علا رضوان

آخر رقصة في كيبور.. حين يعبر أكتوبر إلى المستقبل

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 04:19 م


بعض الحكايات لا يثقلها الزمن، بل يمنحها كل عام معنى جديدا. وحكاية أكتوبر واحدة من تلك الحكايات التي لا تعيش في كتب التاريخ وحدها، وإنما تبقى حاضرة في الوجدان، تنتظر من يعيد الاقتراب منها بعين مختلفة، ويمنحها لغة تصل إلى أجيال لم تعش لحظة العبور، لكنها ما زالت قادرة على الشعور بعظمتها.

من هنا تأتي خصوصية فيلم «آخر رقصة في كيبور» للمخرج كريم عبد الوهاب؛ فهو لا يستعيد حرب أكتوبر كما اعتدنا أن نراها، ولا يكتفي بتكرار الصور والشهادات المحفوظة، بل يحاول أن يفتح نافذة حديثة على تلك الأيام الفارقة، مستخدما تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل إعادة بناء الزمن، واستحضار ملامحه، والاقتراب من التفاصيل الإنسانية والعسكرية التي سبقت لحظة النصر.

على مدار 33 دقيقة، يعود الفيلم إلى الفترة الممتدة من 3 إلى 6 أكتوبر 1973، متنقلا بين غرف القيادة ومراكز صنع القرار والجبهة المصرية والجانب الإسرائيلي. لا يبدأ من صوت المدافع وحده، بل من الصمت الذي سبقها، ومن القلق الذي سكن الوجوه، ومن الخطط التي جرى إعدادها بعناية بعيدا عن العيون. إنه ينظر إلى الحرب بوصفها لحظة إنسانية شديدة التعقيد، اجتمع فيها الذكاء والصبر والشجاعة، قبل أن يتحول الحلم الذي ظنه البعض مستحيلا إلى حقيقة غيرت التاريخ.

يتوقف الفيلم أمام الخداع الاستراتيجي، ودور أجهزة الاستخبارات، واستعدادات القوات المسلحة المصرية، ثم يقترب من أدوار الأسلحة المختلفة، من القوات الجوية والبحرية إلى المهندسين والمشاة والضفادع البشرية. غير أن ما يمنح هذه التفاصيل دفئا خاصا هو طريقة تقديمها داخل بناء يجمع بين الدراما والتوثيق، فلا تبدو المعلومات منفصلة عن المشاعر، ولا تتحول الشخصيات إلى مجرد أسماء محفوظة، بل تستعيد شيئا من حضورها الإنساني.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يحيط بالتجربة منذ اللحظة الأولى، فإن الفيلم لا يبدو منشغلا باستعراض التقنية بقدر انشغاله بما تستطيع التقنية أن تفعله من أجل الحكاية. فقد اعتمد كريم عبد الوهاب على مزيج من التصوير الحقيقي وأداء الممثلين والمؤثرات البصرية والمشاهد المولدة رقميا، في صيغة يصفها بالتكنولوجيا الهجينة. صور حقيقية يجري تحويلها وإعادة تشكيلها، ووجوه تستعير حركتها وانفعالاتها من أداء بشري، وعوالم كاملة تولد على الشاشة، لكنها تظل خاضعة لعين الفنان وخياله.

وهنا تظهر خلفية كريم عبد الوهاب الموسيقية بوضوح. فقبل أن يخوض تجربته الإخراجية، عرفه الجمهور ملحنا ومؤلفا وموزعا موسيقيا تعاون مع عدد كبير من نجوم الغناء العربي، وقدم موسيقى تصويرية لعدد من الأعمال الدرامية. وربما لهذا يبدو الفيلم مبنيا على إيقاع داخلي دقيق؛ تتصاعد مشاهده كما تتصاعد جملة موسيقية، ويتحرك بين الهدوء والتوتر، وبين الصمت والانفجار، من دون أن يفقد وحدته. كأن المخرج لم يكتف بصناعة الصور، بل قام بتوزيعها داخل الفيلم كما يوزع الموسيقي الآلات والأصوات، بحيث يكون لكل مشهد موقعه ونبرته وأثره.

كتب كريم عبد الوهاب الفيلم وأنتجه وأخرجه، وأنجزه خلال 40 يوما، في تجربة تبدو أكبر كثيرا من زمن تنفيذها وإمكاناتها. والأهم أنه لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلا عن الفنان، بل بوصفه أداة تمنح المبدع مساحة أرحب لتحقيق ما كان يصعب الوصول إليه من قبل. فالآلة، مهما بلغت قدرتها، لا تعرف لماذا نحكي، ولا تشعر بثقل اللحظة أو معنى الذاكرة. الإنسان وحده هو من يختار الحكاية، ويمنحها روحها، ويقرر أي صورة تستحق أن تبقى.

ولعل النجاح الكبير الذي حققه الفيلم، وتجاوزه حاجز 1.5 مليون مشاهدة خلال 6 أيام، يكشف أن الجمهور لم ينجذب إلى حداثة التقنية وحدها، بل إلى التاريخ حين قدم إليه بصورة قريبة من عالمه. كما أن انتقال الفيلم إلى منصة WATCH IT يؤكد أن التجربة لم تعد مجرد مغامرة فردية عابرة، وإنما أصبحت خطوة تستحق التأمل فيما يمكن أن تفتحه التكنولوجيا أمام السينما المصرية.

قد تحمل التجربة بعض ملامح البدايات، وقد تكشف بعض الصور أحيانا عن حدود التقنية، لكن جمالها الحقيقي يكمن في شجاعتها. إنها لا تدعي الوصول إلى الكمال، بل تطرح سؤالا مهما: كيف نستطيع أن نحمي ذاكرتنا من البهتان، وأن نقدمها إلى الأجيال الجديدة بلغة تشبه عصرها من دون أن نفقد روحها؟

في «آخر رقصة في كيبور» لا يعود أكتوبر مجرد تاريخ نحتفل به، بل يصبح زمنا نراه يتحرك أمامنا من جديد. وبين ذاكرة الأمس وأدوات الغد، يصنع كريم عبد الوهاب جسرا رقيقا تعبر عليه الحكاية المصرية الكبرى، محتفظة بجلالها، ومفتوحة في الوقت نفسه على مستقبل لم نر بعد كل ما يحمله من احتمالات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة