لطالما ساد الجدل حول شخصية يوسف شاهين؛ فبينما رآه البعض عبقرياً متفرداً، اتهمه آخرون بالجنون أو ادعاء التميز. لكن القراءة المتأملة لسلوكه الشخصي وإيقاعه السينمائي تقودنا إلى فرضية نفسية-فنية مثيرة: هل كان شاهين يجسد حالة متطرفة من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) بمفهومه الإبداعي؟
إن ما قد يبدو اضطراباً في العرف الطبي، كان لدى شاهين "وقوداً كونيّاً" ومحركاً لخلق عالم سينمائي لا يعرف السكون. هو ليس مجرد مخرج، بل فنان مصاب بـ "فرط الوعي"، حيث يمتزج الانتباه لكل تفصيل بانفعال حسي لا يهدأ.
1. فرط الانتباه: قراءة تشنجات الواقع في سينما شاهين، لا وجود للمصادفة. الانتباه المفرط لديه لم يكن تشتتاً، بل قدرة فائقة على التقاط "ملمس" الحياة. في فيلم (الأرض)، يتجلى هذا الوعي في تصوير الجسد والتراب، كأنه يعيش داخل كل ذرة غبار. اللقطة عنده لا تحكي مشهداً بل تُحلل انفعالاً؛ هي بصمة الشخص الذي يرى العالم بوضوح حاد يفوق طاقة البشر العاديين.
2. فيض الحركة كغريزة بقاء فنية فرط الحركة لدى شاهين لم يكن عرضاً عصبياً، بل كان "دينامو" يقود به فريقه. خلف الكواليس، كان يشرح عشر أفكار في دقيقة واحدة، يضحك ويصرخ ويتحرك في كل الاتجاهات. أما على الشاشة، فأفلامه تشبه ذاكرة قلقة، تنتقل من الذاتي إلى التاريخي ومن الخاص إلى العام بلا توقف، كما في (إسكندرية ليه؟)، حيث تتحول الحياة إلى بانوراما متسارعة ترفض السكون.
3. الانفعال المفرط: الجسد كأداة سرد لم يكن شاهين يخرج الأفلام فحسب، بل كان يختبرها بجسده وروحه. "فرط الإحساس" لديه حول الألم الشخصي إلى مادة خام للفن. في نموذج شخصية "قناوي" بفيلم (باب الحديد)، لم يكن شاهين يمثل؛ كان يحترق. الارتعاش في صوته وتوتر جسده المنهك كانت نوافذ مفتوحة على داخله المشتعل، مما جعل الانفعال منهجاً جمالياً وليس مجرد حالة عابرة.
4. التشتت المنظّم: هندسة الفوضى عقل شاهين لم يقرأ العالم في خط مستقيم، بل في دوائر متقاطعة، وهو ما يفسر بنية أفلامه المعقدة. في (حدوتة مصرية)، تداخلت الأزمنة والشخصيات والمستويات السردية بطريقة قد تبدو "مشتتة"، لكنها في الحقيقة "فوضى مقصودة" تعكس نشاط مخ بشري لا ينام، يرى الروابط بين الأشياء البعيدة بدقة تدهش المراقب.
5. الاندفاع بوصفه فلسفة "الصدق اللحظي" الاندفاع الذي وُصف بالتهور أو العصبية كان في جوهره إيماناً بأن الطاقة إذا لم تُصرف في لحظتها فقدت معناها. لم يكن شاهين "يحسب خطواته" بالمعنى التقليدي، بل كان يقفز باتجاه إيمانه، كما فعل في فيلم (العصفور). الصدق لديه كان يتطلب سرعة انفعال، والبطء بالنسبة له كان مرادفاً للموت الفني.
ان العقل المفرط الحساسية والسرعه في محاولة التعبير
إذا طبقنا مفاهيم علم النفس الحديث، فإن يوسف شاهين هو النموذج الأكمل لـ "العقل المفرط الحساسية" (Highly Sensitive Mind). هو عقل يلتقط أدق الذبذبات، يتألم بسرعة، ويبدع بسرعة أكبر. إن شاهين لم "يعانِ" من الـ ADHD، بل طوّعه ليصبح الوقود الذي أشعل أعظم لقطات الوعي في تاريخ السينما العربية. هو الكائن الذي عاش كما صوّر: بسرعة، بانفعال، وبوعي يتجاوز قدرتنا على الاحتمال.