في وقت تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية وتتصاعد الضغوط على اقتصادات المنطقة والعالم، يواصل بنك الاستثمار الأوروبي تعزيز شراكته طويلة الأمد مع مصر، من خلال ضخ استثمارات جديدة تعزز دور القطاع الخاص، وتوسع نطاق مشروعات الطاقة المتجددة، وتطور البنية التحتية وقطاعات المياه والصحة، بما يسهم في دفع النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل مستدامة.
و جاءت زيارة جلسومينا فليوتي، نائبة رئيس بنك الاستثمار الأوروبي، إلى القاهرة خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر، لترسيخ هذه الشراكة الممتدة، والمشاركة في سلسلة من الاجتماعات والفعاليات رفيعة المستوى، إلى جانب تفقد المشروعات التي يدعمها البنك، والإعلان عن مبادرات جديدة في مجالات الطاقة النظيفة، ونمو القطاع الخاص، والتمويل المستدام، وتوسيع فرص الحصول على التمويل.
استثمارات ممتدة ورسالة ثقة استثمارية
وأكدت فليوتي، خلال حوارها مع «اليوم السابع»، أن البنك استثمر 16 مليار يورو في مصر منذ عام 1979 عبر 160 مشروعاً تنموياً، وأوضحت أن استمرار دعم المؤسسات المالية الإنمائية والدولية للدول التي تتبنى سياسات اقتصادية سليمة يكتسب أهمية خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على العالم بأسره، مشيرة إلى أن هذا الدعم يمثل ضرورة للحفاظ على فرص النمو وتعزيز قدرة الاقتصادات على مواجهة الأزمات.
وأشارت نائبة رئيس البنك إلى أن التزام البنك يأتي في إطار دعم الاتحاد الأوروبي لاقتصاد مصري أكثر تنافسية وشمولاً وقدرة على الصمود، عبر مبادرة «البوابة العالمية» وبرنامج عمل الاتحاد الأوروبي الجديد لمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
37.5 مليون دولار لدعم رؤوس الأموال والشركات المصرية
وحول دعم القطاع الخاص، كشفت فليوتي عن توقيع البنك التزاماً استثمارياً بقيمة 37.5 مليون دولار في صندوق «تنمية كابيتال فينتشرز 2»، الذي نجح في تحقيق الإغلاق النهائي عند 130 مليون دولار، متجاوزاً مستهدفه البالغ 120 مليون دولار.
وأشارت إلى أن هذا الصندوق يمثل التجربة الثانية للشركاء أنفسهم بعد النتائج الإيجابية التي حققها الصندوق الأول، وهو ما شجع البنك وشركاء آخرين على المشاركة، ويحظى الصندوق بدعم مستثمرين دوليين ومحليين بارزين، من بينهم مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، وصندوق المشروعات المصري الأمريكي، وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.
وشددت فليوتي على أن تعدد المستثمرين يعكس الاهتمام القوي من القطاع الخاص بالاستثمار في الاقتصاد المصري، ويبعث برسالة إيجابية حول فرص نمو الشركات المحلية وقدرتها على التوسع، موضحة أن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يكفيها الاعتماد على القروض المصرفية قصيرة الأجل فحسب، بل تحتاج إلى رأس مال استثماري طويل الأجل وحصص ملكية (أسهم) تؤمن بإمكانياتها وتدعم خططها التوسعية وخلق آلاف الوظائف، وهو ما أثبتت تجارب أوروبا وأسواق العالم نجاحه كأداة فعالة لرفع القدرة التنافسية وبناء قطاع خاص قوي ونادٍ بالحيوية.
نقل الخبرات الإدارية والتكنولوجية من أوروبا الى مصر
وأوضحت فليوتي أن استثمارات الصندوق لا تهدف إلى نقل التكنولوجيا لمجرد شراء المعدات، بل تركز بالأساس على بناء القدرات المؤسسية وتطوير الشركات، فالاستثمار طويل الأجل يتيح للمؤسسات تحسين مهارات العاملين، وتطوير الكفاءة الإدارية والتشغيلية، مما يعزز قدرتها على المنافسة، وأضافت أن شراء المعدات قد يكون جزءاً من عملية التطوير لكنه ليس الهدف المحوري، مشيرة إلى أن الشركات المستفيدة ستتمكن من تعزيز الروابط التجارية بين مصر وأوروبا، سواء بالحصول على التقنيات والخدمات من موردين أوروبيين أو عبر بناء شراكات استراتيجية متكاملة.
