تواجه ألمانيا قرارا استراتيجيا بشأن تطوير مقاتلتها المستقبلية، بين الانضمام إلى برنامج تقوده بريطانيا بالتعاون مع إيطاليا واليابان، أو إطلاق مشروع جديد بالشراكة مع السويد وإسبانيا، في خطوة ستؤثر على قدراتها العسكرية وصناعتها الدفاعية وعلاقاتها الأوروبية لعقود مقبلة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «بوليتيكو» الأوروبية ، يأتي هذا التوجه بعد تعثر مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة مع فرنسا وإسبانيا، ما دفع برلين إلى إعادة تقييم خياراتها لتطوير التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مع السعي إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
ألمانيا تفاضل بين بريطانيا والسويد لتطوير المقاتلة الجديدة
تدرس برلين مسارين رئيسيين لتطوير مقاتلتها المستقبلية؛ الأول الانضمام إلى برنامج الطائرات القتالية العالمية (GCAP)، الذي تشارك فيه بريطانيا وإيطاليا واليابان، والثاني تطوير مقاتلة جديدة بالتعاون مع السويد وإسبانيا.
وبحسب التقرير، تميل التقييمات داخل وزارة الدفاع الألمانية إلى الخيار السويدي، استنادا إلى المتطلبات العسكرية وفرص مشاركة الصناعة الألمانية في تطوير التكنولوجيا والإنتاج.
و يرى مسؤولون في المستشارية الألمانية مزايا استراتيجية في التعاون مع بريطانيا، خاصة في ظل تقارب العلاقات الدفاعية بين البلدين ورغبتهما في تعزيز الأمن الأوروبي.
ويكشف التباين بين التوجهين عن معضلة تواجه برلين: كيفية تحقيق مصالحها العسكرية والصناعية، من دون التفريط في الشراكات السياسية التي تعتبرها ضرورية لأمن أوروبا.
تعثر مشروع المقاتلة الفرنسية الألمانية يدفع برلين لإعادة الحسابات
جاءت إعادة تقييم الخيارات الألمانية بعد تعثر مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS)، الذي كان يجمع ألمانيا وفرنسا وإسبانيا لتطوير مقاتلة من الجيل الجديد تحل محل طائرات يوروفايتر الألمانية المتقادمة.
وفي يونيو 2026، تخلى المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن خطط تطوير المقاتلة بصورة مشتركة، بعد سنوات من الخلافات الصناعية، خصوصا بين شركتي إيرباص ديفنس الألمانية وداسو الفرنسية.
وأظهر تعثر المشروع صعوبة التوفيق بين طموح تطوير سلاح أوروبي مشترك ورغبة كل دولة في حماية مصالح صناعتها الدفاعية والحفاظ على دورها في التحكم بالتكنولوجيا والإنتاج.
وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، خلال مناقشة برلمانية في سبتمبر، إن الدول الأوروبية تسعى في الوقت نفسه إلى دعم صناعاتها الوطنية وتطوير مشروعات تسليح مشتركة، لكن التوفيق بين الهدفين ليس أمرا سهلا.
بريطانيا تعرض على ألمانيا الانضمام إلى برنامج المقاتلة العالمية
يمثل البرنامج البريطاني الإيطالي الياباني أحد الخيارات المطروحة أمام برلين، إذ تعمل الدول الثلاث على تطوير مقاتلة متقدمة ضمن برنامج الطائرات القتالية العالمية (GCAP).
وخلال زيارة إلى برلين في أكتوبر، عرض رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام على ألمانيا فرصة الانضمام إلى البرنامج، بما قد يتيح تقاسم تكاليف تطوير المقاتلة والاستفادة من مشروع قائم بالفعل، بدلا من البدء من الصفر.
لكن مسؤولين في وزارة الدفاع الألمانية يخشون أن يؤدي الانضمام إلى البرنامج إلى تقليص دور الصناعة المحلية في التحكم بالتقنيات الأساسية والإنتاج، نظرا إلى توزيع المسؤوليات بين الشركاء الحاليين.
في المقابل، قد يمنح التعاون مع السويد وإسبانيا ألمانيا مساحة أكبر للمشاركة في تحديد متطلبات المقاتلة وتطوير صناعتها الدفاعية، وهو ما يفسر تفضيل هذا المسار في التقييمات العسكرية الألمانية، وفقا للتقرير.
تقارب برلين ولندن يضع الحسابات السياسية في مواجهة الأولويات العسكرية
لا يتعلق الاختيار الألماني بالمواصفات العسكرية وحدها، بل يمتد إلى مستقبل العلاقات الدفاعية الأوروبية. فقد عززت ألمانيا وبريطانيا تعاونهما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك من خلال معاهدة صداقة تركز على الأمن والدفاع، والتعاون في تطوير الصواريخ بعيدة المدى.
ويرى مسؤولون في برلين أن توثيق الشراكة مع لندن يمكن أن يعزز ارتباط بريطانيا بأمن القارة الأوروبية، في وقت تتجه فيه الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها.
وبحسب مصادر تحدثت إلى «بوليتيكو»، تحظى هذه الاعتبارات الجيوسياسية باهتمام داخل المستشارية الألمانية، في حين تركز وزارة الدفاع بدرجة أكبر على المتطلبات العسكرية ومصالح الصناعة الوطنية.
وبذلك، تواجه ألمانيا مفاضلة بين شراكة قد تعزز نفوذها السياسي داخل أوروبا، وأخرى قد تمنح صناعتها الدفاعية دورا أوسع في تطوير التكنولوجيا العسكرية المستقبلية.
تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية هدف استراتيجي لألمانيا
تأتي هذه التحركات في إطار مساع ألمانية أوسع لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، في ظل تزايد المخاوف الأوروبية بشأن مدى استقرار الالتزام الأمريكي بأمن القارة.
وزادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن حلف شمال الأطلسي، وانتقاداته للحلفاء الأوروبيين، من الضغوط على العواصم الأوروبية لتطوير قدراتها الدفاعية بصورة مستقلة.
كما كشفت الصعوبات المتعلقة بإمدادات الأسلحة الأمريكية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب التحديات التي واجهتها أوكرانيا في مجال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، عن المخاطر التي قد تواجه الدول المعتمدة على تقنيات تسيطر عليها جهات خارجية.
ولا تقتصر خطط ألمانيا على المقاتلات، إذ تعمل أيضا على تطوير شبكة اتصالات فضائية عسكرية خاصة بها، قد تصل تكلفتها إلى 10 مليارات يورو، إلى جانب التعاون مع بريطانيا في تطوير صواريخ أوروبية بعيدة المدى يتجاوز مداها 2000 كيلومتر.
وتسعى برلين كذلك إلى بلوغ هدف الإنفاق الدفاعي الأساسي لحلف الناتو، البالغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.
لكن زيادة الإنفاق وحدها لا تضمن الاستقلال العسكري، إذ تظل ألمانيا بحاجة إلى شركاء قادرين على توفير التكنولوجيا المتقدمة، مع ضمان دور مؤثر لها في تطويرها والتحكم فيها.