فيها مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، ما يزيد صعوبة الحياة اليومية ويرفع مخاطر التلوث والأمراض.

شتاء آخر في غزة فوق الركام

أول استغاثة جاءت مبكرة منذ الصيف الماضي، وبالتحديد في 13 أغسطس، عندما أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، نداء استغاثة بشأن تفاقم معاناة آلاف الأسر النازحة التي تعيش في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، حيث تتحول الأمطار والرياح والعواصف إلى تهديد مباشر لحياتها بسبب اهتراء الخيام وعدم قدرتها على توفير الحماية من البرد وتسرب مياه الأمطار.

ويعيش في غزة 2 مليون مواطن، بينهم نحو مليون طفل دون سن 18 عاما، وأكثر من 108 آلاف من كبار السن، ونحو 47 ألف أرملة، وأكثر من 120 الف من الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى عشرات الآلاف من الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات ومرضى سرطان والكلى وسوء تغذية و غيرها، كما فقد نحو 65 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، وأكثر من 90% منهم يعشوا في خيام مهترئة لم تعد صالحة للاستخدام ومراكز إيواء أو تحت انقاض بيوتهم المدمرة في أوضاع معيشية صعبة.

الدمار في غزة
الدمار في غزة
وذكرت الوزارة خلال بيانها، أن العائلات تعيش، وبينها أعداد كبيرة من الأطفال وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم ذوو الشلل الدماغي، في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، حيث يفترش كثير منهم الأرض في ظل غياب الأدوات المساندة والفرشات الطبية، مما يجعلهم عرضة للأمراض المعدية بسبب غياب وسائل الإيواء والتدفئة، وكونهم يعيشوا بين السماء و الأرض لا بيوت تحميهم وخيام مهترئة إلى جانب انعدام البنية التحتية الأساسية وشبكات تصريف مياه الأمطار، ما يؤدي إلى غرق الخيام وتحول الطرق إلى مستنقعات من الطين، ويقيد حركة السكان ويزيد من مخاطر الحوادث والإصابات.

كما حذرت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، خلال بيان في 22 سبتمبر، من تفاقم الكارثة الإنسانية التي تهدد مئات آلاف العائلات النازحة، في ظل تدهور أوضاع الإيواء ونقص المستلزمات الأساسية، مؤكدة أن نحو 1.2 إلى 1.5 مليون نازح يعيشون في مخيمات مكتظة ومكشوفة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

وأوضحت أن البيانات الأممية تشير إلى تلف وتهالك نحو 70% إلى 80% من الخيام والمآوي، فيما تبرز حاجة عاجلة إلى 200 ألف خيمة و300 ألف شادر بلاستيكي مقاوم للظروف الجوية، مطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتحرك الفوري ورفع الحظر عن إدخال شحنات الإيواء والإغاثة، لتدارك الوضع قبل وقوع فاجعة إنسانية.

ويؤكد وكيل وزارة الأشغال العامة والاسكان السابق ناجي سرحان، أن 77 % من المواطنين في غزة أصبحوا نازحين، موضحا أن 66 % من سكان القطاع يعيشون في خيام، أي تقريبا مليون ونصف، ويضيف، أن 54 % من خيام النازحين غير صالحة للاستخدام، لافتا إلى أن 2 مليون مواطن نزحوا عدة مرات خلال الحرب.

أضرار الشتاء على غزة
أضرار الشتاء على غزة

مليونا شخص بحاجة إلى مساعدات عاجلة

فيما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، خلال بيان لها في 9 سبتمبر، أن نحو مليوني شخص في غزة بحاجة إلى مساعدات عاجلة في مجال المأوى مع اقتراب الشتاء، مشيرة إلى أن إمدادات المأوى المتاحة لدى الشركاء تغطي نحو 17 بالمئة فقط من الاحتياجات الشتوية المحددة في القطاع.

وأضافت أن نحو 1.8 مليون نازح يعيشون في مواقع نزوح بغزة معظمها بمناطق معرضة لخطر الفيضانات، لافتة إلى أن أكثر من نصف الخيام والمآوي المؤقتة بغزة في حالة سيئة وتحتاج إلى استبدال.

أكثر من 60% من الخيام النازحين بحاجة لاستبدال فوري

وأطلق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، نداء عاجل، في 17 أغسطس، لإنقاذ أكثر من 2.15 مليون نازح في القطاع ، بينهم نحو 867 ألف شخص يعيشون في خيام بدائية ومهترئة لم تعد صالحة للإيواء.

وأشار إلى تفاقم المعاناة مع اقتراب فصل الشتاء، مطالبا المجتمع الدولي بالضغط لإدخال الكرفانات والخيام المقاومة للعوامل الجوية ومواد العزل ومستلزمات الإيواء، والعمل على إزالة الركام وتأهيل البنية التحتية، وأكد أن توفير الإيواء الآمن أصبح ضرورة عاجلة لحماية الأطفال وكبار السن والمرضى والفئات الأكثر هشاشة من مخاطر البرد والمرض.

ويحذر الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، من تداعيات إنسانية بالغة الخطورة تهدد حياة مئات الآلاف من النازحين في غزة مع اقتراب فصل الشتاء، واصفا إياه بأنه سيكون شتاء كارثيا بكل المقاييس على أبناء الشعب الفلسطيني في حال استمرار أزمة الإيواء الحالية دون تدخل جذري وعاجل.

ويوضح أن الطواقم الحكومية المختصة أجرت حصرا ميدانيا شاملا لواقع مخيمات النزوح، والذي أظهر معطيات كارثية وصادمة، حيث تبين أن 162 ألف خيمة قد أصبحت مهترئة تماما وخرجت عن الخدمة، وذلك من إجمالي 270 ألف خيمة تؤوي العائلات النازحة في مختلف محافظات القطاع.

