هناك أوجاع لا تتسع لها الكلمات، وحكايات تختصر في تفاصيلها الصغيرة مأساة وطن كامل، وأسماء تحمل خلفها سنوات من العمر والذكريات، قبل أن تدفعها الحرب إلى مواجهة واقع لم تعرفه من قبل، هكذا تبدو حكاية الحاج أحمد المصري، ابن بيت لاهيا شمال غزة، الذي وجد نفسه بعيدا عن أرضه وأهله وعزوته، نازحا في خيمة على رمال دير البلح، يواجه قسوة الحياة بجسد أنهكه الألم، وقلب أثقلته الخسارات.
لم يكن الحاج أحمد يتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه الخيمة مأواه، ويتحول ما تبقى من حياته إلى رحلة يومية للبحث عن الراحة والدواء والطعام، بعدما اضطر إلى ترك المكان الذي يحمل ذاكرته وتفاصيل عمره، فبين رمال النزوح، تتبدل ملامح الأيام، وتصبح أبسط الاحتياجات معركة جديدة يخوضها من أنهكتهم الحرب، خاصة كبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية لا توفرها الخيام الهشة.
الحاج أحمد المصري
سياخ البلاتين.. حكاية ألم لا تنتهي
في قدم الحاج أحمد، تستقر سياخ البلاتين، شاهدة على معاناة جسدية لا تنفصل عن الظروف القاسية التي يعيشها، فالقدم التي تحمل الحديد تحتاج إلى رعاية واهتمام، بينما يفرض النزوح واقعا بالغ الصعوبة، تتراجع فيه فرص الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية، ويصبح الوصول إلى العلاج تحديا إضافيا لمن أنهكه المرض.
ولا يقف الألم عند حدود الجسد، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فالرجل الذي يحتاج إلى بيئة ملائمة تساعده على الحركة والراحة، يجد نفسه في خيمة لا توفر الحماية الكافية من حرارة الصيف أو برد الشتاء، ولا تمنحه الاستقرار الذي يحتاج إليه لتخفيف معاناته.
وبين غياب الراحة وصعوبة تأمين احتياجاته الأساسية، تتضاعف أعباء النزوح، ويصبح السؤال عن الدواء والطعام الصحي جزءا من معركة البقاء اليومية، في واقع لا يرحم ضعف الجسد ولا يترك مساحة كافية لالتقاط الأنفاس.
إصابة الحاج أحمد
من دفء الأهل إلى قسوة الخيام
ليست الخيمة بالنسبة إلى الحاج أحمد مجرد مكان للنوم، بل عنوان لمرحلة قاسية انتزع خلالها من بيئته وأرضه ومحيطه الاجتماعي، فالنزوح لا يعني فقدان المسكن وحده، وإنما يعني أيضا الابتعاد عن الجيران والأقارب والأماكن التي اعتادها الإنسان، وشبكة العلاقات التي كانت تمنحه الشعور بالأمان والانتماء.
في بيت لاهيا، كانت للأرض حكاياتها، وللبيت مكانته، ولوجود الأهل والعزوة معنى يتجاوز الجدران، أما في دير البلح، فقد أصبح عليه أن يتكيف مع واقع جديد، تحاصره فيه احتياجات الجسد وأسئلة المستقبل، فيما تظل ذاكرته معلقة بالمكان الذي اضطر إلى مغادرته.
وتزداد قسوة المشهد حين يجتمع المرض مع النزوح، فالمريض لا يحتاج إلى سقف يحميه فحسب، بل إلى دواء متاح، وغذاء مناسب، وبيئة آمنة، ورعاية تساعده على مواجهة آلامه، وعندما تغيب هذه المقومات، تتحول الحياة اليومية إلى عبء يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال.
حين يصبح البقاء معركة يومية
في حياة الحاج أحمد، تتداخل أوجاع الجسد مع مرارة الابتعاد عن الأرض، ويصبح الصبر ضرورة لا خيارا، فيما تفرض الظروف المعيشية القاسية أسئلة موجعة عن حقوق كبار السن والمرضى في الرعاية والحياة الكريمة خلال الحرب.
الرجل الذي أفنى سنوات عمره في الحياة والعمل، يجد نفسه اليوم في حاجة إلى من يخفف عنه ألما لا يملك وحده وسائل مواجهته، لا يريد رفاهية استثنائية، بل احتياجات أساسية تحفظ كرامته، دواء يخفف وجعه، وطعام صحي يقوي جسده، ومأوى يحميه من تقلبات الطقس، ورعاية تراعي ظروفه الصحية.
وهنا تتجاوز حكايته حدود تجربة فردية، لتكشف جانبا من المعاناة الإنسانية التي يعيشها النازحون المرضى وكبار السن في غزة، حيث لا تتوقف آثار الحرب عند تدمير المنازل وتهجير السكان، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة التي يحتاج إليها الإنسان كي يحافظ على صحته وكرامته.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاما في حكاية الحاج أحمد المصري: كيف يجد رجل أثقل المرض جسده نفسه مضطرا إلى مواجهة قسوة النزوح، بينما يحتاج إلى الرعاية والراحة أكثر من أي وقت مضى؟ إنها حكاية رجل لا تختصر معاناته في سياخ البلاتين بقدمه، ولا في خيمة على رمال دير البلح، بل في المسافة المؤلمة بين حياة كان يعرف فيها معنى البيت والأهل، وواقع بات فيه البحث عن الدواء والغذاء والمأوى جزءا من معركة البقاء.
وبينما يواصل الحاج أحمد صبره في خيمته، تظل حكايته نداء إنساني يذكر بأن النازحين ليسوا أرقاما في سجلات الحرب، ووراء كل خيمة إنسانا له عمر وذاكرة واحتياجات، والمرضى وكبار السن يحتاجون إلى عناية لا يجوز أن تتراجع أمام قسوة الظروف.
الحرب قد تنتزع البيت، وتبعد الإنسان عن أرضه، وتثقل جسده بالألم، لكنها لا ينبغي أن تنتزع حقه في العلاج والكرامة، ويبقى أمل الحاج أحمد، كما أمل كثيرين من أبناء غزة، أن يجد يوما مكانا آمنا يريحه من قسوة الخيام، ودواء يخفف ألمه، وطريقا يعيده إلى حياة لا يكون فيها الصبر وحده وسيلته لمواجهة الأيام.