الطاقة الخضراء وتحديث الشبكات القومية
وربطت فليوتي بين التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحاجة الملحة لتعزيز أمن الطاقة، مؤكدة أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يساعد الدول على تحقيق استقلاليتها، وكشفت عن توقيع البنك في أوائل الصيف اتفاقاً بقيمة 600 مليون يورو لتحديث شبكة الكهرباء، معلنة أن زيارتها للقاهرة تشهد الإعلان عن دعم جديد لمشروع ضخم في الطاقة المتجددة يجمع بين الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء باستخدام البطاريات.
وأكدت أن المشروع سيوفر طاقة أنظف وأكثر موثوقية للشركات المصرية، ويدعم خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي، مشددة على أن الطاقة الخضراء ستكون، في تقديرها، من أكثر القطاعات الواعدة في مصر خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب أهمية تقديم الحوافز المناسبة لتخضير الصناعة والحد من التلوث.
محفظة المياه وتطوير القطاع الصحي
وفيما يتعلق بالبنية التحتية والموارد المائية، أوضحت نائبة رئيس البنك أن محفظة البنك في قطاع المياه تبلغ 1.2 مليار يورو، تركز على إدارة مياه الصرف الصحي، والري، وخطوط الأنابيب، والبنية التحتية المائية المباشرة، لافتة إلى مشاركة البنك في مؤتمر أسبوع القاهرة للمياه وتقديره للجهود الحكومية المبذولة لتحسين إدارة الموارد المائية في دولة تعتمد على نهر النيل.
وفي القطاع الصحي، كشفت فليوتي عن توقيع اتفاقية مساعدة فنية بقيمة 750 ألف يورو مع «فاكسيرا»، لتطوير خطة أعمالها وتوسيع نطاق أنشطتها الإنتاجية، مشيرة إلى زيارتها لمصانع الشركة والاطلاع على سير العمل، مما عزز قناعتها بوجود إمكانات واعدة ومجالات نمو كبيرة أمام مصر في تصنيع اللقاحات والأدوية.
تمكين المرأة والمبادرات المالية المستدامة
وحول تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، أوضحت فليوتي أن البنك يستهدف أن تلبي 30% على الأقل من الشركات المشمولة في محفظة الصندوق معياري تمويل يراعي التوازن بين الجنسين، وأكدت أن حضور البنك في لجنة الاستثمار الخاصة بالصندوق يتيح له متابعة تحقيق هذه الأهداف وتحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع بدلاً من البقاء كشعارات.
وعن القطاع الأسرع نمواً خلال السنوات الخمس المقبلة، توقعت فليوتي أن تكون الطاقة، وتحديداً الطاقة الخضراء، مشيرة إلى وجود دعم كبير أيضاً لتخضير الصناعة، لأهمية توفير الحوافز المناسبة للأنشطة التي تقلل التلوث.
واختتمت جلوسمينا على أن البنك يواصل حواره مع الحكومة والقطاع الخاص، وأنه قوي في مجالات الطاقة والنقل والمياه ودعم الاقتصاد الخاص، ومتواجد في معظم قطاعات الاقتصاد المصري تقريباً، ومستعد للمشاركة متى دعت الحاجة، كما أن المبادرات المرتقبة لا تقتصر على تمويل الشركات، بل تتسع لتشمل التمويل الأخضر، والاقتصاد الدائري، ومساعدة القطاع المالي على إدارة مخاطر المناخ، وتقديم خدمات مالية شاملة للشباب والنساء والمناطق الريفية، بما يضمن ترجمة الشراكة المصرية الأوروبية إلى نتائج إيجابية يلمسها المواطن والمؤسسات على حد سواء.