ويضيف، أن هذه الإحصائيات الموثقة تعني أن أكثر من 60% من الخيام الحالية باتت غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية للمواطنين، ولم تعد صالحة للاستخدام أو قادرة على الصمود أمام الرياح والأمطار وبرد الشتاء القارس، مما يجعل هذه العائلات، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والمرضى، في العراء الفعلي وبحاجة ماسة إلى استبدال خيامهم بشكل فوري.

دمار كامل في غزة بسبب الحرب
دمار كامل في غزة بسبب الحرب

معاناة العائلات فوق الركام

بالنسبة للعائلات التي تعيش فوق الركام، قد تكون ساعات المطر كافية لتحويل مكان النزوح إلى منطقة موحلة يصعب التحرك فيها، الأطفال وكبار السن والمرضى هم الأكثر تأثرا، خاصة عندما تصبح الخيمة نفسها مهددة بالمياه أو الانهيار، ولا يكون أمام الأسرة مكان آخر تلجأ إليه.

وفي كثير من مناطق النزوح، لا توجد شبكات تصريف قادرة على استيعاب مياه الأمطار، فيما تفتقر العائلات إلى وسائل التدفئة والملابس الشتوية والبطانيات الجافة، ومع كل موجة مطر، تتجدد المخاوف من أن تفقد الأسر القليل الذي تبقى لها من مقتنيات.

حجم الدمار في مختلف بلديات قطاع غزة بسبب الحرب
حجم الدمار في مختلف بلديات قطاع غزة بسبب الحرب

استغاثات رؤساء الأحياء

في مختلف مناطق غزة، تتزايد استغاثات السكان والبلديات مع اقتراب موسم الأمطار، في ظل عدم قدرة شبكات الصرف الصحي المتضررة ومحطات الضخ على استيعاب كميات مياه الصرف ومياه الأمطار المتجمعة.

وتحولت بعض البرك وأحواض تجميع المياه إلى نقاط خطرة، بعدما امتلأت بالمياه الراكدة ومياه الصرف الصحي، فيما تفتقر الجهات المحلية إلى المعدات والوقود والطاقة اللازمة لتفريغها وتنظيفها وإعادة تشغيل محطات الضخ.

تابع حجم الدمار في بلديات غزة
تابع حجم الدمار في بلديات غزة

ولا تقتصر المخاوف على امتلاء هذه البرك، حيث إن استمرار تراكم المياه فيها مع هطول الأمطار قد يؤدي إلى فيضانها ووصول المياه الملوثة إلى المناطق السكنية ومخيمات النازحين، خاصة في الأحياء التي يعيش سكانها بين الأنقاض أو داخل خيام لا توفر حماية كافية.

ويؤكد متحدث بلدية غزة حسني مهنا، أن  قدرة المدينة على تصريف مياه الصرف تراجعت بشكل كبير بعد استهداف محطات الضخ العاملة فيها، مشيرا إلى أن  البلدية تمكنت من إعادة تشغيل محطتين لضخ المياه العادمة فقط من أصل 8 محطات، فيما لا تزال 6 محطات خارج الخدمة.

ويشير إلى أن الهجمات الإسرائيلية تسببت في تدمير نحو 220 ألف متر من شبكة الصرف الصحي، ما أدى إلى فيضان المياه العادمة في الشوارع وتجمعها في المناطق المنخفضة، قبل أن تتسرب باتجاه ساحل البحر.

ويحذر رئيس بلدية جباليا، المهندس مازن النجار، من خطر غرق مناطق واسعة شمال غزة، في ظل تدمير البنية التحتية الخاصة بتصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وتوقف محطة تجميع المياه في منطقة الصفطاوي عن العمل بسبب غياب مصدر لتشغيل المضخات.

ويقول إن تدمير بركة أبو راشد، التي كانت تعد أكبر بركة لتجميع مياه الأمطار في شمال القطاع، دفع إلى الاستعاضة عنها مؤقتا ببركة تجميع مياه الصفطاوي، التي تحولت بفعل انهيار شبكات الصرف الصحي والبنية التحتية إلى حوض يستقبل مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار معا.

ويوضح أن هذا الحوض يخدم مناطق النزلة والصفطاوي، كما تضخ إليه مياه بئر النعجة، الواقع في منطقة بيت لاهيا، ما جعله أكبر تجمع لمياه الصرف الصحي ومياه الأمطار في شمال القطاع.

بركة منطقة الصفطاوي
بركة منطقة الصفطاوي

ويشير النجار إلى أن المياه في الحوض أصبحت راكدة حاليا، في ظل توقف عمليات الضخ، محذرا من أن استمرار تراكم المياه يشكل خطرا مباشرا على حياة السكان، وقد يؤدي في حال هطول أمطار غزيرة إلى غرق مناطق واسعة، بينها حي الصفطاوي.

ويقول إن الخطر يصبح أكثر قسوة على سكان المنطقة، الذين يعيش كثير منهم في ظروف نزوح قاسية، بين منازل مدمرة وخيام بالية، بالتزامن مع دخول فصل الشتاء في شمال غزة، متابعا: "هناك خطر على حياة الناس، وممكن أن يؤدي الأمر إلى تدمير وغرق كل هذا الحي، كل حي الصفطاوي، وسكان المنطقة نازحون، ويسكنون في بيوت مدمرة وخيام بالية، ونحن في بداية شتاء فلسطين وشتاء شمال القطاع"، ويضيف، أن تدمير شبكات مياه الأمطار والصرف الصحي جعل البلدية أمام أزمة تتجاوز قدرتها على التعامل معها، خاصة في ظل تضرر معظم البنية التحتية في المنطقة.

