كيف حصن قانون العمل أجور العمال ضد الإفلاس والتصفية وتغير الكيانات؟.. سنة حدا أقصى لسداد مستحقات العمال في التصفية.. رقابة شهرية من مديريات العمل.. والعمال يملكون مقاضاة المصفى والمطالبة ببطلان التصرفات

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 07:00 ص
كيف حصن قانون العمل أجور العمال ضد الإفلاس والتصفية وتغير الكيانات؟.. سنة حدا أقصى لسداد مستحقات العمال في التصفية.. رقابة شهرية من مديريات العمل.. والعمال يملكون مقاضاة المصفى والمطالبة ببطلان التصرفات قانون العمل الجديد

كتبت آية دعبس

أرسي قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 منظومة متكاملة من الضمانات المالية المشددة التي تقطع الطريق نهائيا أمام أي محاولات للالتفاف على مستحقات العمال أو ضياع حقوقهم تحت وطأة التعثر المالي، الأزمات الهيكلية، أو عمليات التصفية والبيع. ولم يعد مفهوما طي الصفحة العمالية جراء إغلاق المنشآت أو تغير هويتها القانونية؛ بل أصبح القانون حصنا منيعا يضع "قوت العامل وأسرته" في صدارة الخطوط الحمراء التي لا يجوز المساس بها أو التزاحم عليها.

 

مظلة شاملة في وجه الإفلاس والتصفية

كرس القانون مبدأ تشريعيا صارما يقضي بأن حل المنشأة، أو تصفيتها، أو إغلاقها كليا أو جزئيا، أو حتى إشهار إفلاسها، لا يمنع بحال من الأحوال من الوفاء التام بجميع الالتزامات والأجور المستحقة للعاملين.

وبموجب هذه الأحكام، لا تؤثر التغيرات القانونية أو الأزمات المالية على المراكز القانونية المستقرة للعمال؛ إذ تظل أموال المنشأة بالكامل ضامنا أساسيا للوفاء بتلك الحقوق، مع حظر أي تصرف أو إجراء من جانب صاحب العمل أو المصفى أو أمين التفليسة من شأنه الإخلال بهذا الالتزام. وفي حال صدور حكم قضائي أو قرار من الجهة المختصة بالحل أو التصفية، يلزم القانون بأن يتضمن أجلا مناسبا للوفاء بحقوق العاملين بما لا يزيد على سنة من تاريخ صدور القرار.

 

آليات صارمة وجداول زمنية للوفاء بالمستحقات

رسم القانون خارطة طريق إجرائية ودقيقة تقع على عاتق صاحب العمل أو المصفى أو أمين التفليسة فور صدور قرار التصفية أو الإغلاق، وتتضمن ما يلي:

 

•          حصر فوري: يجب قيام المصفى أو أمين التفليسة -خلال ثلاثين يوما على الأكثر من تاريخ صدور قرار الحل أو التصفية- بحصر كافة أجور ومستحقات العمال والوفاء بها فورا دفعة واحدة في حال كفاية أموال المنشأة.

 

•          جدولة المستحقات المتبقية: أما في حالة عدم كفاية أموال المنشأة، فيلتزم صاحب العمل أو المصفى بسداد الجزء المتوفر بمراعاة أقدمية العمال أو وفقا للمعايير المتوافق عليها، مع التزام جدي بجدولة باقي المستحقات وسدادها في موعد أقصاه سنة واحدة من تاريخ صدور القرار.

 

•          رقابة دورية وتقارير شهرية: يلزم القانون المسؤول عن التصفية بتقديم تقرير شهري لمديرية العمل المختصة مبينا فيه الإجراءات التي تمت بشأن أجور ومستحقات العمال في المواعيد المحددة، مع تقديم كافة السجلات والدفاتر التي تفيد استلام العمال لحقوقهم.

•          تدخل الخبراء: يجوز الاستعانة بممثل عن مديرية العمل أو ترشيح أحد الخبراء الفنيين أو الماليين من ذوي الكفاءة والأمانة للمساعدة في تحديد طريقة حساب مستحقات العمال وآليات صرفها في حالات الضرورة.

عقوبات حاسمة وبطلان وجوبي للتصرفات المخالفة

لم يكتف المشرع بالنصوص التنظيمية، بل أقر آليات عقابية وقضائية رادعة لمواجهة أي تلاعب:

•          بطلان التصرفات: يعد باطلا كل إجراء أو تصرف يرتكبه صاحب المنشأة أو المصفى ويكون من شأنه الإخلال بالوفاء بأجور العمال المستحقة.

•          دور مديرية العمل والقضاء: تختص مديرية العمل بإنذار المخالف لتصويب أوضاعه خلال 15 روزا، فإذا انتهت الفترة دون جدوى تحيل الأمر للمحكمة العمالية المختصة. كما يحق للعمال وممثليهم إقامة دعاوى قضائية للحكم ببطلان تلك التصرفات أو عزل المصفى وأمين التفليسة عبر إقامة دعاوى ضدهم.

مستحقات العمال أولا وقبل الخزانة العامة

وفي تعزيز قوي وغير مسبوق للحماية المالية، منح قانون العمل الجديد المبالغ المستحقة للعاملين (أو المستحقين عنهم) "حق امتياز عام" على جميع أموال صاحب العمل من منقول وعقار، والأكثر أهمية هو أن هذه المبالغ تستوفى وتصرف قبل المصروفات القضائية، والمبالغ المستحقة للخزانة العامة، ومصروفات الحفظ والترميم، وأية مرتبة امتياز أخرى مقررة بأي قانون آخر.

وتشمل هذه الحماية صراحة اشتراكات التأمين الاجتماعي باعتبارها جزءا لا يتجزأ من حقوق العمال المستطراف أداؤها للهيئة المختصة. هذا النص يقطع تماما أي محاولة للتنصل من الالتزامات العمالية، جاعلا إياها الديون الممتازة الأولى بالرعاية والتنفيذ عقب التصفية أو الإفلاس.

لا هروب بتغيير الملكية

لم تقتصر الحماية على الشركات المستمرة أو المفلسة، بل امتدت لتشمل حالات تغير الكيان القانوني للمنشأة، انتقال ملكيتها، دمجها، تقسيمها، بيعها (ولو بالمزاد العلني)، أو حتى انتقالها بالإرث أو الوصية أو الهبة أو الإيجار، قرر القانون مبدأ المسئولية التضامنية بين السلف والخلف؛ وبموجب ذلك لا تترتب على أي من هذه التصرفات أية تأثيرات سلبية على عقود العمل القائمة، بل تنتقل الالتزامات بقوة القانون إلى صاحب العمل الجديد.

وأصبح "الخلف" مسئولا بالتضامن مع أصحاب الأعمال السابقين عن تنفيذ كافة الالتزامات، كالأجور المتأخرة، المقابل النقدي لرصيد الإجازات، وغيرها. كما أقر القانون التضامن بين صاحب العمل الأصلي وبين الوكيل المفوض أو من تنازل له عن الأعمال المسندة إليه كلها أو بعضها، ممامنح العامل حرية كاملة في الرجوع على أي منهم مجتمعين أو منفردين لاستحصال حقوقه كاملة غير منقوصة.

وبهذا يمثل قانون العمل الجديد (رقم 14 لسنة 2025) نقلة نوعية وجدارا قانونيا صلبأ يحمي المكتسبات المعيشية للعمال، ويضمن ألا يتحمل الطرف الأضعف في العملية الإنتاجية تداعيات التعثر أو تغيير الإدارات، ليصبح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي واقعا ملموسا يخدم مسيرة التنمية المستدامة في البلاد.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة