لم يكن الجدل حول دستور 2012 مجرد خلاف قانوني على صياغة المواد، بل كان اختباراً حقيقياً لمعنى "المواطنة" في الدولة الحديثة. فبينما كانت جماعة الإخوان الإرهابية تسيطر على الجمعية التأسيسية، خرج النص الدستوري حاملاً مادة "219" التي أعادت تعريف مبادئ الشريعة الإسلامية بشكل يفتح الباب أمام أشد التفسيرات تشدداً، ويضع غير المسلمين في مرتبة أدنى قانونياً. الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أحمد بان، يرى أن هذا النص لم يكن مفاجأة، بل كان تعبيراً صادقاً عن تصور الجماعة للدولة والمواطنة.
الشريعة قيد المواطنة
يقول بان: المشكلة في دستور 2012 لم تكن في المادة الثانية التي اعتدنا عليها، بل في المادة 219 التي جاءت لتفسرها وتقيدها. نصت المادة على أن مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة. هذا النص لم يكن بريئاً. هو يربط التشريع بتراث فقهي محدد، ويستبعد أي تفسير آخر. مضيفا، أنه عندما يصبح الفقه السني التقليدي هو المرجعية الدستورية، فإن غير المسلم لا يحتاج إلى انتظار قانون تمييزي صريح ليشعر بأنه مواطن منقوص. يكفي أن يعرف أن القوانين التي تحكمه مشتقة من مصدر لا يؤمن به، وأن تفسيرها بيد فقهاء لا يمثلونه. هذه هي المواطنة المشروطة "أنت مواطن طالما قبلت أن تعيش تحت شريعة ليست شريعتك".
الكنيسة تدرك المعنى.. وتنسحب
لم يكن هذا التفسير مبالغة من الباحث أحمد بان الذى أكد أن في نوفمبر 2012، أعلنت الكنائس المصرية الثلاث انسحابها من الجمعية التأسيسية، وقالت في بيانها المشترك إن الدستور "لم يحقق التوافق الوطني المنشود، ولا يعبر عن هوية مصر التعددية" . وكان الاعتراض الأساسي على "المواد المفسرة للمادة الثانية"، أي المادة 219 .
ويوضح بان، أن الكنيسة لم تعترض على مبدأ الشريعة كمصدر، لأن هذا موجود منذ دستور 1971. بل اعترضت على التفسير الذي يغلق باب الاجتهاد ويحتكر الحقيقة. فالمادة 219 لم تكن مجرد تعريف، بل كانت إعلاناً بأن الدولة ستُحكم بمنطق فقهي واحد، ومن يختلف عنه ليس فقط سياسياً خارجاً، بل دينياً أيضاً. مضيفا، أن البابا تواضروس الثاني أعلن معارضته الصريحة للمادة 219، لأنها تفتح الباب لأكثر التفسيرات تشدداً. هذا ليس خوفاً من الشريعة في حد ذاتها، بل من احتكار تفسيرها لصالح تيار واحد. وعندما يشعر رأس الكنيسة بأن دستور بلده لا يمثل مواطنيه، فهذه إشارة خطيرة.
التكتيك الإخواني: أي نص يكفي
المفارقة التي يكشفها بان، أن جماعة الإخوان رغم سيطرتها على البرلمان والرئاسة، لم تكن هي المحرك الأيديولوجي الحقيقي للمادة 219. يشرح ذلك قائلا: السلفيون كانوا الأكثر تمسكاً بهذا النص، لأنهم يريدون تقييد الشريعة بفهمهم الخاص. أما الإخوان، فكانوا أكثر براجماتية. هدفهم كان تمرير أي دستور، أي نص، لأن الشرعية التي يحتاجونها كانت سياسية لا فقهية. لقد قبلوا بالمادة 219 كتنازل للسلفيين مقابل إقرار الدستور . مضيفا، وهذا لا يبرئهم. من يقبل بترسيخ التمييز في الدستور، حتى لأسباب تكتيكية، هو شريك فيه. الإخوان لم يقاتلوا من أجل مواطنة متساوية، بل قاتلوا من أجل السلطة. وعندما تعارضت السلطة مع المواطنة، اختاروا السلطة.
ماذا يعني هذا لغير المسلم؟
السؤال العملي: إذا كان دستور 2012 قد مر، ماذا كان سيحدث للأقباط قانونياً؟ يقول بان: المادة 219 وحدها لا تنص على التمييز صراحة، لكنها تخلق بيئة قانونية تفسيرية تسمح به. أي قانون مدني أو جنائي أو أسري يُعرض على المحكمة الدستورية، سيكون مرجع التفسير فيه هو مذاهب أهل السنة والجماعة. هذا يعني أن القاضي لن يسأل: هل هذا القانون عادل لجميع المواطنين؟ و هل يتوافق مع الفقه السني؟ وغير المسلم في هذا المعادلة ليس طرفاً في السؤال أصلاً.
ويوضح بان : كيف صاغت جماعة الإخوان الارهابية دستوراً لدولة مواطنة، ثم وضعت فيه بنداً يجعل المواطنة مشروطة بخضوع الجميع لمنظومة فقهية واحدة. هذا ليس خطأ دستورياً، بل هو اختيار أيديولوجي مقصود. والضحية، كما دائماً، هي المواطنة المتساوية.