لا يمكن التعامل مع بطولة كأس الأمم الأفريقية على أساس أنها مجرد حدث رياضي، بل تتحول في كل دورة إلى مهرجان ثقافي واسع، تتداخل فيه كرة القدم مع الموسيقى والرقص والطقوس الشعبية والرموز التاريخية، لتصبح البطولة مساحة نادرة يظهر فيها الوجه الثقافي لأفريقيا بكل تنوعه وثرائه.
تحمل حفلات افتتاح كأس الأمم الأفريقية دلالات تتجاوز العرض البصري، فهي عادةً استعراض لهوية البلد المضيف وتاريخه، من الأزياء التقليدية، إلى الإيقاعات المحلية، وصولًا إلى استدعاء الأساطير والحكايات الشعبية، يتحول الملعب إلى مسرح مفتوح يقدم فيه سرد مختصر لتاريخ أفريقيا، بوصفها قارة متعددة الأصوات لا تختزل في نموذج واحد.
في المدرجات، تظهر الثقافة الأفريقية في أكثر صورها عفوية، فالمشجع لا يأتي فقط لمتابعة المباراة، بل ليؤدي دورًا احتفاليًا كاملًا، رقص جماعي، أناشيد بلغات محلية، طبول وأقنعة وألوان مستوحاة من التراث الشعبي.
وتختلف هذه الطقوس من بلد إلى آخر، فمشجعو غانا يستحضرون رموز "النجوم السوداء"، بينما يعبر جمهور السنغال عن حضوره بإيقاعات قريبة من الموسيقى الصوفية، في حين يحمل جمهور مصر شعارات ترتبط بالهوية الوطنية والتاريخ الكروي الطويل، والحضارة المصرية القديمة.
ولا يقتصر البعد الثقافي على المدرجات، بل يمتد إلى داخل الملعب. فأساليب اللعب كثيرًا ما تعكس طبيعة المجتمعات، فبينما منتخبات تعتمد على القوة البدنية والسرعة، كامتداد لثقافة الصراع مع الطبيعة والعمل الشاق، نجد أخرى تميل إلى المهارة والاستعراض، بوصف الكرة مساحة للتعبير الجمالي، وبعضها يجمع بين الانضباط التكتيكي والروح الجماعية، في انعكاس لتجارب حديثة في بناء الدولة والمؤسسة.
جمهور المغرب
في قارة تتعدد فيها اللغات واللهجات والديانات، تبدو كرة القدم اللغة الأكثر قدرة على الجمع، خلال البطولة، تختفي مؤقتًا الحدود السياسية، ويجلس مشجع من نيجيريا إلى جوار آخر من الكاميرون أو المغرب، في مشهد نادر للوحدة الأفريقية العابرة للخلافات.
وتلعب كأس الأمم الأفريقية دورًا مهمًا في تقديم صورة أفريقيا للعالم، بعيدًا عن القوالب النمطية، فهي تظهر القارة بوصفها فضاءً حيًا للإبداع والاحتفال والقدرة على التنظيم، وتمنح الدول المضيفة فرصة لإعادة تعريف نفسها ثقافيًا وسياحيًا، عبر الموسيقى والطعام والحرف والملابس التي ترافق الحدث.
وتنتهي المباراة، لكن الأثر الثقافي يبقى، فالأغاني التي تُردد في المدرجات، والرقصات التي تنتشر على الشاشات، والصور التي تتداولها وسائل الإعلام، تظل شاهدة على أن كأس الأمم الأفريقية ليست بطولة لكرة القدم فقط، بل مناسبة تتجدد فيها روح القارة، وتعيد تأكيد أن الثقافة، مثل الكرة، قادرة على توحيد الشعوب حتى في أشد لحظات التنافس.