لا يرتبط انتشار الشائعات في البيئة الرقمية بسرعة تداول المعلومات وحدها، بل يتصل أيضًا بالطريقة التي تنتقل بها الادعاءات من حساب إلى آخر، وكيف يمكن لمعلومة مجهولة المصدر أن تظهر لاحقًا في صورة رواية تتناقلها منصات متعددة، بما قد يمنحها انطباعًا زائفًا بالمصداقية، رغم غياب الأدلة المستقلة التي تؤكد صحتها.
وتبرز هذه الإشكالية عند فحص أنماط تداول المحتوى عبر المنصات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، خاصة عندما تظهر رواية واحدة في منشورات متتابعة، مع تغييرات محدودة في العناوين أو الصياغة، دون الكشف عن مصدر موثوق أو تقديم مستندات جديدة. فانتقال الادعاء بين عدة حسابات قد يصنع انطباعًا بوجود تأكيدات متعددة، بينما يظل المحتوى المتداول قائمًا على المعلومة الأولية نفسها.
وتكمن المشكلة في أن إعادة النشر لا تقتصر دائمًا على نقل النص الأصلي، بل قد يصاحبها تغيير في طريقة عرض الادعاء، أو إضافة استنتاجات وتفاصيل لم ترد في المصدر الأول، أو استخدام عبارات توحي بأن المعلومات أصبحت مؤكدة. ومع تكرار هذه العملية، قد تتراجع إمكانية التمييز بين المعلومة التي تستند إلى دليل، والادعاء الذي اكتسب حضوره من كثرة تداوله.
تدوير الشائعات.. رحلة الادعاء من الحسابات المجهولة إلى العناوين الحاسمة
تتيح منصات التواصل الاجتماعي انتقال المحتوى بسرعة بين الحسابات والصفحات والقنوات، وهو ما يجعل تتبع أصل المعلومة خطوة ضرورية لفهم كيفية انتشار الروايات غير الموثقة. فقد يبدأ الأمر بمنشور لا يحدد مصدره، ثم تعيد حسابات أخرى نشره بصيغ مختلفة، قبل أن يظهر في محتوى إعلامي يقدم الادعاء بصورة أكثر حسمًا، دون أن يصاحبه بالضرورة أي دليل إضافي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مراجعة المحتوى المتداول عبر منصات الإخوان الإرهابية، خصوصًا عندما تتكرر الادعاءات نفسها عبر أكثر من جهة، بينما تغيب الإحالات إلى الوثائق الأصلية أو المصادر التي يمكن التحقق منها. فإعادة الصياغة قد تغير الانطباع الذي يتركه الخبر لدى الجمهور، إذ يمكن أن تتحول معلومة احتمالية إلى اتهام مباشر، أو يُقدَّم ادعاء غير مؤكد في عنوان يوحي بأنه حقيقة ثابتة.
كما أن استخدام عبارات مثل «كشفت مصادر» أو «أكدت معلومات» لا يكفي وحده لإثبات صحة الرواية، ما لم تكن هناك مصادر يمكن تقييم مدى موثوقيتها، أو أدلة تدعم المعلومات المنشورة. فالمعيار الأساسي ليس طبيعة العبارة المستخدمة، وإنما إمكانية التحقق من مضمونها ومراجعة الأساس الذي استندت إليه.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتعلق الادعاءات بأشخاص أو مؤسسات أو أحداث تحظى باهتمام عام، لأن تداول معلومات غير موثقة بصياغات جازمة قد يؤدي إلى تكوين انطباعات يصعب تصحيحها بعد انتشارها على نطاق واسع.
كثرة الناشرين لا تعني تعدد المصادر
يمثل الخلط بين عدد الحسابات التي تنشر معلومة واحدة وعدد المصادر المستقلة التي تؤكدها أحد أبرز التحديات أمام التحقق من الأخبار الرقمية. فقد يظهر الادعاء نفسه في عشرات المنشورات، لكن هذا الانتشار لا يثبت صحته إذا كانت جميع المنشورات تعود إلى مصدر واحد لم يقدم دليلًا يمكن فحصه.
وتتضح خطورة هذه الإشكالية عندما تعيد صفحات وقنوات تداول الرواية ذاتها، مع اختلافات شكلية في العناوين والتعليقات، بما قد يدفع المتابع إلى الاعتقاد بأن تعدد جهات النشر يعكس تعددًا في مصادر المعلومات. والحقيقة أن تقييم الرواية يتطلب فحص العلاقة بين المنشورات، ومعرفة ما إذا كانت تستند إلى أدلة مستقلة، أم أن بعضها يكرر ما نشره البعض الآخر.
وفي المقابل، لا يكفي التشابه بين المنشورات أو تقارب توقيتات نشرها لإثبات وجود تنسيق منظم بين الحسابات، إذ يتطلب الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج أدلة إضافية. لكن هذه المؤشرات تظل مدخلًا مهمًا لفحص مسار تداول الادعاء، وتحديد مصدره الأول، ومعرفة الكيفية التي انتقل بها بين المنصات المختلفة.
وتبرز هنا مسؤولية المنصات الإعلامية في توضيح مصادر معلوماتها، وعدم تقديم كثافة التداول باعتبارها تأكيدًا لصحة المحتوى. فالمصداقية لا تُقاس بعدد الحسابات التي تكرر الرواية، وإنما بمدى قوة الأدلة التي تستند إليها، وإمكانية مراجعتها والتحقق منها بصورة مستقلة.
تتبع المصدر الأصلي.. الطريق إلى اختبار مصداقية الرواية
يبدأ التحقق الجاد من الشائعات بالعودة إلى المصدر الأول الذي ظهرت فيه المعلومة، ومراجعة تاريخ نشرها، ومقارنة الصيغ المختلفة التي ظهرت بها لاحقًا. وتساعد هذه الخطوات على تحديد ما إذا كانت الرواية قد استندت إلى معلومات موثقة منذ البداية، أم أنها تطورت خلال مراحل التداول بإضافة تفاصيل أو استنتاجات لم يقدم المصدر الأصلي ما يدعمها.
وتشمل عملية التحقق فحص الوثائق والتسجيلات المرتبطة بالادعاء، والبحث عن مصادر مستقلة تؤكد المعلومات، ومقارنة العناوين بالمضمون الفعلي للمنشورات، كما تتيح مراجعة التسلسل الزمني للنشر تحديد ما إذا كانت الصياغة قد تغيرت من مجرد احتمال إلى خبر جازم، دون ظهور أدلة تبرر هذا التحول.
وتتطلب الممارسة الإعلامية المسؤولة الفصل بين الخبر والتحليل والرأي، وعدم تقديم الاستنتاجات الشخصية باعتبارها وقائع مؤكدة. كما تقتضي توضيح حدود المعلومات المتاحة، والإشارة إلى ما لم يُحسم بعد، بدلًا من استخدام عبارات قطعية قد تمنح الادعاءات غير الموثقة قوة لا تستند إلى أدلة حقيقية.
وفي هذا الإطار، تظل منصات الإخوان الإرهابية، شأنها شأن أي جهة تنشر محتوى إخباريًا، مطالبة بإثبات صحة ما تروجه، وعدم الاعتماد على تكرار الروايات أو انتقالها بين الحسابات بوصفهما بديلًا عن التحقق. فانتشار المعلومة يوضح مدى وصولها إلى الجمهور، لكنه لا يحسم مدى صحتها.
إسلام الكتاتني: تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة.. وتتبع المصدر الأول ضرورة لمواجهة التضليل
قال إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، إن انتقال الشائعات بين الحسابات والمنصات الرقمية يمثل أحد العوامل التي تساعد على انتشار الروايات غير الموثقة، خاصة عندما يعاد تقديم المعلومة نفسها بصيغ متعددة توحي بوجود مصادر مختلفة تؤكد صحتها، رغم عدم ظهور أدلة مستقلة تدعمها.
وأضاف الكتاتني أن المحتوى المتداول عبر منصات جماعة الإخوان الإرهابية يستدعي التدقيق في طبيعة المصادر المستخدمة، ومدى الالتزام بالتحقق من المعلومات قبل نشرها، موضحًا أن إعادة تداول الادعاءات دون مراجعة قد تسهم في تضليل الجمهور وإثارة الجدل حول وقائع لم تكتمل المعلومات بشأنها.
وأوضح أن بعض الروايات تبدأ بمنشورات مجهولة المصدر، ثم تنتقل إلى حسابات أخرى تعيد صياغتها وتضيف إليها عبارات أكثر حسمًا، بما قد يجعلها تبدو وكأنها أخبار مؤكدة، على الرغم من عدم تقديم أدلة جديدة تثبت صحتها. وأكد أن تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة، وأن انتقال المعلومة بين عشرات الصفحات لا يعني وجود عشرات المصادر المستقلة.
وأشار إلى أن تعدد النسخ المتداولة قد يصعّب وصول الجمهور إلى المصدر الأصلي، خاصة عندما تتغير العناوين والصياغات، أو تُحذف التفاصيل التي تساعد على معرفة أصل المعلومة وسياقها. ولفت إلى أن استخدام عبارات عامة مثل «مصادر مطلعة» أو «معلومات متداولة» لا يعفي الجهات الناشرة من مسؤولية التحقق، خصوصًا عندما تتضمن الروايات اتهامات أو استنتاجات تمس أشخاصًا ومؤسسات.
وشدد الكتاتني على أن مواجهة هذه الممارسات تتطلب تتبع المصدر الأول، ومراجعة التسلسل الزمني للنشر، ومقارنة الروايات المتداولة بالأدلة الأصلية، بدلًا من التعامل مع كثافة الانتشار باعتبارها دليلًا على صحة المعلومات. كما أكد ضرورة الفصل بين الخبر والتحليل والاحتمال، وعدم تقديم الاستنتاجات الشخصية في صورة وقائع مؤكدة.
واختتم بالتأكيد على أهمية تعزيز الوعي لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة التحقق من مصادر الأخبار قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء الروايات التي تنتشر بسرعة دون أن تقدم أدلة واضحة تدعمها، مشيرًا إلى أن تقييم أي ادعاء يجب أن يستند إلى مصدره ومضمونه والأدلة المؤيدة له، وليس إلى عدد المرات التي أعيد نشره فيها.