ونحن في أيام مباركة تملؤها فرحة الأعياد، يوجد على النقيض في الجانب الأخر امرأة وأم وإبنة وأخت وطفلة صغيرة تتضرع مرارة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وما يرافقها من استهداف واسع للمدنيين، وفرض حصار مشدد يعرقل دخول المساعدات الإنسانية.
آلاف الأرامل والأمهات يتحملن أعباء الحياة وسط انهيار كامل للخدمات
وفي خضم هذه الهجمات والجرائم المستمرة، أصدر مركز الميزان لحقوق الإنسان في فلسطين تقريره عن مدى تحمل المرأة الفلسطينية ما لا يمكن أن يتحمله بشر في أيام تنعم فيها المرأة في الدول الأخرى بحقوقها وخاصة الحق في الأمان، تتحمل النساء الفلسطينيات في غزة عبئاً مضاعفاً، إذ يتعرضن للقتل والإصابة والتهجير، ويواجهن نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، فيما تضطر كثير منهن، خاصة اللواتي فقدن معيلهن، إلى تحمل مسؤولية رعاية أطفالهن وأسرهن في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة.
أرقام صادمة للضحايا ودعوة لتدخل دولي عاجل
وأشار التقرير إلى المعلومات الواردة من وزارة الصحة الفلسطينية، التي أثبتت أن الهجمات الحربية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن تسببت في استشهاد "72,126" فلسطيني ممن وصلوا إلى المستشفيات، من بينهم حوالي "12,500" من النساء، كما تعرضن للإصابات المباشرة، إذ تشير الأرقام المتوفرة أن النساء والأطفال الذين أصيبوا شكلوا حوالي "40%" من مجموع الجرحى والمصابين البالغ عددهم "171,809"، في حين تعمقت معاناتهن النفسية والجسدية نتيجة فقدانهن أحد أفراد أسرهن كالأب، والأم، والزوج.
كما أن هناك أكثر من "6,020" أسرة فقدت غالبية أفرادها، وغالباً ما بقي فيها ناج واحد فقط، غالباً امرأة أو طفل، كما فقدت" 21,193 "امرأة أزواجهن ليصبحن أرامل، واستشهد" 22,426" من الآباء.
وهذا يعني أن آلاف الأسر فقدت المعيل الأساسي، لتصبح المرأة وحدها مسؤولة عن إعالة نفسها وأطفالها في ظروف إنسانية واقتصادية قاسية، ما يزيد من تعرضها للخطر أثناء سعيها لتأمين الغذاء والمأوى.
وجع النساء في غزة.. أمهات بلا مأوى وأرامل بلا سند
ويستمر تفاقم المخاطر التي تواجهها النساء في قطاع غزة في ظل تراجع قدرتهن على إدارة شؤون حياتهن اليومية وتوفير الاحتياجات الأساسية لأسرهن، خاصة مع الاستهداف الواسع للقطاعات الاقتصادية وشلل المنشآت الإنتاجية، وتدمير مرافق البنية التحتية بما في ذلك المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، إلى جانب حظر دخول الوقود وغاز الطهي وتعطل حركة المواصلات نتيجة انتشار الركام في الطرقات.
وعلى جانب أخر أكد التقرير أن النساء في غزة تعيش ظروفاً مأساوية بسبب استهداف الإسكان ونقص المأوى، واضطرارهن للعيش في خيام أو مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة. تفاقمت معاناتهن بسبب انهيار الخدمات الصحية ونقص مواد التعقيم والرعاية الخاصة بالحمل، ما أثر على صحتهن الجسدية والنفسية. وتواجه 75% منهن الاكتئاب و62% الأرق و65% القلق والكوابيس، مع تحمل أعباء مضاعفة لرعاية الأطفال وتأمين الغذاء والماء في ظروف النزوح والفقر.
تقرير الميزان يكشف معاناة نفسية وجسدية غير مسبوقة في ظل الحرب
وتابع التقرير الصادر عن مركز الميزان لحقوق الإنسان في فلسطين أن النساء الحوامل والنفاس تعانى من عدم قدرتهن على توفير المواد الغذائية الغنية بالبروتينات، والحصول على المكملات الغذائية، كما تضاعفت المخاطر على النساء المريضات نتيجة العجز في الأدوية والمستلزمات الطبية، ونقص الكوادر الطبية المتخصصة، ومنع دخول المعدات الطبية التخصصية، وتقييد حركة الوفود الطبية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على النساء خاصة مريضات السرطان، والفشل الكلوي اللواتي يواجهن مخاطر حقيقية على حياتهن، لاسيما بعد تدمير وحرق محتويات المرفق الوحيد لمرضى السرطان مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، وتدمير أجهزة غسيل الكلى، لاسيما في ظل إغلاق معبر رفح، حيث ينتظر الجرحى والمرضى السماح لهم بالسفر للعلاج واستكماله في الخارج.
قوات الاحتلال الإسرائيلي تستهدف النساء الفلسطينيات والانتقام منهن
وأكد التقرير استنكار المركز لاستمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في استهداف النساء الفلسطينيات والانتقام منهن، وممارسة العنف الجسدي ضدهن، وتعمد مضاعفة معاناتهن من خلال وضعهن بيئة قاسية ومعقدة، وفرض قيود مشددة على حرية الحركة والتنقل وحظر دخول المواد الأساسية اللازمة لحياتهن بالرغم من الحماية الصريحة والخاصة التي يوفرها القانون الدولي لهن.
ولذلك ومن شدة الانتهاكات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وخاصة المرأة الغزاوية المجردة من كافة حقوقها، يطالب مركز الميزان لحقوق الإنسان الفلسطيني المجتمع الدولي بالقيام بواجباته، والتدخل العاجل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، وإجبار اسرائيل على الامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية، ووقف سياسة التجويع، وفرض وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء الحصار المفروض على القطاع فوراً.
ويطالب المركز بسرعة توفير المعدات والأجهزة الطبية في المراكز والعيادات الصحية، وضمان إدخال المساعدات والمواد الغذائية، وتوفير الوقود والمواد المخبرية واللوازم الصحية، كما يناشد المؤسسات الدولية وخاصة المعنية بالمرأة، تكثيف جهودها في المناصرة والدعم وتسليط الضوء على واقع المرأة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، للوقوف على حجم الإنتهاكات والعنف الذي تتعرض له النساء الفلسطينيات.