الوثيقة الثانية | الصحف تحوّل البحث إلى قضية..

بسبب الشعر الجاهلى.. كيف حاصرت الصحف طه حسين عام 1926؟

السبت، 31 أكتوبر 2026 04:00 م
 بسبب الشعر الجاهلى.. كيف حاصرت الصحف طه حسين عام 1926؟ طه حسين وبعض زملائه

أحمد إبراهيم الشريف

في 13 مايو عام 1926، نشرت جريدة "الأهرام" رسالة بعث بها الدكتور طه حسين إلى أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة المصرية، يدافع فيها عن نفسه أمام الاتهامات التي أثارها كتابه "في الشعر الجاهلي"، وبعد يوم واحد، نشرت الصحيفة ردًا يتهمه بمحاولة إنقاذ منصبه الجامعي، ثم تواصلت المقالات المطالبة بتراجعه عن أفكاره، وتكشف العودة إلى التغطيات الصحفية التي حفظتها "الأهرام" والمراجع التاريخية أن الأزمة شهدت تحولًا مهمًا، فقد بدأ الجدل حول صحة الشعر العربي القديم، ثم امتد إلى عقيدة المؤلف، وانتهى إلى المطالبة بمحاسبته وإبعاده عن الجامعة.
وتقدم جريدة "الأهرام" وثيقة مهمة لفهم تطور المعركة، وبينها رسالة طه حسين، ومقالات عبد الباقي سرور نعيم، وعبد ربه مفتاح، وعبد المتعال الصعيدي، وإلى جانبها، يوثق أنور الجندي في كتابه "المعارك الأدبية في مصر منذ 1914 إلى 1939" مواقف صحيفتي "السياسة" و"كوكب الشرق"، وانتقال الأزمة إلى مجلس النواب.
يشير أنور الجندي إلى أن صحيفة "كوكب الشرق"، المرتبطة بحزب الوفد، كانت من أبرز الصحف التي نشرت الاعتراضات على طه حسين، بينما ارتبطت "السياسة" بحزب الأحرار الدستوريين، الذي كان المؤلف قريبًا من بعض رموزه.

12 مايو.. اتهام طه حسين بنقل أفكار المستشرقين

تكشف "الأهرام" أن عبد المتعال الصعيدي نشر يوم 12 مايو مقالًا بعنوان "في الشعر الجاهلي.. سرقات مؤلفه"، اتهم فيه طه حسين بالاعتماد على أفكار المستشرق الإنجليزي ديفيد صموئيل مرجليوث.
وتكشف هذه الواقعة عن مسار مختلف داخل المعركة، إذ انتقل النقد من الاعتراض على النتائج إلى التشكيك في أصالتها ومصادرها، وربط الصعيدي بين أفكار المؤلف وموقف المستشرقين من التراث العربي.
غير أن الاتهام بالاقتباس لا يثبت بمجرد التشابه بين النتائج، وإنما يحتاج إلى مقابلة النصوص وتحديد مواضع الاتفاق والاختلاف.

13 مايو.. طه حسين يدافع عن نفسه أمام الجامعة

في اليوم التالي، نشرت "الأهرام" رسالة طه حسين إلى أحمد لطفي السيد، ردًا على اتهامه بإهانة الدين وتعليم الإلحاد لطلابه.
وأكد المؤلف أنه لم يقصد الإساءة إلى الدين، وأنه مسلم يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر، مشيرًا إلى مشاركته السابقة في جهود تقوية التعليم الديني بوزارة المعارف، كما نفي أن تكون محاضراته الجامعية قد تضمنت تعرضًا للأديان.
وتكتسب الرسالة أهميتها من أنها تكشف انتقال الأزمة إلى علاقة الأستاذ بمؤسسته الجامعية، فقد أصبح طه حسين يواجه اتهامات تتعلق بأهليته للتدريس، إلى جانب الاعتراضات على آرائه العلمية.

14 و18 مايو.. من تفنيد الأفكار إلى المطالبة بالتراجع

في 14 مايو، نشرت "الأهرام" ردًا لعبد الباقي سرور نعيم بعنوان "إلى طه حسين"، تناول فيه أفكار المؤلف المتعلقة بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وشكك في دوافع رسالته إلى الجامعة.
ثم نشرت الصحيفة يوم 18 مايو مقالًا لعبد ربه مفتاح بعنوان "الآن وقد عصيت من قبل"، طالب فيه طه حسين بإعلان تراجعه عن الأفكار التي اعتبرها مخالفة للدين، وبإبلاغ طلابه بذلك.
ويكشف تعاقب المقالين عن تطور ملموس في طبيعة المطالب، إذ تجاوز بعض المعارضين مناقشة الكتاب إلى اشتراط تراجع صاحبه العلني، وربطوا موقفه بمستقبله الوظيفي.

29 مايو.. الجامعة تدخل دائرة الاتهام

نشرت "الأهرام" مقالًا بتوقيع "وحيد" يوم 29 مايو، بعنوان "وعجيبة أخرى"، انتقد فيه تعامل الجامعة مع طلب الشيخ محمد الخضري إلقاء محاضرتين للرد على الكتاب.
وكانت الصحيفة قد وثقت مراسلات بشأن المحاضرتين، وترحيب الجامعة المبدئي بهما، وطلبها ملخصًا قبل عرض الأمر على مجلس أساتذة كلية الآداب.
وتكشف هذه المراسلات أن الجدل امتد إلى حق المعارضين في استخدام المنابر الجامعية، وإلى الإجراءات التي اتبعتها الجامعة في التعامل مع الخلاف الفكري.

سبتمبر.. المطالبة بمصادرة الكتاب ومحاسبة مؤلفه

بلغ التصعيد مرحلة سياسية واضحة في سبتمبر 1926، إذ نقل أنور الجندي عن "الأهرام"، بتاريخ 12 سبتمبر، تحركات نيابية للاعتراض على استمرار طه حسين في منصبه، واتجاه الشيخ مصطفي الغاياتي إلى مساءلة رئيس الوزراء.
كما أورد اقتراحًا للنائب عبد الحميد البنان يتضمن إعدام نسخ الكتاب وإحالة المؤلف إلى النيابة.
وهنا تظهر النتيجة الأساسية التي يكشفها التسلسل الصحفي: لم تعد القضية تتعلق بالرد على فرضية أدبية، لكنها أصبحت تتصل بمصير الكتاب وصاحبه داخل مؤسسات الدولة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة