لم تعد المنصات الإعلامية والرقمية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية مجرد أدوات لترويج خطابها السياسي، بل تحولت إلى ساحات للصراعات الداخلية وتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات بين القيادات المتنازعة على النفوذ والمال. وبينما رفعت الجماعة لسنوات شعارات التربية والتزكية والالتزام الأخلاقي، تكشف معاركها العلنية عن تناقضات عميقة بين الخطاب والممارسة. وفي هذا السياق، يرصد طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، ملامح التحول الذي أصاب هذه المنصات، من توظيف الدين لتبرير الإساءة إلى الخصوم، إلى إعادة تدوير الأكاذيب وتضليل الرأي العام، معتبراً أن هذه الممارسات تعكس عمق الانقسامات والانكشاف التنظيمي والأخلاقي داخل الجماعة.
من التربية للملاسنة.. سقوط القناع الأخلاقي
أكد طارق أبو السعد أن المنصات الإخوانية، وخاصة في الخارج، تحولت إلى ما يصفه بـ"ساحات الملاسنة" والتراشق غير اللائق بين القيادات، وهو ما يسقط ادعاءات الجماعة بشأن "التربية والتزكية". مشيرا، إلى أن هذه المعارك الكلامية الحادة، التي انتقلت من الكواليس إلى العلن عبر المنصات الرقمية، جاءت كتوابع مباشرة لزلزال الاعترافات والانقسامات الداخلية، والتي كشفت عن صراعات محصورة في "كعكة التمويل والنفوذ". ويضرب أبو السعد أمثلة على هذا التدني الأخلاقي، مشيراً إلى أن الجماعة "تجيد تمثيل دور المهذب شكلياً"، لكنها تفتقر للالتزام الأخلاقي عند أول اختبار حقيقي، لافتاً إلى أن من يتمتع بأخلاق من عناصرها يعود الفضل في ذلك لتنشئته الأسرية وليس لمنهج الجماعة.
توظيف الدين لشرعنة البذاءة وتصفية الحسابات
من أبرز الأدلة التي يقدمها أبو السعد على انحطاط هذه المنصات هو ما يسميه "أسلمة الشتيمة". موضحا، أن الإخوان ارتكبوا جريمة في حق المجتمع عندما شرعنوا السباب والشتائم عبر منصاتهم، مستخدمين آيات وأحاديث جرى انتزاعها من سياقها لتبرير الإساءة إلى المخالفين داخل التنظيم وخارجه. مؤكدا، أن هذا السلوك يكشف حقيقة منهجية "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث تُباح الخيانات والتحالفات والشتائم لخدمة بقاء التنظيم أو تصفية خصوم داخليين، وهو ما يتناقض تماماً مع أي خلق إسلامي. مشيرا الى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل هي امتداد لتاريخ من الانقسامات، بدأت مبكراً بين حسن البنا وأحمد السكري، وصولاً إلى صراعات الشباب والقيادات في الخارج.
استغلال المنصات في صناعة الأكاذيب وتزييف الوعي
وذهب أبو السعد إلى أبعد من مجرد "تصفية الحسابات الشخصية"، ليؤكد أن هذه المنصات تحولت إلى "ماكينة أكاذيب" منظمة. ويشرح آلية العمل حيث تبدأ الرواية من منشور مجهول، ثم يعاد تدويرها عبر حسابات متعددة لتبدو وكأنها حقيقة مؤكدة من مصادر متعددة، مع الاعتماد على "التكرار بديلاً عن الدليل". ويشير إلى أن المنصات الإخوانية لا تكتفي باختلاق الأخبار، بل تعيد استخدام مواد قديمة (صور أو فيديوهات) وتغيير سياقها الزمني لتقديمها كوقائع جديدة، بهدف إرباك الرأي العام وصناعة حالة من الشك، خاصة في أوقات الأزمات. هذا التوظيف للكذب والتضليل، وهذا هو الوجه الآخر لتصفية الحسابات: فمن لا يمكن ضربه بالشتيمة، تُشوّه سمعته أو تُلفق له التهم عبر حملات منظمة على المنصات.
الانشقاقات كدليل على انهيار المشروع
يستند أبو السعد في تحليله إلى تاريخ الانشقاقات الطويل داخل التنظيم، والذي بلغ ذروته بعد 2013. ويؤكد أن "الصدمة الأخلاقية" كانت الدافع الأكبر لهروب الأعضاء، حيث عاينوا ممارسات تخالف المبادئ المرفوعة، واكتشفوا غياب النزاهة والتراشق بين القيادات المتصارعة على السلطة، وتورط قيادات في سرقة أموال الاشتراكات والتبرعات، وترك الشباب يواجهون مصيرهم بمفردهم. مؤكدا، أن المنصات الإخوانية، بدلاً من أن تكون أداة لاحتواء هذه الأزمات، تحولت إلى مسرح لانفجارها، حيث يتقاتل المتحالفون السابقون بالاتهامات والتسريبات، مما يجعلها شاهدة على "انكشاف" التنظيم من الداخل.
واكد طارق أبو السعد ان تحول المنصات الإخوانية إلى منابر لتصفية الحسابات الشخصية ليس مجرد عرض عابر، بل هو نتيجة بنيوية لتنظيم يقوم على "الغاية تبرر الوسيلة"، ويرى في الدين ستاراً لتحقيق مآرب سياسية وتنظيمية. ومع تصاعد الانشقاقات وفضح الاعترافات، لم تعد هذه المنصات قادرة على إخفاء التناقض بين خطاب "التربية" وممارسة "الشتيمة والتضليل". فأن هذه المنصات قد تحولت من أداة للتمدد والتأثير إلى مرآة تعكس انحطاط المشروع وتفككه الداخلي، حيث صارت تصفية الحسابات هي اللغة السائدة، والشعارات الكبرى مجرد غطاء لهشاشة بنيوية لم تعد تخفى على أحد.