في عالم القوة والضعف، والانتصار والهزيمة، دائمًا ما يحاكي الضعيفُ القويَّ، والمهزومُ المنتصرَ. وبعيدًا عن هذا وذاك، لماذا نحاكي غيرنا لنثبت لهم أننا أصحاب مدنية، وكأن الحضارة تقتصر على الشكل والمظهر؟ وبهذا نظن أننا حققنا ما حققه غيرنا في عالم الرقي والحضارة، فلا عصمة تمنعنا من دين أو أعراف، فنرتدي - كما يقولون - قشرة الحضارة، ونترك الجوهر والأساس إلى ما يبدو على السطح، فنعاني من هوس التقليد دون معرفة الماهيات التي أدت إلى ما يظهر.
ولا بأس بالمحاكاة إن كانت فيما يمس الجوهر، وفي التماس القواعد التي بها صار القوي قويًا. فمثلًا، نأخذ بالأصول التي أدت إلى النهوض بالتعليم، ونتبعها، ونأخذ منها ما يناسبنا، فيكون الاختيار هنا مدروسًا، والمحاكاة منطقية، تساعد على النهوض، وابتعاث روح الحضارة، والسعي بخطى ثابتة في إتمام المشروع الذي ننشده.
أما غير ذلك، فإنما هو دليل ضعف وهوان؛ فالحضارة الإنسانية اليوم متكاملة، يعتمد بعضها على بعض، والكل يسهم في بنائها. وعلى هذا الأساس، فإن الأمة اليقظة هي التي تأخذ لتكمل مسيرة البناء، ويكون لها الدور المنوط بها. أما الافتتان الأعمى، والتقليد غير المختار، فهو ما يجعل الأمة مستهلكة لا إنتاج لها في ميدان الحضارة.
ولم تبنِ الأمم الأوروبية حضارتها إلا بالانتقاء والاختيار الصحيح من الحضارات السابقة، ولولا ذلك لما وصلت إلى ما وصلت إليه. وليس في هذا عيب، وإنما هو الاجتهاد الذي صنع حضارة غربية قوية، قائمة على أسس راسخة.
فعلينا، كما ننقل المظاهر بكل أمانة، أن ننقل أيضًا العلوم التي كانت السبب الأول في صناعتها، وأن نسلك في علومنا وآدابنا نهجًا قويمًا، ونستفيد من علومهم الحديثة بما تنهض به معارفنا. فهي الثروات الحقيقية في علوم الاجتماع، وعلم النفس، والأدب، والفيزياء، والكيمياء، والفنون، وغيرها. وهذه العلوم تدعم معرفتنا، وتفتح لنا آفاقًا عظيمة.
ويكون على رأس ذلك الانتقاءُ الواعي لما يجب علينا أخذه، وما ينبغي لنا تركه. فتوجد لجان متخصصة في كل علم وفن، تساعد على الاختيار والنقل، وتميز بين ما يصلح وما لا يصلح.
ولك أن تتخيل ما آل إليه نظام التعليم عندنا؛ فالسبب الرئيس أننا نطبق النظم تطبيقًا آليًا من حيث الشكل، دون دراسة قواعدها وأصولها، ودون النظر فيما إذا كانت تتناسب مع واقعنا أم لا. فيبدو النظام ظاهريًا منظمًا، أما النتائج فهي كوارث، أو - على أقل تقدير - بلا نتائج ولا نفع في بناء العقول والنفوس.
فينتشر الإسفاف، ويعم الجهل المقنع بزي العلم؛ لأن القواعد التي تقوم عليها قوة العقول قد هُدمت. وترتفع الأصوات كل يوم بأنها الحداثة، وأنها الجديد، وأنها آخر ما وصلت إليه الأمم في مسيرة تقدمها. ويهتف المتواطئون وأصحاب المصالح ببقاء أمة بلا هوية، ضحلة ومتخلفة، تسوقها الأمم الأخرى لمصالحها، وهي تشد الحبل على عنقها بيدها، ولم تتكاتف للنهوض، بل أصبحت عالة على غيرها في توفير احتياجاتها الأساسية وغير الأساسية، وبعيدة عن المشاركة الفاعلة في بناء الحضارة الإنسانية.