وأطلقت بلدية جباليا نداء استغاثة عاجلا إلى المؤسسات الدولية والجهات المعنية بالبنية التحتية والمياه، وعلى رأسها سلطة المياه ومصلحة المياه واليونيسف، للمساعدة في إعادة تشغيل محطة الضخ وإنقاذ المناطق المحيطة بها من خطر الغرق، حيث يوضح النجار، أن المحطة لا يتوفر فيها حاليا مولد كهربائي لتشغيل المضخات، مؤكدا حاجة البلدية إلى مولد بقدرة 200 KVA لتشغيل المحطة والمضخة، باعتبارها محطة رئيسية لتجميع وضخ المياه في شمال قطاع غزة بعد تدمير محطة بركة أبو راشد.

ويقول : "نحن بحاجة إلى تشغيل المحطة والمضخة بواسطة مولد 200 KVA، لإنقاذ شمال غزة من الغرق وإنقاذ كل المحيط في منطقة أصبحت أكبر محطة ضخ مياه الآن في شمال القطاع بعد تدمير محطة بركة أبو راشد".

حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية

ومع اقتراب موسم الأمطار، لا يتعلق الخطر بتجمع المياه وحده، وإنما بغياب منظومة متكاملة لتصريفها، بعد أن تعرضت شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار ومحطات الضخ لأضرار واسعة، ويخشى السكان، الذين يعيش جزء كبير منهم في أماكن نزوح مؤقتة ومبان متضررة، أن تتحول مياه الأمطار المتراكمة إلى خطر جديد يضاف إلى ظروفهم الإنسانية القاسية.

وفي ظل هذه الظروف، يناشد رئيس البلدية، الجهات المحلية والدولية التدخل العاجل قبل اشتداد موسم الأمطار، وتوفير المعدات ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيل محطات الضخ، والحيلولة دون تحول أزمة البنية التحتية إلى كارثة إنسانية جديدة في شمال قطاع غزة.

وتطالب البلديات والمجالس المحلية بتدخل عاجل لتطهير البرك وأحواض التجميع، وسحب المياه المتراكمة، وفتح مسارات لتصريفها، إلى جانب إعادة تشغيل محطات الصرف الصحي ومضخات المياه التي توقفت بفعل الأضرار ونقص الوقود والطاقة.

وتقول الاستغاثات المحلية إن الوقت المتاح للاستجابة محدود، مع اقتراب فصل الشتاء، وإن معالجة البرك والأحواض قبل اشتداد الأمطار أصبحت ضرورة لتجنب فيضانها، لاسيما في المناطق التي تضررت فيها شبكات التصريف بشكل واسع، كما تطالب الجهات المحلية، بتوفير آليات شفط المياه والمضخات والمولدات والوقود، إلى جانب فرق متخصصة لتطهير البرك وإزالة الرواسب والمخلفات التي تعيق عمليات التصريف.

بالنسبة لسكان الأحياء المتضررة، لا تمثل هذه البرك مجرد تجمعات للمياه، بل خطرا يقترب منهم مع كل يوم تتأخر فيه عمليات التفريغ والتطهير، ومع أول موجة أمطار قوية، قد تتحول المياه الراكدة إلى سيول تدخل الخيام والمنازل المتضررة، وتزيد من معاناة عائلات فقدت أصلًا منازلها وشبكات الخدمات التي كانت تعتمد عليها.

وتأتي هذه المناشدات في وقت تواجه فيه البلديات تحديات كبيرة في التعامل مع أزمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ما يجعل التدخل السريع لتطهير البرك وتشغيل محطات الضخ جزءًا أساسيا من الاستعداد للشتاء وحماية المناطق السكنية ومخيمات النازحين.

انهيار منظومة الصرف الصحي داخل غزة تأثرت به الحدود الإسرائيلية بذاتها، وهو أمر يكشف حجم الكارثة التي يعيشها القطاع، خاصة مع توقف عدد كبير من محطات معالجة الصرف الصحي بسبب حرب الاحتلال.

من جانبها كشفت صحيفة الجارديان البريطانية، خلال تحقيق لها، في 25 سبتمبر، أن تدمير منظومة الصرف الصحي في غزة تسبب بأزمة بيئية امتدت آثارها إلى سواحل إسرائيل، حيث توقفت خمس من أصل ست محطات رئيسية لتحلية المياه عن العمل لعدة أيام، بعد انتشار الطحالب وانسداد المرشحات.

وأشارت إلى أن توقف عمل محطات معالجة الصرف الصحي الخمس في غزة، أدى إلى تدفق نحو 45 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يوميا إلى البحر، وتسرب نحو 15 ألف متر مكعب إلى المياه الجوفية، فيما حذر خبراء بيئيون من أن استمرار تلوث البحر قد يهدد مصادر المياه والبنية التحتية لمحطات التحلية، في وقت يواجه فيه سكان غزة أزمة مياه حادة وانتشارا للأمراض المرتبطة بتلوث المياه.

النقص الحاد في المستلزمات الأساسية يفاقم الكارثة

الشتاء في غزة لا يعني بالنسبة لهؤلاء النازحين انخفاض درجات الحرارة فحسب، بل يعني اختبارا جديدا لقدرتهم على البقاء في أماكن لا تحميهم من المطر والبرد، وفي بيئة تضررت فيها البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وفي ظل استمرار الدمار، يجد كثير من السكان أنفسهم أمام مفارقة قاسية، حيث منازلهم التي كانت تحميهم دُمرت، والخيام التي لجؤوا إليها لا توفر حماية كافية، فيما لا تزال شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي غير قادرة على أداء وظيفتها.

