الكاتب والروائى مصطفى عبيد: والدى صاحب الفضل الأكبر فى مسيرتى.. ومصطفى أمين أرسل لى رسالة أدهشت أبى.. وذهبت لمنزل نجيب محفوظ وأنا طفل بعد حصوله على نوبل.. والتاريخ ليس ساحة للتشهير بأبطاله

السبت، 31 أكتوبر 2026 03:00 م
الكاتب والروائى مصطفى عبيد: والدى صاحب الفضل الأكبر فى مسيرتى.. ومصطفى أمين أرسل لى رسالة أدهشت أبى.. وذهبت لمنزل نجيب محفوظ وأنا طفل بعد حصوله على نوبل.. والتاريخ ليس ساحة للتشهير بأبطاله الكاتب والروائى مصطفى عبيد

حوار - إسراء إسماعيل

«هناك بيت شعرى لمحمود درويش - رحمه الله - أضعه على مكتبى، يقول فيه: (تُنسى كأنك لم تكن.. تُنسى كمصرع طائر.. ككنيسة مهجورة تُنسى.. وكوردة فى الليل تُنسى)، فهو يحاول فى هذا البيت أن يُخبِر الناس أنهم سيُنسون يومًا، مهما صنعوا وأبدعوا، ومهما تجبروا سيُنسون، وهذا يدفعنى للتفكير فى أن الكتابة والإبداع وسيلة لمقاومة للموت، فالإنسان يُقاوم الموت بما يُبقى اسمه ووجوده بعد رحيله»، كلمات وأفكار تناولتُها مع الكاتب الصحفى والأديب مصطفى عبيد، خلال هذا الحوار الشيق، الذى كشف لى الكثير من شخصيته، والمفاجأة أنه لم يكتفِ بكتابة الروايات التاريخية، أو ترجمة بعض المذكرات، بل إنه خاض تجربة الكتابة الشعرية فى بدايته، ولكن ما سر اهتمامه بالصحافة والكتابة الأدبية، وكيف اتجه للكتابة التاريخية، كلها أسئلة دفعتنا لإجراء حوار معه، ليبوح لنا بالكثير، الذى لا نعرفه۔

فى البداية نود أن نعرف ما سر اتجاهك لعالم الصحافة والكتابة الأدبية؟

سبب دخولى للصحافة هى القراءة، فمنذ طفولتى وأنا أحب القراءة، وكأى طفل فى تلك الفترة قرأت المغامرين الخمسة والشياطين الـ 13 وبدايات رجل المستحيل، كنت دائمًا أحب الذهاب إلى سور الأزبكية لشراء الكتب التى أرغب فى قراءتها، ولفت انتباهى كتاب عليه صورة رجل خلفه زنزانة، وكان بعنوان: «سنة أولى سجن» لمصطفى أمين، وكان أول كتاب أقرؤه بعيدًا عن كتب الأطفال، وكنت وقتها فى الصف السادس الابتدائى، صحيح أن الكتاب كان يتناول حكايات وقصص قاسية بعض الشىء، لكنه شجعنى على القراءة لمصطفى أمين، الذى حول اهتمامى من كتب الأطفال، لقراءة كتبه وكتب الآخرين بعد ذلك، فقرأت له بعدها شخصيات لا تُنسى، الذى حكى فيه عن شخصيات عامة كان لها تأثير فى المجالات السياسية والفنية، وقرأت مذكراته التى نشرها على جزأين، منذ كان عمره عام، حتى وصلت لـ 20  عاما، وحكى فى الجزء الثانى عن اهتمامه بالصحافة وجمع الأخبار، وإصداره للمجلات المدرسية، كل هذه الحكايات جذبتنى لمجال الصحافة، ودفعتنى لأرتبط بمهنة الكتابة، التى رأيت أنها العنصر الأساسى فى الحياة، وأنها سبب لحل الكثير من الأزمات النفسية، كما أن الكتابة لا تتحسن أو تتطور إلا بالقراءة۔

أتفق معك فى نقطة الكتابة، لأنها بالفعل تُساعد الإنسان فى التعبير عن مشاعره.. ولكن أحيانًا يتعلق الإنسان بفكرة ما لفترة ثم يقل اهتمامه بها مع الوقت.. ما الذى ثبّت فكرة الكتابة داخل طفل، يقف على أعتاب المراهقة؟

