في غزة، حيث تركت الحرب خلفها منازل مدمرة وذكريات عالقة تحت الركام، لم يعد امتلاك سقف يحمي الأسرة من البرد والحر حلما بعيد المنال فحسب، بل أصبح معركة يومية يبحث فيها الناس عن أي وسيلة تمنحهم شيئا من الأمان، وبين أنقاض منزله المدمر، اختار المواطن هشام حميد ألا يستسلم للفراغ الذي خلفه الدمار، فبدأ يجمع أخشاب صناديق المساعدات ويحولها إلى جدران لمأوى متواضع يأوي إليه وأسرته.
بعد إزالة ركام منزله الذي دمرته الحرب، وجد هشام نفسه أمام واقع قاس، بيت لم يعد قائما، وجدران اختفت تحت الأنقاض، وحياة اضطرت إلى البدء من جديد وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، لم تكن أمامه خيارات كثيرة، ولم يكن بناء منزل جديد أمرا متاحا في ظل حجم الدمار ونقص الإمكانات، فبحث عما يمكن أن يساعده على تأمين مأوى لعائلته، ولو بالحد الأدنى من مقومات الحياة.

منزل من المساعدات الإنسانية في غزة
صناديق المساعدات
كانت صناديق المساعدات، التي تصل إلى القطاع محمّلة بما يحتاج إليه النازحون من مواد إغاثية، مصدرا لما تبقى لديه من أمل، جمع هشام أخشابها، واستعان بما استطاع العثور عليه من مواد، وبدأ يصنع منها بيتا بسيطا، يحاول أن يقيم له جدرانا تحمي أسرته من قسوة الظروف المحيطة.
لم تكن تلك الأخشاب معدة لبناء المنازل، ولم تكن كافية لتوفير سكن يضاهي البيت الذي فقده، لكنها تحولت بين يديه إلى محاولة لاستعادة شيء من الاستقرار، وإلى وسيلة لمواجهة التشرد وانتظار ما قد تحمله الأيام المقبلة.

هشام حميد يعد منزله
المساعدات تتحول إلى جدران
لا تبدو حكاية هشام مجرد قصة رجل يستخدم الخشب لبناء مأوى، بل صورة مكثفة لمعاناة آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم، واضطروا إلى ابتكار حلول مؤقتة للبقاء على قيد الحياة، ففي ظل الدمار الواسع، لم يعد كثيرون يبحثون عن منزل مكتمل، بل عن مساحة صغيرة تحميهم من العراء، وتمنحهم شعورا بأن لهم مكانا يعودون إليه في نهاية اليوم.
وبينما ترتبط صناديق المساعدات عادة بما تحمله من غذاء واحتياجات أساسية، وجد هشام في أخشابها استخداما آخر، فقد أصبحت مادة أولية لجدران منزله الجديد، الذي يحاول أن يصنعه بيديه بعدما فقد بيته تحت القصف.
مفارقة موجعة، أن تتحول بقايا صناديق الإغاثة إلى أجزاء من منزل، ويصبح الخشب الذي كان يوما غلافا للمساعدات أساسا لمأوى يبحث أصحابه عن الأمان داخله، لكنها، في الوقت نفسه، تكشف عن قدرة الإنسان على التمسك بالحياة، حتى حين لا يملك سوى القليل.

منزل هشام حميد
بيت صغير في مواجهة واقع كبير
لا تستطيع الجدران الخشبية أن تعوض هشام عن منزله المدمر، ولا أن تمحو ذكرياته التي بقيت تحت الركام، كما لا يمكن لمأوى متواضع أن ينهي معاناة السكن التي يعيشها المتضررون من الحرب، لكنه يمنحه فرصة لمواجهة يومه، ومحاولة حماية أسرته من بعض قسوة الواقع.
وراء كل قطعة خشب يثبتها هشام، حكاية منزل كان قائما، وتفاصيل حياة كانت تسير بصورة طبيعية قبل أن يغير الدمار كل شيء، وبين ما فقده وما يحاول بناءه، تتجسد رحلة إنسان لا يملك رفاهية الانتظار حتى تتوافر الظروف المثالية، لأنه يحتاج إلى مأوى الآن، وإلى مساحة تستعيد فيها أسرته بعضا من خصوصيتها وطمأنينتها.
وتظل الحاجة إلى مساكن آمنة ومواد بناء ومساعدات إنسانية مستدامة أكبر من قدرة الحلول الفردية على تلبيتها، فما يصنعه هشام بجهده وإمكاناته المحدودة يعكس إصرارا على البقاء، لكنه يكشف أيضا عن حجم الاحتياج إلى إعادة الإعمار وتوفير ظروف سكن تحفظ كرامة المتضررين.
في غزة، قد تُهدم المنازل في لحظات، لكن أصحابها يواصلون البحث عن وسيلة للبدء من جديد، وهكذا، يصنع هشام حميد من أخشاب صناديق المساعدات مأوى بعد أن أزال ركام بيته المدمر، محاولا أن يمنح عائلته ما يستطيع من الحماية والاستقرار، إنه بيت من خشب، لكنه يحمل معنى أكبر من جدرانه، إصرار إنسان على ألا يترك الدمار كلمته الأخيرة، وأمل أسرة تحاول أن تجد لنفسها مكانا آمنا وسط مدينة ما زالت تبحث عن طريقها إلى الحياة.