وبحسب بيان وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، الصادر في أغسطس الماضي، والذي أسلفناه في السطور السابقة، أشارت إلى أن النقص الحاد في المستلزمات الأساسية يفاقم من حجم الكارثة، بما يشمل الخيام، والبطانيات، والفرش، والملابس الشتوية، ومواد العزل، ووسائل التدفئة الآمنة، خاصة أن العمر الافتراضي لهذه المستلزمات لا يتجاوز ستة أشهر، بينما لا تزال آلاف الأسر تستخدمها منذ ما يقارب ثلاث سنوات رغم تعرضها لحرارة الصيف المرتفعة والرطوبة العالية، كما يساهم انتشار القوارض والحشرات، نتيجة تراكم النفايات وغياب خدمات الصرف الصحي، في زيادة مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، خاصة في ظل محدودية الخدمات الصحية، ونقص المستلزمات الطبية، بما يهدد الصحة العامة ويعرض الفئات الأكثر هشاشة لمضاعفات خطيرة.

تقرير وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية حول حجم معاناة غزة
تقرير وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية حول حجم معاناة غزة

وأوضحت أن نقص مياه الشرب الآمنة يزيد من حدة الأزمة، حيث تضطر العديد من الأسر إلى الاعتماد على مصادر مياه غير كافية أو غير آمنة، الأمر الذي يرفع من مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، ويؤثر بصورة مباشرة على صحة الأطفال والنساء وكبار السن، كما يقوم الاحتلال بحصار غزة فهو يمنع دخول زيوت المولدات و السيارات وقطع الغيار و الواح الطاقة الشمسية ويمنع تدخل الوقود التجاري، مما عطل حركة النقل و قطاعات حيوية كثيرة في القطاع، يمنع دخول وسائل اشعال مواقد الطعام للأطفال.

وأكدت أن استمرار هذه الظروف مع حلول فصل الشتاء ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة، تتجاوز آثارها الجوانب المعيشية لتطال الصحة والتعليم والحماية والكرامة الإنسانية، في ظل تراجع الموارد الإنسانية واتساع حجم الاحتياجات.

وأطلقت الوزارة، نداء استغاثة للمجتمع الدولي بضرورة التدخل لوقف هذه المعاناة اليومية التي يعيشها القطاع تدعوهم إلى التحرك العاجل لتعزيز الاستجابة الإنسانية، وتوفير حلول شتوية عاجلة تشمل استبدال الخيام المتهالكة، وتوفير المأوى الملائم، توفير التمويل للبرامج الإنسانية في غزة التي تقدمها منظومة الأمم المتحدة و المؤسسات الدولية و المحلية التي باتت اقرب إلى توقف برامجها بسبب العجز في التمويل.

كما طالبت بضرورة تعزيز الاستجابة الطارئة لتأهيل مخيمات النزوح وتجهيز بنيتها التحتية لاستقبال فصل الشتاء، والتحرك الفوري لتوفير مواد الإيواء الطارئة، بما يشمل البيوت الجاهزة "الكرفانات"، والخيام المقاومة للعوامل الجوية، وأغطية العزل، والبطانيات، والملابس الشتوية، ومستلزمات التدفئة، بما يتناسب مع حجم الاحتياجات المتزايدة، وتحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، وإنشاء أنظمة فعالة لتصريف مياه الأمطار داخل المخيمات، ودعم خطط الاستجابة الإنسانية العاجلة لضمان حماية الأسر النازحة، وكذلك تعزيز الخدمات الصحية ودعم الفرق الطبية المتنقلة لمواجهة الأمراض الموسمية والاستجابة للحالات الطارئة.

وقالت الوزارة، إن تأخير الاستجابة سيؤدي إلى تفاقم المخاطر الإنسانية، وسيزيد من معاناة آلاف العائلات التي تكافح يوميا من أجل البقاء في ظروف قاسية لا تليق بالكرامة الإنسانية، كما أن استمرار منع إدخال مقومات الإيواء الأساسية يحول القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، مؤكدة أن إنقاذ حياة نحو مليوني نازح يتطلب تحركا دوليا عاجلا ومباشرًا قبل فوات الأوان.

التعافي المبكر في غزة أقل من المطلوب

وأعلن مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، خلال بيان في 26 سبتمبر، أن التعافي المبكر في غزة لا يزال أقل بكثير من الحجم المطلوب بعد نحو عام من وقف إطلاق النار، لافتا إلى أن استمرار الغارات والقصف والعمليات الإسرائيلية، مع بقاء نحو ثلثي القطاع غير متاح أو خاضعًا لقيود شديدة على الوصول.

وأشار إلى أن انهيار أو تضرر خدمات أساسية، بينها المياه والصرف الصحي والكهرباء وإدارة النفايات والخدمات الصحية، أدى إلى أزمة صحية وبيئية مركبة في القطاع، موضحا أن الاستعداد لفصل الشتاء بات عاجلا، في ظل احتياجات هائلة للسكن واستمرار القيود على إدخال الإمدادات والخدمات الأساسية.

وقال إن الانتقال إلى التعافي على نطاق واسع يتطلب تحسين الوصول، وإدخال المعدات الثقيلة والوقود ومواد البناء والخبرات الفنية، إلى جانب إزالة الركام ومخلفات الحرب وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.

ويوضح المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" ينس لاركيه، إن الشتاء سيأتي في وقت أبكر مما نتوقع، وسيكون صعبا أيضً على سكان غزة، متابعا :" نبذل قصارى جهدنا هذه المرة لمنع حرمانهم من الحصول على مكان لنوم آمن في ذروة البرد"، ويؤكد أن ️على السلطات الإسرائيلية تخفيف القيود حتى نتمكن من إدخال مواد الإيواء، لافتا إلى أن خيام العام الماضي كانت بالية وقديمة ولم تُستبدل.

انهيار النظام الصحى قبل حلول الشتاء

يدخل فصل الشتاء هذا العام، وما زال القطاع الصحى داخل غزة يعاني من انهيار كامل، وهو ما تطرقت له منظمة الصحة العالمية خلال بيان لها في 2 سبتمبر، عندما حذرت من تفاقم المخاطر الصحية في القطاع مع اقتراب الشتاء.