فى الحقيقة حدث لى موقفَيْن كانا فارقَيْن فى حياتى، الأول أنى فى عام 1988، كتبت خطابًا للأستاذ مصطفى أمين، أخبرته فيه أنى أحلم بأن أكون صحفيًا وأنها أمنية حياتى، فوجئت بعدها أن مصطفى أمين أرسل لى خطابًا يرد عليَّ فيه، كنت وقتها جالسًا مع أسرتى بعد الظهر، وإذ بساعى البريد يُنادى قائلاً: «مصطفى عبيد محمد»، فكان الأمر غريبًا بالنسبة لى ولأبى بأن يأتى إلى منزله خطاب من مصطفى أمين، بل إن الخطاب موجه لهذا الطفل الصغير الذى يجلس أمامه، حين فتحت الخطاب وجدت به عبارة واحدة، لكنها فادتنى كثيرًا: «نصيحتى لك ألاّ تيأس، فقد نُشِر أول مقال لى بعد أكثر من 100 مقال»، ما زِلت محتفظًا بهذا الخطاب، ولم أُفرِّط به حتى اليوم۔

أما الحدث الثانى الذى كان فى نفس العام، حين فاز الأديب الراحل نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وقتها كنت عضوًا فى جماعة الصحافة المدرسية، فقدمنا طلبًا لزيارته، ثم ذهبنا إليه ورحب بنا وتحدثنا معه، وخلال الحديث، أذكر أنه قال جملة علِقت فى ذهنى حتى الآن: «الكتابة هى أعظم فعل بشرى»، هذه الجملة ربطتنى أكثر بالكتابة، وزرعت فى عقلى أنَّ الصحافة باب للدخول إلى الكتابة.

 

منذ قليل تحدثت عن والدك ودهشته من خطاب مصطفى أمين لك.. كيف كانت علاقتكما وكيف رأى اهتمامك بالصحافة والكتابة وتعلقك بهما؟

كنت وما زِلت أعتز بأبى - رحمه الله - كثيرًا، وكان قريبًا منى، لكنى لم أُنادِه بأبى، كنت دائمًا ما أناديه باسمه، لأنى كنت أعتبره صديقى المقرب، وكنت أستشيره فى كل ما يخصنى منذ كنت مراهقًا، ووالدى كان فخورًا بى وداعمًا لى منذ صغرى، حتى أنه وعدنى بطباعة أول كتاب لى على نفقته الخاصة، ووفى بوعده لى، لأن أول كتاب نشرته كان عمرى 24 عامًا، بعنوان: «ثورة العشاق»، وهو ديوان شعر، وكان على نفقة أبى، وطوال عمره كان فخورًا بى أمام الجميع، وأعتقد أنه كان له الفضل فى تطوير أسلوبى فى الكتابة، وفى ممارسة العمل الصحفى.

 

حين يرغب الإنسان بدراسة مجال يهتم به ويسعى للعمل فيه من الطبيعى أن يلتحق بالكلية التى تناسبه.. هل التحقت بكلية الإعلام؟

لا فى الحقيقة لم ألتحق بكلية الإعلام، بل التحقت بكلية الآثار لأن مجموعى لم يكن كافيًا لدخول الكلية، لكنى أسست جماعة الصحافة فى كلية الآثار، وأصدرنا أكثر من مجلة مطبوعة، وكنت أستغل الفرص للتدرب فى الصحف المصرية، فتدربت فى قسم الحوادث والقسم الخارجى فى صحيفة أخبار اليوم، ومن حسن حظى أنى عاصرت أساتذة أعزاء، كان لهم الفضل فى زيادة خبرتى الصحفية، ثم انتقلت إلى الوفد حين أعلنوا عن فرص للتدريب، حتى أننى حين عملت معهم بعد ذلك كان الجميع يعرفنى.

 

