يأتى عيد الميلاد المجيد كل عام بوصفه لحظة فرح، غير أن هذا الفرح يحتاج إلى تأمل، فميلاد السيد المسيح، عليه السلام، كما تحفظه الذاكرة الدينية والتاريخية فتح باب الرحلة، وأكد أن مصر هل الملاذ الآمن لكل من يقصدها.
نفرح بأن جزءًا من حياة السيد المسيح، جرت على أرض مصر، وأن هذه الأرض الطيبة لامست قدميه، وأنه بصورة أو بأخرى صنع لنا تصورا عن جغرافية مصر، نطلق عليه مسار العائلة المقدسة.
والمعروف أن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر وقعت فى سياق سياسى مضطرب، حيث كانت السلطة فى فلسطين تخضع لحكم هيرودس الكبير، ذلك الملك الذى جمع فى شخصيته بين القسوة والارتياب، وهيرودس، كما تذكر المصادر التاريخية، لم يكن يخشى الأعداء الخارجيين بقدر ما كان يخاف أى تهديد محتمل لعرشه، حتى لو كان طفلًا حديث الولادة، هذا الملك طاردته نبوءة معينة مما قلب حاله وأورثه الخوف فراح يطارد الأطفال المولودين حديثا، يخشى من مجيئ الملك الذى سيطيح بحكمه.
فى هذا السياق، لا تبدو الرحلة إلى مصر فعل هروب، بل قرار نجاة، وكان لى أن كتبت كتابًا فى هذا الشأن صدر عن المركز القومى للترجمة، هو كتاب "رحلة الخير.. العائلة المقدسة فى مصر"، وقد صدر الكتاب فى طبعتين الأولى مصحوبة بالترجمة إلى الإنجليزية، والثانية بالترجمة الفرنسية، ويتوقف الكتاب عند الميلاد وما جرى فيه من بشرى وخوف أيضا وما تلا ذلك من أحداث مهمة انتهت بوصول العائلة إلى مصر وبقائهم نحو ثلاث سنوات ونصف.

لوحة إبراهيم جوفيرتس
البدايات.. الخروج للأمان
كانت الرحلة بحثا عن الأمان، فلم تخرج السيدة مريم تحمل ابنها ويصطحبهما القديس يوسف النجار بحثا عن غنيمة، لقد خرجوا راغبين فى "أمان" فقدوه نتيجة لظروف معينة، حينما أصاب الأرق الملك هيرودس، فراح يتتبع الأطفال ويفتك بهم، لذا كان الخروج من ناحية نقطة الضوء فى ذلك العالم القديم.
مصر.. أرض الأمان المختارة
حين نتوقف عند دخول العائلة المقدسة إلى مصر، يلح سؤال يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه بالغ العمق فى دلالته: لماذا مصر؟ لم يكن دخول المسيح إلى مصر حلًّا اضطراريًا فقط، بل كان اختيارا ورمزًا، فمصر فى لحظة الميلاد المضطرب تلك، لم تكن مجرد مساحة جغرافية بعيدة عن بطش هيرودس، بل كانت أرضًا تملك خبرة قديمة مع استقبال الباحثين عن النجاة، وهذا البعد التاريخى يمتد إلى عصور أقدم.
حين دخلت العائلة المقدسة إلى مصر، لم تدخل أرضًا مجهولة بل دخلت أرضًا لها تاريخها المعروف فى احتواء الأنبياء، ومن هنا، لا يبدو حضور المسيح لمصر خروجًا عن السياق، بل كان امتدادًا لسلسلة طويلة من القصص التى ارتبطت فيها هذه الأرض بفكرة الحماية.
هذه القدرة على الحماية هى ما جعلت مصر تتحول، مع مرور الزمن، من مجرد مسرح للحدث إلى شريك فيه،
خلال فترة الرحلة والاستقرار والعودة رأت العائلة الكثير مما يدل على حياة المصريين وطباعهم، وعرفنا من خلال الأحداث كيف أن مصر كانت عامرة بالحياة، بالزراعة والعمل، بالأفراح العبادات، ويمكن للباحثين والمهتمين أن يكشفوا لنا الكثير عن التطور الذى كانت تشهده مصر فى تلك الفترة من تاريخ العالم القديم.