وأشارت إلى أن التلوث الميكروبيولوجي في مياه غزة ارتفع نحو 3 أضعاف بين يناير وأغسطس، من أقل من 6% إلى أكثر من 18%، بعد تحليل أكثر من 6700 عينة، لافتا إلى ارتفاع حالات الإسهال الحاد من نحو 27 ألف حالة في مارس إلى أكثر من 48 ألفًا في أغسطس.

وأوضحت أن الأمطار والشتاء قد تؤدي إلى غرق مخيمات النازحين، واختلاط مياه الصرف الصحي والقمامة والمياه الملوثة بأماكن السكن والطهي، ما يزيد خطر الأمراض المنقولة بالمياه، مؤكدة أن هناك توقعات بزيادة انتشار البعوض والآفات والعفن والبكتيريا، في ظل نظام صحي منهك وغير قادر على التعامل مع تفشيات واسعة للأمراض.

ويوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس، أن القطاع لا يزال يواجه حالة طوارئ إنسانية وصحية عامة، رغم مرور نحو عام على وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن النظام الصحي في غزة يتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الإنسانية والصحية كبيرة للغاية.

من جانبه يؤكد الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي، تسجيل ارتفاع ملحوظ في الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي والرئة والنزلات المعوية، محذرا من أن فصل الشتاء المقبل قد يحمل أمراضا خطيرة تتفشى في القطاع ولا سيما بين النازحين.

صعوبة تنفيذ العمليات الإنسانية لإنقاذ الضحايا

ومع أولى الأمطار، قد لا يعود السؤال بالنسبة للعائلات النازحة هو كيف تقضي الشتاء، بل أين ستضع أطفالها عندما تتسرب المياه إلى الخيمة، وكيف ستحافظ على مكان جاف للنوم، وإلى أين ستذهب المياه التي لا تجد طريقًا إلى شبكة صرف صحي تعمل.

مواجهة أخرى مع الشتاء، يخوضها سكان غزة في ظروف استثنائية، فوق أنقاض بيوتهم أو داخل خيام أنهكها النزوح، بينما يمكن لمياه الأمطار التي ينتظرها العالم باعتبارها جزءا طبيعيا من هذا الفصل أن تتحول بالنسبة لهم إلى مصدر جديد للخطر والمعاناة.

وأكدت وكالة الأونروا، خلال بيانها في 28 أغسطس، أن استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق مأهولة بالمدنيين في القطاع يعيق العمليات الإنسانية ويزيد المخاطر على العاملين في المجال الإنساني، موضحة أن أوامر إخلاء مؤقتة طالت عددا من منشآت الوكالة في مدينة غزة والمنطقة الوسطى ما تسبب في نزوح مؤقت وإجراءات للاحتماء داخل المنشآت.

وقالت إن النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطع الغيار والإمدادات الأساسية في القطاع أدى إلى تعطل ثلثي المولدات ونصف عدد مركباتنا، لافتة إلى أن نحو 65 ألف نازح داخلي يقيمون في 114 مركز إيواء جماعيا للطوارئ.

وأشارت إلى أن منع إدخال المساعدات إلى غزة حال دون توزيع إمدادات كانت الوكالة قد خزنتها مسبقا خارج القطاع، متابعة :" موظفونا الدوليون ممنوعون من دخول الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القطاع والضفة الغربية والقدس الشرقية".

ويوضح رئيس قسم الإسعاف والطوارئ في الدفاع المدني أسعد السقا، أن الدفاع المدني في غزة يوشك على التوقف بسبب نقص الإمكانيات، لافتا إلى أن 80% من المركبات داخل القطاع متوقفة عن العمل.

ويقول :" نحتاج معدات وقطع غيار ووقودا بشكل عاجل لمواصلة العمل، خاصة منظومة الدفاع المدني في غزة على وشك الانهيار، ونعمل بأقل الإمكانيات ونحتاج دعما فوريا الآن"، ويشير إلى أن رجال الدفاع المدني يعملون بأجور متدنية وفي ظروف قاسية، متابعا :"نحتاج منظومة دفاع مدني متكاملة وعاجلة في غزة".

موجات نزوح جديدة

فيما حذرت وزارة التنمية الاجتماعية، خلال بيان لها في 21 أكتوبر، من تفاقم أوضاع آلاف الأسر النازحة في قطاع غزة، جراء تكرار النزوح ونقص أماكن الإيواء والمساعدات والخدمات الأساسية، داعية إلى تكثيف الجهود الإنسانية وتوفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة.

شبح الجوع مع اقتراب الشتاء

ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد مخاوف العائلات في غزة من تفاقم أزمة الجوع، في وقت يعيش فيه كثير من النازحين في ظروف قاسية ويواجهون صعوبة في تأمين الغذاء بصورة منتظمة، ومع ارتفاع الاحتياجات وتراجع القدرة على الوصول إلى المواد الأساسية، يصبح توفير وجبة يومية تحديا جديدا للعائلات التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها، وتعيش منذ شهور في أماكن نزوح تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

ولا يضيف الشتاء برودته وأمطاره إلى معاناة النازحين فحسب، بل يزيد أيضا من هشاشة الأسر التي تعاني من نقص الغذاء، فالعائلات التي تكافح لتوفير الطعام تجد نفسها مطالبة في الوقت نفسه بتأمين ملابس وبطانيات ووسائل تدفئة ومأوى قادر على الصمود أمام الأمطار، بينما يبقى الأطفال وكبار السن الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، ومع كل يوم يمر، تبدو مواجهة الجوع والبرد والمطر معا اختبارا قاسيا لعائلات تحاول تأمين أبسط احتياجاتها وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وقال برنامج الأغذية العالمي، خلال بيانه في 29 أغسطس، إنه لا زال بحاجة إلى نحو 560 مليون دولار حتى يتمكن من مواصلة العمل حتى نهاية العام، متابعا :"بسبب نقص التمويل، أصبحنا مضطرين الآن إلى البدء في خفض المساعدات أو الحصص الغذائية".

مجاعة شاملة في غزة
مجاعة شاملة في غزة

وأضاف أن هناك ما لا يقل عن 75 ألف أسرة، أي ما يقارب 400 ألف شخص، أصبحت تتلقى حصصا مخفضة اعتبارا من هذا الشهر وما بعده بسبب أزمة التمويل، وإذا لم نتمكن من حل مشكلة التمويل، فإننا نخاطر بخسارة المكاسب التي تحققت.

ووجه البرنامج رسالة استغاثة وتحذيرا من كارثة قائلا :"إذا لم يكن لدينا التمويل، فإن التحديات الأخرى، مثل انعدام الأمن وإمكانية وصول المواد، تصبح غير ذات صلة، لأنك ببساطة لن تمتلك شيئا تستطيع تقديمه لمساعدة الناس، لذلك، نحن في وضع تنتقل فيه غزة من أزمة تتعلق بالأمن والوصول إلى أزمة تتعلق بالتمويل".

كما أعلن البرنامج، في 4 سبتمبر، أنه بسبب القيود الحالية على التمويل، سيقل عدد الأسر التي ستتلقى الطرود الغذائية شهريا ابتداء من شهر أكتوبر، موضحا أن هذا يعني أن الأسر المؤهلة ستتلقى الطرود الغذائية بوتيرة أقل من المعتاد.

فيما أكدت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، خلال بيان لها في 3 سبتمبر، أن القطاع الإنساني يعيش منذ اتفاق وقف إطلاق النار واحدة من أقسى مراحله، خاصة أن مؤشرات التجويع لم تتراجع بشكل ملموس.

وأوضحت أن غالبية الأسر لا تزال تعتمد على التكايا والمساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها الغذائية، مشيرة إلى أن نحو 200 ألف خيمة تؤوي أعدادا كبيرة من النازحين في مختلف مناطق القطاع، وقرابة مليون ونصف المليون نازح يواجهون شتاء قاسيا داخل الخيام والمباني المتضررة.

واتهم المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، خلال بيان في 8 سبتمبر، الاحتلال بممارسة سياسة التجويع الصامت بحق المدنيين في القطاع من خلال تطبيق مصطلح "هندسة التجويع"، حيث إن إسرائيل تتعمد منع إدخال المساعدات الإنسانية إلا بنسب ضئيلة للغاية لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات الناس المتفاقمة.

وأضاف البيان، أن أكثر من 95% من المواطنين في غزة باتوا يعتمدون بشكل كلي وحصري على المساعدات، في حين أن أكثر من 90% منهم فقدوا قدرتهم الشرائية تماما ولا يستطيعون شراء الغذاء، مما يجعلهم مرتهنين لما يدخل من إعانات لتلبية رمقهم والحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية.

وأشار إلى أن الاحتلال يتعمد منع إدخال مئات الآلاف من الشاحنات في أسلوب تجويعي واضح وممنهج، حيث إن ما تسمح القوات الإسرائيلية بإدخاله لا يتجاوز 35% فقط مما تم الاتفاق عليه.

وأكد أنه منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم يسمح الاحتلال سوى بمرور 69,387 شاحنة مساعدات وغذاء فقط، وذلك من أصل 198,000 شاحنة كان من المفترض دخولها إلى القطاع بموجب الاتفاق، موجها دعوة عاجلة للمجتمع الدولي، بضرورة ممارسة ضغط فوري وحقيقي على تل أبيب لإجبارها على العدول عن سياسة التجويع، والالتزام بما تم التوقيع عليه لضمان تدفق شاحنات الغذاء والمساعدات بشكل عام.

تحذيرات من مجاعة ثالثة

من قلب غزة، حيث لا تزال العائلات تحاول تدبير احتياجاتها الأساسية وسط ظروف إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، تطلق الكاتبة والروائية الفلسطينية صابرين أبو عسكر تحذيرا من احتمال دخول القطاع مرحلة جديدة من الجوع، حيث تتحول إلى مجاعة ثالثة إذا استمر تعطل إدخال الإمدادات الغذائية وتقلصت المساعدات المقدمة للسكان.

وتقول أبو عسكر، إن المؤشرات التي ترصدها على الأرض تثير مخاوف متزايدة، مشيرة إلى أن إدخال المواد الغذائية والدقيق توقف، منذ نحو أسبوع إلى عشرة أيام، الأمر الذي انعكس على توافر السلع في الأسواق، وأثار القلق بشأن قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها اليومية، لا سيما العائلات التي استنزفت مدخراتها ولم تعد تملك ما يكفي لشراء الغذاء.

وتضيف أن القلق لا يرتبط فقط بتراجع المعروض من المواد الغذائية، بل يمتد إلى تقلص نطاق المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من السكان لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتهم، لافتة إلى أن برنامج الأغذية العالمي كان يقدم مساعدات لأكثر من مليون شخص، قبل أن يتقلص نطاق المستفيدين، إلى أقل من نصف مليون شخص، وهو ما يزيد من الضغوط على الأسر التي تعاني من تدهور أوضاعها المعيشية.

صابرين أبو عسكر
صابرين أبو عسكر

وتحذر من أن اجتماع نقص الإمدادات مع تراجع المساعدات قد يضع السكان أمام خيارات شديدة القسوة، خاصة الأسر التي تضم أطفالا ومرضى وكبار سن، وتحتاج إلى الغذاء بصورة منتظمة. فحين تتراجع المساعدات وترتفع الأسعار في الوقت نفسه، يصبح الحصول على وجبة يومية كافية تحديًا حقيقيا، لا سيما لمن فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب والنزوح.