متى قررت خوض تجربة الكتابة الأدبية ولماذا اخترت كتابة الرواية التاريخية؟

أنا أكتب منذ كنت فى الجامعة، وقتها أصدرت جماعة الصحافة فى كلية الآثار بجامعة القاهرة مجلة مطبوعة، وكان من الطبيعى أن تحتوى المجلة على بعض الإبداعات الأدبية بجانب المواضيع المعرفية، وأذكر أن جماعة الصحافة كان بها نخبة من المبدعين المعروفين اليوم، من بينهم سمر نور، التى كانت تكتب القصص القصيرة فى المجلة، واتجاهى لكتابة الرواية التاريخية، كان بسبب قراءتى للأدب اللاتينى والأدب الإنجليزى، فقد قرأت لجابريال جارسيا ماركيز وإيزابيل الليندى، وجذبنى أسلوبها فى كتابة الرواية التاريخية التى تناولت أحداثًا سياسية خطيرة ومهمة، وبحكم دراستى للتاريخ الإسلامى فى كلية الآثار، شعرت بأن أحداث التاريخ الإسلامى تصلح لاستخراج قصص وحكايات مدهشة وممتعة وقابلة للتكرار، أعلم أن الواقع ملىء بالقصص المدهشة التى تفوق الخيال، لذا شعرت بأن هناك ارتباطا وثيقا بين الرواية والتاريخ، وبحكم قراءتى للأدب الإنجليزى، اكتشفت أن مرجع كلمة history مقسمة إلى جزئين (his story)، وهذا يدل على أن التاريخ أساسه القصة، بالطبع كان لى محاولات كثيرة متواضعة، لكنى كنت أتخلص منها بسرعة، لكنى اهتممت باستعادة التاريخ كمَعبَر للتعبير عن قضايا باقية ومستديمة لدى الإنسان، خاصة قضية القهر باعتبارها قضية ممتدة منذ بدء الخليقة.

 

تجربة الترجمة تعتبر من أبرز التجارب التى خُضتَها فى عالم الكتابة.. حدثنا أكثر عنها وما سر اهتمامك بها؟

تجربة الترجمة كانت تجربة إضافية، لكنها تجذبنى إليها كثيرًا حين أعمل على كتاب، أو بحث، أو نص روائى، فخلال عملى أقرأ المصادر المكتوبة بالإنجليزية، فليس علينا أن نكتفى بسماع أصواتنا وقراءة ما نكتبه عن بعض الأحداث التاريخية، بل علينا أن نقرأ شهادة الآخرين عنا، لأنها تحمل الجديد دائمًا، أذكر أنى كنت أكتب رواية ليل المحروسة، وكان من ضمن المصادر التى اعتمدت عليها كتاب لتوماس راسل، الذى يحكى فيه ذكرياته عن الفترة التى قضاها فى مصر، ودُهِشت حين اكتشفت أن الكتاب لم تُترجِمه أى دار نشر، وليس له وجود فى المكتبة العربية، رغم أهمية ما يحويه الكتاب من شهادات ومعلومات، لذا سعيت لترجمته، وكان من أهم الكتب التى ترجمتها، وفوزه بجائزة أفضل كتاب مترجم عام 2021، لفت انتباه الكثيرين لمشروعى الأدبى.

أيهما أكثر إرهاقًا الترجمة أم الرواية التاريخية؟

النص الروائى أكثر إرهاقًا، لأن البحث أو الكتاب المترجم يعتمد على اللغة الجيدة والذائقة العالية، فنحن نستخلص المعلومات، ونطرحها كما طرحها الكاتب الأصلى، أما العمل الروائى فنحن نترجم ونجمع المعلومات ونبحث عن الشهادات المفقودة، بالإضافة إلى بناء عوالم الرواية، خاصة أن هذه العوالم لا يوجد عنها معلومات وافية، ودائمًا ما يكون صناعة العوالم غير الموجودة أصعب بكثير من صياغة ما هو متاح وتقديمه، وأكثر نص روائى أرهقنى كان رواية «ابنة الديكتاتور»، لأنى كنت أحكى الرواية على لسان أنثى، وكانت تجربة صعبة لم أجربها من قبل، وهذا دفعنى لعرضها على أكثر من كاتبة، لأرى هل ما أكتبه كان متسقًا مع إحساس الأنثى أم لا.

حديثنا عن ابنة الديكتاتور يدفعنى لسؤالك: متى يكشف مصطفى عبدالستار عن الاسم الحقيقى لبطلة روايته؟

منذ نشر رواية ابنة الديكتاتور نُظِّم لها أكثر من 17 ندوة، ناهيكِ عن اللقاءات الصحفية، وفى كل ندوة يكون الحاضرون على علم بالشخصية الحقيقية، فببحث بسيط على الإنترنت يمكن للجميع معرفة اسمها الحقيقى، بسبب الإشارات التى ذكرتها فى الرواية، لكنى لم أذكر اسمها فى الرواية ولن أذكره، لأن تلك السيدة ليست على قيد الحياة لتُدافع عن نفسها، خاصة أنها ارتكبت العديد من الأخطاء التى قد يستقبحها القارئ، وأنا لا أسعى فى روايتى للتشهير بهذه السيدة وعائلتها، بل كان هدفى من الرواية إثارة العقل البشرى، ودفع القارئ لتدبر الأحداث والاستمتاع بها۔

 

p
 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة