في ظل ما يشهده العالم من تحديات بيئية متصاعدة، وعلى رأسها ندرة المياه وتغير المناخ، يكتسب عيد الغطاس المجيد في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أبعادًا تتجاوز الاحتفال الديني التقليدي. فالعيد، الذي يقوم جوهره على تقديس الماء باعتباره رمز الحياة والنقاء، يفتح بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة، ودور الإيمان في ترسيخ سلوك بيئي أكثر وعيًا ومسؤولية.
ومن داخل الكنائس، وبين الصلوات والطقوس، تتشكل رسالة هادئة لكنها عميقة: الماء ليس موردًا عابرًا، بل نعمة إلهية وأمانة يجب الحفاظ عليها.
عيد الغطاس.. قدسية الماء في قلب العقيدة الأرثوذكسية
يُعد عيد الغطاس المجيد، المعروف أيضًا بـ«عيد الظهور الإلهي»، أحد الأعياد السيدية الكبرى في الكنيسة الأرثوذكسية، ويرتبط بذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن.
في هذا العيد، يحتل الماء مركز الصدارة في الطقس الكنسي، من خلال صلاة اللقان، حيث يُبارك الماء باعتباره علامة للحياة الجديدة والتجديد الروحي. هذا الحضور القوي للماء في العبادة يعكس رؤية دينية عميقة ترى في الطبيعة شريكًا في التعبير عن الإيمان، وليس مجرد خلفية صامتة للطقوس.
من الطقس إلى الواقع: كيف تتحول الرمزية إلى رسالة بيئية؟
خلال عظات عيد الغطاس، يحرص العديد من الآباء الكهنة على الربط بين المعنى الروحي للعيد وسلوك الإنسان اليومي. فالحديث عن تقديس الماء يقترن غالبًا بالتأكيد على ضرورة عدم إهداره أو تلويثه، باعتبار ذلك تناقضًا مع جوهر العيد نفسه.
بهذا المعنى، يتحول الطقس من ممارسة دينية إلى رسالة تربوية، تُغرس في وعي المصلين دون خطاب مباشر أو شعارات، وإنما من خلال الربط بين الإيمان والسلوك.
الماء نعمة وأمانة.. رؤية كنسية معاصرة
تؤكد الكنيسة في خطابها المتجدد أن الإنسان ليس مالكًا للطبيعة، بل أمينًا عليها. ويبرز عيد الغطاس كنقطة مناسبة لتجديد هذا المفهوم، خاصة في ظل الأزمات المائية التي تواجهها دول كثيرة، من بينها مصر.
ويرى باحثون في الشأن الكنسي أن استدعاء البعد البيئي في المناسبات الدينية الكبرى يسهم في بناء وعي مجتمعي طويل الأمد، لأن الخطاب الديني يصل إلى شرائح واسعة من المجتمع، ويؤثر في تشكيل القيم والسلوكيات اليومية.
الغطاس والطبيعة.. احتفال يمتد خارج جدران الكنيسة
لا يتوقف حضور عيد الغطاس عند حدود الكنيسة، بل يمتد إلى المجال العام. فبعد القداسات، تتجه كثير من الأسر إلى الحدائق والمساحات المفتوحة، في مشهد يعكس ارتباط العيد بالهواء الطلق والطبيعة.
هذا الامتداد المجتمعي يمنح العيد بعدًا بيئيًا غير مباشر، حيث تصبح النظافة، واحترام المكان العام، وعدم الإضرار بالمساحات الخضراء، جزءًا من السلوك المرتبط بالاحتفال.
الكنيسة والبيئة: خطاب يتطور مع تحديات العصر
شهد الخطاب الكنسي خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في تناوله لقضايا البيئة، متأثرًا بالتغيرات المناخية العالمية، وبتزايد الوعي بأهمية الاستدامة.
وأصبح الحديث عن ترشيد استهلاك المياه والحفاظ على الموارد الطبيعية حاضرًا في عظات ومناسبات دينية عدة، ويأتي عيد الغطاس في مقدمتها، لما يحمله من رمزية قوية تجعل الربط بين الإيمان والبيئة أمرًا طبيعيًا وغير مفتعل.
دور الأسرة والمدرسة الكنسية في ترسيخ الوعي البيئي
تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في تحويل رسالة عيد الغطاس إلى ممارسة يومية، من خلال تعليم الأطفال أن الحفاظ على المياه سلوك يعكس احترام النعمة الإلهية.
كما تساهم مدارس الأحد والأنشطة الكنسية في تقديم مفاهيم بيئية مبسطة للأطفال، تربط بين الطقس الديني والحياة اليومية، وهو ما يساعد على تنشئة جيل أكثر وعيًا بقضايا البيئة.
بين الإيمان والسلوك: الغطاس كنقطة التقاء
يمثل عيد الغطاس نموذجًا واضحًا لكيفية التقاء البعد الروحي بالقضايا المجتمعية المعاصرة. فبينما تحتفل الكنيسة بسر المعمودية وتقديس الماء، تتسع الدائرة لتشمل دعوة غير مباشرة إلى حماية الطبيعة، واحترام الموارد، والنظر إلى البيئة باعتبارها جزءًا من رسالة الإنسان على الأرض.
في عالم يواجه تحديات بيئية متزايدة، يبرز عيد الغطاس المجيد كفرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالماء والطبيعة. فمن خلال طقس ديني عميق الجذور، تقدم الكنيسة خطابًا هادئًا يربط بين الإيمان والسلوك البيئي، ويؤكد أن حماية الموارد الطبيعية ليست مسؤولية علمية أو اقتصادية فقط، بل التزام أخلاقي وروحي أيضًا.
هكذا يتحول عيد الغطاس من مجرد مناسبة كنسية إلى دعوة مفتوحة لاحترام نعمة الماء، وصون الطبيعة، وبناء وعي مجتمعي أكثر اتزانًا واستدامة.