أسعار ملتهبة وأسواق ترهق جيوب السكان

ولا تتوقف معاناة الغزيين، وفقا لتأكيد صابرين أبو عسكر، عند نقص السلع أو صعوبة الحصول عليها، بل تتفاقم مع ارتفاع أسعار المنتجات المتاحة في الأسواق، مشيرة إلى أن بعض التجار عمدوا إلى تخزين كميات من بضائعهم، بينما رفع آخرون الأسعار، مبررين ذلك بتوقف دخول الشاحنات وصعوبة توفير السلع.

وتقول إن بعض الممارسات التجارية تزيد من معاناة السكان في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى التضامن والتكافل، مضيفة أن هناك تجارا يستغلون الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب على حساب احتياجات الناس، في حين يواصل آخرون البيع بالأسعار السابقة رغم صعوبة الأوضاع.

وتوضح أن الخضراوات المتوافرة لدى بعض المزارعين تباع، بأسعار مضاعفة مقارنة بما كانت عليه قبل أيام قليلة، نتيجة محدودية المعروض وارتفاع الطلب، حيث تضرب مثالا بسعر كيلو الليمون الذي وصل إلى نحو 40 شيكلا، وهو مبلغ يعادل قرابة 700 جنيه مصري وفق تقديرها، في حين بلغ سعر ربطة الخبز التي تضم 12 رغيفا نحو 13 شيكلا، بما يعادل قرابة 230 جنيها مصريا.

وتؤكد أن هذه الأسعار لا تمثل سوى نماذج من موجة الغلاء التي طالت سلعا أخرى، وأصبحت معها مشتريات كانت أساسية ومتاحة نسبيا عبئا يفوق قدرة كثير من الأسر، فالعائلة التي تحتاج إلى الخبز والخضراوات يوميا تجد نفسها مضطرة إلى تقليل الكميات أو الاستغناء عن بعض الأصناف، في محاولة للتكيف مع دخل محدود وأسعار تتغير بسرعة.

الغذاء بين قيود الإدخال واستغلال الأزمة

وتشير أبو عسكر إلى أن الشاحنات التي يجري العمل على تنسيق دخولها تركز، على الملابس ومستلزمات الخيام والأحذية، بينما لم تتم الموافقة من جانب الاحتلال، على إدخال أصناف غذائية تشمل الخضراوات والفواكه واللحوم والمنتجات المجمدة.

وترى أن السماح بدخول هذه الأصناف بكميات كافية من شأنه أن يساهم في زيادة المعروض داخل الأسواق، وتخفيف حدة النقص، والحد من الارتفاعات الحادة في الأسعار، موضحة أن عودة تدفق المواد الغذائية بصورة منتظمة قد تساعد على استعادة قدر من التوازن في السوق، وتمنح الأسر فرصة للحصول على احتياجاتها بأسعار أقل من المستويات الحالية، غير أن استمرار القيود على الإمدادات، بالتزامن مع ضعف القدرة الشرائية للسكان، يجعل الوضع أكثر هشاشة، ويزيد من المخاوف بشأن الفئات الأكثر احتياجا، لأن الغذاء لا يمثل سلعة يمكن تأجيل شرائها إلى وقت أفضل بالنسبة إلى الأسر التي تعيش يوما بيوم، بل هو ضرورة ترتبط مباشرة بصحة الأطفال والمرضى وقدرة العائلات على الصمود.

مناشدة لتدارك الأزمة قبل تفاقمها

وتحمل صابرين أبو عسكر رسالة إنسانية تتجاوز أرقام الأسعار وكميات المساعدات، لتضع معاناة السكان أمام الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية، فخلف كل ارتفاع في سعر الخبز أو الخضراوات أسرة تحاول تدبير وجباتها، وخلف كل تراجع في المساعدات طفل قد يفقد مصدرا أساسيا لغذائه، وعائلة تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها.

وتبرز مناشدتها ضرورة ضمان دخول الإمدادات الغذائية بصورة منتظمة وكافية، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية لتصل إلى الأسر التي تحتاج إليها، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق ومواجهة استغلال الظروف الإنسانية لرفع الأسعار بصورة غير مبررة.

غزة تتحول لمكان يستحيل للبشر العيش فيه

ويحذر مدير إدارة الصحة في الأونروا أكيهيرو سيتا، من أن البيئة المعيشية في غزة انهارت، والقطاع يتحول بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة إلى مكان يستحيل للبشر العيش فيه، موضحا أن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 أسفرت عن استشهاد أكثر من 74 ألف شخص، فيما تسير إعادة الإعمار ببطء مع استمرار الهجمات واحتلال مساحات واسعة حتى بعد الاتفاق.

ويضيف، أن نحو مليوني شخص أجبروا على العيش في الـ30% المتبقية من القطاع، ويقيم معظمهم في خيام، فيما تعاني غزة نقصا متواصلا في الإمدادات الطبية بسبب القيود على إدخالها، مع استمرار تردي الأوضاع الصحية وتفشي الأمراض الجلدية وأمراض معدية أخرى.

مجهود الإيواء

ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد الحاجة إلى تكثيف جهود الإيواء وإزالة الركام، في ظل الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، واستمرار معاناة آلاف الأسر التي فقدت مساكنها وتواجه مخاطر البرد والأمطار، حيث تتركز الأولويات أمام الحكومة الفلسطينية والجهات المختصة في تنسيق الاستجابة الطارئة لتوفير مراكز إيواء آمنة، وتأمين الخيام ومواد التدفئة والأغطية والمستلزمات الأساسية، إلى جانب العمل على إزالة الأنقاض وفتح الطرقات، بما يساهم في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وفرق الإنقاذ والخدمات الأساسية إلى المناطق المتضررة.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية، في 21 أكتوبر، تنفيذ العديد من الجهود ضمن الاستعدادات لمواجهة الظروف الجوية القاسية، إلا أن حجم الاحتياجات يفوق الإمكانات المتاحة، ما يجعل تسريع إدخال مستلزمات الإيواء والمعدات الثقيلة والوقود، وتوفير الدعم المالي والإنساني، ضرورة ملحة لحماية النازحين وتخفيف معاناتهم خلال فصل الشتاء.