جيوتو دي بوندوني
مسار الرحلة.. جغرافيا تمشى على قدمين
نحن لا نقرأ رحلة العائلة المقدسة فى مصر بوصفها خطًا مستقيمًا على خريطة، ولا باعتبارها سلسلة محطات ثابتة، بل بوصفها حركة كاملة، تمشى فيها الجغرافيا على قدمين، ووفق الروايات التقليدية، يبدأ المسار من شمال سيناء، بوصفها بوابة الدخول الطبيعية إلى مصر، ومن سيناء، يتجه المسار إلى دلتا النيل، فتتكثف العلاقة بين الرواية الدينية والذاكرة الشعبية، فالأماكن لا تذكر بوصفها أسماء مجردة، بل بوصفها مواضع حدث فيها شيء ما، أحيانا استراحة وظل شجرة وأحيانا بئر ماء، وهنا وجب التنبه إلى أن هذه التفاصيل الصغيرة هى ما منحت الرحلة بعدها الإنسانى المهم، الذى نستدعيه ونتعلم منه.
بعد الدلتا، تمتد الرحلة إلى مصر الوسطى، حيث يتغير الإيقاع مرة أخرى، وتظهر الجبال، ويصبح السير أكثر مشقة، وهذا الجزء من الرحلة نقرأه بوصفه مرحلة اختبار جديدة للتعب الإنساني، فلدينا طفل يُحمل لمسافات أطول، وأم تستنزفها الحركة، ورجل صابر ينفذ مشيئة الله بكل رضا.
ويصل المسار، فى نهاياته، إلى صعيد مصر، حيث تتجلى فكرة الإقامة، وفى مناطق مثل جبل الطير ودير المحرق، تتحول الرحلة من حركة مستمرة إلى سكون نسبي، هذا السكون لا يعنى نهاية القلق، بل يعنى أن الأمان صار كافيًا ليمنح العائلة فرصة التوقف، ولهذا ارتبطت هذه الأماكن فى الذاكرة بفكرة الاستقرار الأخير قبل العودة.
غير أن أهمية هذه الرحلة وهذا المسار المقدس لا يكمن فى دقته الجغرافية وحدها، بل فى الطريقة التى حُفظ بها، فالمسار لم ينقل إلينا عبر النصوص الكنسية فقط، بل عبر الحكايات الشفاهية والطقوس والأسماء التى بقيت حية، أسماء مثل عين شمس، سمنود، وادى النطرون، جبل الطير، لم تبق لأنها وردت فى مخطوط، بل لأنها استمرت فى التداول اليومي، وتحولت إلى علامات على ذاكرة مشتركة.
رحلة طويلة من الشمال للجنوب مرروًا بالنهر والسهل والجبال والمغارات والأرض المزروعة، كانت العائلة تخرج من مكان إلى مكان فى خطوط تبدو غير مستقيمة لكن الباحث المتأمل سيعرف أن لها معنى، وأن هناك دلالة وراء تلك الحركات على جغرافيا مصر العامرة بالحياة.

رحلة الخير
مريم.. الأم فى زمن الخوف
فى قلب رحلة العائلة المقدسة، تقف السيدة مريم، عليها السلام، لا بوصفها أيقونة ثابتة، بل بوصفها أمًّا، والأمومة هنا فعل يومى مستمر، فالسدة مريم فى الرحلة لا تحمل طفلها فقط، بل تحمل معنى النجاة ذاته، وتسير به فى أرض غريبة عليها، دون ضمانات واضحة، سوى ثقة داخلية بأن الطريق، مهما طال، لا بد أن يؤدى إلى الأمان.
فى كثير من الأيقونات القبطية، تظهر السيدة مريم وهى تحمل الطفل المسيح فى حالة حركة دائمة، لا جلوس، ولا استقرار طويل، هذه الحركة ليست تفصيلًا فنيًا، بل تعبير عن رؤية روحية ترى الأمومة فعل سير، لا حالة سكون، فالأم، فى هذه الرحلة، لا تملك رفاهية التوقف، لأن التوقف قد يعنى الخطر، ومن هنا، تصبح الحركة نفسها شكلًا من أشكال الحماية.
اللافت أن صورة مريم فى مصر اقتربت كثيرًا من صورة الأم المصرية، فهى ليست الملكة المتوجة على عرشها تأمر وتنهي، ولا السيدة المعزولة عن الحياة المستقرة فى خبائها، بل هى امرأة تعرف معنى التعب تصل بها الأمور أحيانا إلى درجة الفزع على طفلها ونفسها، وتصل بها الأمور أحيانًا لدرجة من الطمأنينة التى تجعلها تدرك أنها نجت من مواطن الخوف، وتحمل طفلها فى صمت، وتواجه العالم دون ضجيج، هذه القربى هى ما جعلت السيدة مريم تدخل البيوت والقلوب بسهولة، وتتحول من رمز دينى إلى حضور وجدانى يومي.
وتكتسب صورة مريم بعدًا إضافيًا حين ننظر إليها فى ضوء الوعى الإسلامي، حيث تحظى بمكانة فريدة بوصفها المرأة الوحيدة التى سميت سورة كاملة باسمها، هذا التقدير العابر للتقاليد الدينية جعل صورة مريم جسرًا طبيعيًا بين الوجدانين االمسيحى والإسلامي، وأسهم فى تحويل رحلتها إلى قصة مشتركة، والمصريون دائما ما يبحثون عن المشترك بينهم.
المعجزات.. رحمة لا استعراض
فى كثير من السرديات الدينية تقدم المعجزة بوصفها لحظة خارقة للواقع، غير أن معجزات رحلة العائلة المقدسة فى مصر يمكن النظر إليها من زاوية مختلفة تمامًا، فالمعجزة هنا لا تأتى استعراضًا، بل تظهر حين تصبح الرحلة مهددة، وحين تحتاج الحياة إلى درجة من الرحمة تتيح لها الاستمرار.
المعجزات المنسوبة إلى مسار الرحلة، كما تحفظها الذاكرة القبطية والشعبية، غالبًا ما ترتبط بالماء، والظل، والحماية من الخطر، فهى معجزات تنقذ حياة وتدل على خير، وتعمل على استمرار الجهد والعمل، معجزات لها علاقة بالرغبة فى الاستمرار بالمكافأة لا بالعقاب.
الرحلة والهوية المصرية
لا يمكن فهم حضور رحلة العائلة المقدسة فى الذاكرة المصرية بوصفه حدثًا دينيًا منفصلًا، فالرحلة، مع مرور الزمن، تسللت بهدوء إلى الروح المصرية، وصارت جزءًا من تعريف المصريين لأنفسهم، لا باعتبارهم أصحاب عقيدة واحدة، بل باعتبارهم أبناء أرض اعتادت أن تكون ملاذًا، ومفترق طرق، ومساحة اختبار أخلاقى مستمر.
الهوية المصرية، عبر تاريخها الطويل، لم تتكون من طبقة واحدة، هى هوية تراكمية، تراكمت عبر الأزمنة من الفرعونى للقبطي، ثم الإسلامي، دون أن يلغى أحدها الآخر، وفى هذا التداخل، لعبت رحلة العائلة المقدسة دورًا خاصًا، لأنها قدمت نموذجًا مبكرًا لفكرة "الاحتواء" بوصفها قيمة، فمصر التى احتضنت الطفل المسيح، عليه السلام، هى ذاتها التى احتضنت أنبياء، وأولياء، وعابرين، ولاجئين، دون أن تفقد قدرتها على الاستمرار.
ومع الوقت صار المسار المقدس والأرض التى سارت عليها العذراء الطيبة وابنها والقديس يوسف النجار جزءا من الهوية المصرية، فما جرى هنا لم يحدث فى أى مكان آخر من العالم، لا مسار للعائلة المقدسة إلا فى مصر، وهذه نقطة مهمة يمكن البناء عليها كثيرا، وخصوصية لها دلالتها على كل المستويات، وفى مقدمتها ما يتعلق بشخصية مصر.
الرحلة.. قيمة دائمة
لم تكن أبدًا مجرد رحلة عابرة فى بر مصر، لكنها دلالة مهمة، على أن هذه الأرض تستحق الكثير، وأن لدينا تاريخنا الذى نفخر به أمام الأمم جميعا، ويمكن لنا أن نخرج من هذا الأمر بعدة دروس منها:
الدرس الأول الذى تقدمه الرحلة هو أن الأمان مسئولية، فمصر، فى هذه القصة، لم تُمنح دور الملاذ بالصدفة، بل قامت به، الأرض هنا لم تكتف بالصمت، بل وفرت شروط الحماية.
الدرس الثانى يتعلق بفكرة القوة، فالرحلة لا تمجد القوة الصاخبة، بل إن القوة، كما هى القدرة على حماية الضعيف دون ضجيج، وعلى اتخاذ القرار الصعب فى لحظة خوف، وعلى الاستمرار رغم التعب، هذه القوة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.
أما الدرس الثالث فيتعلق بالمعنى الإنسانى للحدود، فالرحلة تعبر حدودًا دون أن تنكرها، لكنها لا تجعل منها جدرانًا أخلاقية، الدخول إلى مصر لم يكن إنكارًا للانتماء الأول، بل بحثًا عن حماية مؤقتة، هذا الفهم يفتح بابًا لإعادة التفكير فى مفهوم الوطن بوصفه مكانًا يمنح الأمان حين يضيق العالم.
وفى النهاية لا تبدو الرحلة دعوة إلى الحنين، بل دعوة إلى المسئولية، فالحنين يكتفى بالبكاء على الماضي، أما المسئولية فتسأل: كيف نكون جديرين بالذاكرة التى نحتفى بها؟
ستظل رحلة العائلة المقدسة، ويظل هذا المسار الذى ستقدمه مصر للعالم أجمع دليل على أننا بلد الأمن والأمان، بلد حضارة وتاريخ ومستقبل أيضا.
