تراكمت على فنزويلا ديون متعثرة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، ما حول سنداتها السيادية إلى ساحة صراع مفتوحة بين دائنين دوليين وصناديق استثمار متخصصة فى الديون المتعثرة، فى وقت يظل فيه مصير التحصيل رهينا بتعقيدات سياسية وعقوبات أمريكية صارمة تحدد من يمكنه استرداد الأموال ومتى.
أكبر حالات التعثر السيادي عالميًا
وذكر تقرير لشبكة سي إن بى سى أن أزمة ديون فنزويلا تعد واحدة من أكبر حالات التعثر السيادي غير المحسومة على مستوى العالم، بعدما جاءت في أعقاب سنوات طويلة من الانكماش الاقتصادي الحاد والعقوبات الأمريكية التي أدّت إلى عزل البلاد فعليًا عن أسواق المال الدولية.
وفي أواخر عام 2017، تخلفت كراكاس عن سداد التزاماتها تجاه سندات دولية أصدرتها الحكومة وشركة النفط الحكومية بتروليوس دي فنزويلا (PDVSA)، ما أدخل البلاد في حالة تعثر شاملة لا تزال قائمة حتى اليوم.
ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر عبء الديون على أصل السندات غير المسددة، بل تضخم بفعل تراكم الفوائد، وارتفاع المطالبات القانونية المرتبطة بأحكام تحكيم دولية صدرت لصالح شركات أجنبية صودرت أصولها خلال السنوات الماضية.
حجم الديون والتزامات الحكومة
وبحسب تقديرات محللين، تبلغ قيمة السندات الفنزويلية المتعثرة القائمة نحو 60 مليار دولار، غير أن إجمالي الدين الخارجي، بما يشمل التزامات PDVSA، والقروض الثنائية، وأحكام التحكيم الدولية المعترف بها قضائيا، يُقدّر بما يتراوح بين 150 و170 مليار دولار؛ اعتمادا على كيفية احتساب الفوائد المتراكمة والأحكام القضائية الصادرة فى الولايات المتحدة ودول أخرى.
ويقدر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لفنزويلا بنحو 82.8 مليار دولار في عام 2025، ما يعني أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 180% و200%، وهي من أعلى النسب عالميا، وتعكس عمق الاختلالات المالية التي تواجهها البلاد.
الجهات الدائنة وصناديق النسور
وتتوزع ديون فنزويلا بين جهات متعددة، يأتي في مقدمتها حاملو السندات الدوليون، ومن بينهم صناديق استثمار متخصصة في شراء الديون المتعثرة، يُطلق عليها أحيانا "صناديق النسور"، والتي تراهن على تحقيق مكاسب كبيرة عبر التحصيل القضائي أو إعادة الهيكلة.
وتفاقمت صعوبة تتبع ملكية الديون الفنزويلية بفعل العقوبات الأمريكية، ولا سيما الحظر المفروض على تداول ديون البلاد منذ عام 2017، ما حدّ من الشفافية وزاد من تعقيد أي محاولة لإعادة هيكلة منظمة.
الدائنون الثنائيون: الصين وروسيا
إلى جانب الدائنين التجاريين، تواجه فنزويلا التزامات كبيرة تجاه دائنين ثنائيين، في مقدمتهم الصين وروسيا، اللتان قدمتا قروضا ضخمة خلال فترتي حكم الرئيس الحالي نيكولاس مادورو وسلفه هوجو تشافيز.
ويرى محللون أن أي عملية رسمية لإعادة هيكلة الديون ستكون معقدة وطويلة الأمد، نظرا لتعدد الدائنين، وتضارب المطالبات القانونية، واستمرار حالة عدم اليقين السياسي.
وقد يشكل برنامج محتمل مع صندوق النقد الدولي إطارا لإعادة الهيكلة، عبر تحديد أهداف مالية وافتراضات لاستدامة الدين، إلا أن فنزويلا لم تخضع لمشاورات سنوية مع الصندوق منذ قرابة عقدين، ولا تزال محرومة من الوصول إلى تمويله.
العقوبات الأمريكية عائق رئيسي
وتعد العقوبات الأمريكية عائقا رئيسيا أمام أي تسوية، إذ إن القيود المفروضة منذ عام 2017، في ظل إدارات أمريكية متعاقبة، تحد بشدة من قدرة فنزويلا على إصدار ديون جديدة أو إعادة هيكلة التزاماتها القائمة دون الحصول على تراخيص صريحة من وزارة الخزانة الأمريكية.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه مصير العقوبات غير واضح، شهدت السندات الفنزويلية موجات صعود خلال عام 2025، مدفوعة برهانات المستثمرين على تغييرات سياسية محتملة.
وحققت هذه السندات مكاسب تقدر بنحو 95% على مستوى المؤشرات، بينما تتداول العديد منها حاليا عند مستويات تتراوح بين 27 و32 سنتا للدولار.
وتشير تقديرات بنوك استثمارية إلى أن استعادة استدامة الدين ستتطلب خفضًا كبيرًا في أصل الدين، قد لا يقل عن 50%. وفي هذا الإطار، رجّح محللون أن تشمل أي صفقة إعادة هيكلة سندات طويلة الأجل بعوائد منخفضة، إلى جانب أدوات تعويضية عن الفوائد المتأخرة، وربما أدوات مشروطة مرتبطة بأسعار النفط أو أداء الاقتصاد.
الخلفية الاقتصادية الصعبة
وتأتي هذه السيناريوهات في ظل خلفية اقتصادية شديدة الصعوبة، إذ انكمش اقتصاد فنزويلا بقوة منذ عام 2013 مع انهيار إنتاج النفط، وتصاعد معدلات التضخم، وارتفاع مستويات الفقر.
ورغم استقرار نسبي في الإنتاج خلال الفترة الأخيرة، فإن انخفاض أسعار النفط عالميًا والخصومات المفروضة على الخام الفنزويلي يحدّان من قدرة البلاد على توليد إيرادات كافية لخدمة ديونها.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن سباق التحصيل بين الدائنين سيظل محتدما، وأن تسوية أزمة ديون فنزويلا لن تكون مسألة مالية فحسب، بل ستبقى رهينة تحولات سياسية داخلية وخارجية، ومسار العقوبات الأمريكية، وقد تمتد لسنوات قبل الوصول إلى حل شامل.