ويقول المهندس عاهد بسيسو، وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني، إن هناك 23 مركز إيواء جديدا قيد التجهيز، تستوعب نحو 20 ألف خيمة، موضحا أن السكان يتركزون في نحو 30% من مساحة القطاع.

ويشير إلى إزالة نحو 1.36 مليون طن من الركام، وتكسير 370 ألف طن، وإعادة استخدام 390 ألف طن في تأهيل الطرق ومواقع الإيواء، بالإضافة إلى تخصيص نحو 5 مواقع لجمع الركام وفرزه وتكسيره، لافتا إلى أنه جاري العمل على فتح نحو 420 طريقا بطول إجمالي يبلغ 670 كيلومترا.

ويوضح أن جاري إزالة الركام من نحو 62 موقعا، تشمل مباني عامة ومراكز ومرافق صحيةـ مؤكدا أن بنك فلسطين تبرع بنحو 500 ألف دولار للمساهمة في إزالة أحد الأبراج المهددة بالسقوط، مع إمكانية زيادة المبلغ وفق الاحتياجات.

"سند وأمان"

وقبل أن تشتد برودة الشتاء، تحركت اللجنة المصرية لإغاثة أهالي غزة بإطلاق حملة إيد بإيد "سند وأمان"، وتجهيز قوافل الدعم الشتوي المتجهة إلى مخيمات النازحين، لتواصل مصر حضورها الإنساني في الميدان، موضحة أن هناك قوافل تتحرك، ومساعدات تُجهز، ورسالة واحدة تتقدم المشهد وهي غزة ليست وحدها والعطاء المصري لا ينتظر اشتداد المعاناة.

حملة سند وأمان في غزة
حملة سند وأمان في غزة

ويؤكد معين أبو الحصين، المدير التنفيذي للجنة المصرية في غزة، أن اللجنة تضع الاستعداد لفصل الشتاء ضمن أولويات عملها الميداني، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها أهالي القطاع، ولا سيما الأسر النازحة التي تواجه مخاطر البرد والأمطار والسيول إلى جانب نقص الاحتياجات الأساسية.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن معاناة أهالي غزة لا تتوقف عند نقص الغذاء والمياه، وإنما تمتد إلى مخاطر الظروف الجوية خلال فصل الشتاء، خاصة داخل مخيمات النزوح، لافتا إلى أن اللجنة المصرية تواصل جهودها لتجهيز المخيمات ودعم الأسر الأكثر احتياجا، إلى جانب فتح الطرق وإزالة الركام والعمل على معالجة مصادر تجمع المياه، بالإضافة إلى توفير المستلزمات الضرورية التي تساعد العائلات على مواجهة الظروف الجوية الصعبة.

قوافل حملة سند وأمان في غزة
قوافل حملة سند وأمان في غزة

ويضيف أن ملف الخيام يمثل أولوية إنسانية، خصوصًا مع وجود آلاف الأسر التي تعيش في ظروف قاسية وتحتاج إلى مأوى أكثر أمانًا مع دخول فصل الشتاء، موضحا أن اللجنة تعمل على حصر الاحتياجات داخل المخيمات وتحديد الخيام الأكثر تضررا، بهدف استبدال ما يمكن استبداله وتحسين ظروف الإيواء.

ويشدد على أن توفير مأوى يحمي الإنسان من المطر والبرد ليس رفاهية، وإنما ضرورة إنسانية، مؤكدا أن الاستعداد لفصل الشتاء يتطلب تحركًا مبكرًا للتعامل مع احتياجات الأسر النازحة قبل تفاقم الظروف الجوية.

وفيما يتعلق بتطهير البرك وإصلاح مشكلات الصرف، يوضح المدير التنفيذي للجنة المصرية في غزة، أن الاستعداد للشتاء لا يقتصر على توزيع المساعدات، وإنما يشمل أيضا تنفيذ أعمال ميدانية تستهدف الحد من مخاطر تجمع مياه الأمطار.

ويشير إلى أن فرق اللجنة وآلياتها تواصل فتح الطرق وإزالة الركام والتعامل مع النقاط التي قد تتجمع فيها مياه الأمطار، إلى جانب دعم الجهود المتعلقة بتصريف المياه ومعالجة مشكلات الصرف، بما يساهم في الحد من مخاطر غرق المخيمات وتفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية.

وحول أبرز الاحتياجات المطلوبة في غزة قبل حلول الشتاء، يقول أبو الحصين إن القطاع يحتاج إلى استجابة شاملة وسريعة، تشمل توفير خيام ومساكن أكثر أمانًا، وأغطية وملابس شتوية، ومستلزمات للتدفئة، إلى جانب المياه النظيفة والحلول الخاصة بتصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، بجانب فتح الطرق أمام المواطنين وفرق الطوارئ.

ويؤكد أن الاستعداد الحقيقي للشتاء يجب أن يبدأ قبل هطول الأمطار، قائلا: "الأهم هو ألا ننتظر هطول الأمطار حتى نتحرك، فالاستعداد الحقيقي للشتاء يبدأ قبل الشتاء"، ويشير إلى استمرار اللجنة المصرية في العمل الميداني، موضحا أن رسالتها تتمثل في وصول المساعدة إلى أهالي غزة قبل أن يتحول البرد والأمطار إلى أزمة جديدة، في ظل استمرار وقوف مصر إلى جانب غزة في مختلف الظروف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة