كشف فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي عن صدور أوامر مباشرة من قيادات في ميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم اغتصاب وقتل خلال الهجوم على مدينة الفاشر واجتياحها قبل تمكن الدعم السريع من السيطرة عليها في أكتوبر 2025، وفق تقرير رفعه الفريق إلى مجلس الأمن.
ووثق التقرير الذى تم تسريبه ونشرت تفاصيله وسائل إعلام سودانية، استنادًا إلى شهادات ومعلومات جمعها فريق الخبراء، عمليات قتل وإعدام واحتجاز وتعذيب وعنف جنسي واختطاف مقابل فدية، كما حدد عددًا من القيادات التي قال إنها تولت أدوارًا رئيسية خلال حصار الفاشر والهجوم عليها.
حصار استمر 18 شهرًا
سيطرت الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار بري استمر 18 شهرًا، شهد منع وصول الإمدادات والأغذية إلى المدينة، إلى جانب تدمير مصادر المياه والمرافق الصحية والأسواق ومتاجر التجزئة.
وقال فريق الخبراء إن المدنيين عاشوا خلال فترة الحصار حرب مدن اتسمت بالقصف المدفعي الثقيل والمواجهات البرية بين الدعم السريع والقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني.
وأشار التقرير إلى تفاقم القيود على طرق التجارة وإمدادات الغذاء والمواد الأساسية، فضلًا عن صعوبة الحصول على المياه والخدمات الطبية.
وخلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2025، استخدمت الدعم السريع المسيّرات والمدفعية الثقيلة، قبل أن تكثف هجماتها في الأيام التي سبقت السيطرة على المدينة.
70 جثة في شوارع الفاشر
وأفاد أحد الشهود، وفق التقرير، بأنه كان يحتمي في حي الدرجة الأولى عندما شاهد أكثر من 70 جثة مكدسة في الشوارع، وفي يوم سقوط المدينة، تجمع آلاف المدنيين والمقاتلين السابقين في شوارع الدرجة الأولى وأبو شوك، في محاولة للفرار، وضمت مجموعات الفارين رجالًا وشبانًا ونساء وأطفالًا.
وقال فريق الخبراء إن مقاتلي الدعم السريع لاحقوا مجموعات الفارين، بينما شوهدت جثث مكدسة في الشوارع وعلى الطريق الخارج من الفاشر غربًا، بينها جثث نساء وأطفال.
وأشار التقرير إلى أن الحصيلة الإجمالية للقتلى يصعب التحقق منها، لكنه قال إن تحليله يتفق مع تقديرات مفوضية حقوق الإنسان التي تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 4,400 شخص داخل المدينة و1,600 شخص أثناء محاولتهم الفرار.
مداهمات وإعدامات داخل الأحياء
وثق فريق الخبراء تنفيذ مقاتلي الدعم السريع مداهمات من منزل إلى آخر في حي الدرجة الأولى، استهدفت رجالًا وشبانًا يشتبه في انتمائهم إلى الجيش السوداني أو القوة المشتركة، ووفق التقرير، جرى اعتقال أشخاص آخرين للاشتباه في كونهم مقاتلين أو مؤيدين، كما تعرضت الممتلكات والسيارات للنهب.
وأكدت روايات مباشرة وقوع عمليات إعدام، بينها شهادة امرأة قالت إن شقيقها قتل بالرصاص أمام عينيها.
كما تحدث شهود عن رؤية مئات الجثث أثناء فرارهم باتجاه قرية قرني، وعن تعرض المدنيين للهجوم والنهب، ومقتل رجال وشبان واغتصاب نساء وفتيات.
نقطة تفتيش لفرز الفارين
وكشف التقرير أن ميليشيا الدعم السريع أغلقت الطريق المؤدي إلى قرية قرني، واحتجزت الرجال والشبان ضمن مجموعات المدنيين الفارين، وسُمح لمعظم النساء والأطفال وكبار السن بالعبور من نقطة التفتيش، بينما أُعدم أشخاص حاولوا مقاومة احتجاز واقتياد أفراد من عائلاتهم.
وقالت إحدى الشاهدات إنها رأت إعدام ثمانية أشخاص من مجموعتها عند نقطة التفتيش، بينما أفادت شاهدة أخرى بأنها شاهدت والدتها تُقتل بعدما حاولت منع مقاتلين من اقتياد بناتها.
وذكر التقرير أن عدد المحتجزين تجاوز 4 آلاف شخص، وأُجبروا على الجلوس تحت الشمس، وتعرضوا للإهانات والتهديد والضرب.كما خضع من اشتبه في كونهم قادة في القوة المشتركة للاستجواب والتعذيب، وأُعدم بعضهم.
ساتر ترابي بطول 57 كيلومترًا
وأشار فريق الخبراء الأمميون، إلى أن عناصر من الدعم السريع شيدت ساترًا ترابيًا بطول 57 كيلومترًا حول الفاشر، وعززت سيطرتها على نقاط الخروج من المدينة، وقال التقرير إن هذه الإجراءات حالت دون وصول السلع إلى المدنيين المحاصرين ومنعت الفرار من المدينة.
وخلال السيطرة على الفاشر، احتجزت الدعم السريع آلاف الأشخاص في مواقع متعددة داخل المدينة، بينهم نساء وأطفال.
وتحقق الفريق من ستة مواقع احتجاز، شملت المستشفى التخصصي للأطفال، والميناء البري، وسجن شالا، ومركز المنهل في وسط المدينة، وموقعًا داخل مخيم للنازحين.
كما استخدمت ميليشيا الدعم السريع، بحسب التقرير، منازل ومبانٍ مهجورة كمواقع احتجاز غير رسمية، واحتُجز مدنيون في قرى مجاورة، بينها شقرة وكورما وأم جلبخ.
وقال التقرير إن مئات الوفيات وقعت داخل مواقع الاحتجاز، بينها عمليات إعدام، نتيجة التعذيب وسوء المعاملة.
6 آلاف محتجز نُقلوا إلى نيالا
وذكر فريق الخبراء أن الدعم السريع نقلت نحو 6 آلاف شخص إلى سجن دقريس في نيالا بولاية جنوب دارفور، كما وثق الفريق احتجاز النساء والأطفال في مواقع غير رسمية، وأشار إلى تعرض المحتجزات للعنف الجنسي.
أوامر مباشرة من قادة الدعم بالاغتصاب والقتل
وكشف التقرير عن حصول فريق الخبراء على معلومات من أحد قادة الدعم السريع تؤكد صدور أوامر مباشرة من كبار القادة بارتكاب الاغتصاب ضد نساء وفتيات ينتمين إلى مجتمعات محددة غير عربية خلال الحرب على الفاشر والسيطرة عليها.
وقال الفريق إن كبار قادة الدعم السريع شجعوا على ارتكاب الاغتصاب والعنف الجنسي، من خلال توجيهات صريحة بالقتل والاغتصاب، كما تحدث التقرير عن اختطاف نساء ورجال وشبان وأطفال مقابل الحصول على فدية مالية، وفقا لصحيفة سودان تربيون.
وأُجبرت أسر المحتجزين على دفع مبالغ تراوحت بين مليون و30 مليون جنيه سوداني، بما يعادل نحو 300 إلى 10 آلاف دولار، مقابل الإفراج عن ذويهم.
وقال التقرير إن النساء المختطفات تعرضن للاغتصاب عدة مرات، بينما تعرض أشخاص عجزوا عن دفع الفدية للإهانة والضرب، وأُعدم بعضهم.
تحقق من تحويلات مالية للفديات
وأفاد فريق الخبراء بأن عمليات الاختطاف مقابل الفدية كانت واسعة النطاق ومنظمة بين قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها.
وقال أشخاص قابلهم الفريق إنهم اضطروا إلى دفع أموال للإفراج عنهم، أو دفعوا مقابل نقلهم بمركبات تسيطر عليها الدعم السريع للوصول إلى مناطق أخرى، بينها طويلة.
كما احتُجز أشخاص تمكنوا من الفرار في قرى شقرة وكورما وأم جلبخ، وتعرضوا للابتزاز مقابل الإفراج عنهم، وقال الفريق الأممي إنه تحقق من دفع فديات مالية عبر ستة حسابات مصرفية، تراوحت مبالغها بين 5 آلاف و3 ملايين جنيه سوداني، بإجمالي بلغ 88 ألف دولار.
تحديد قيادات شاركت في الهجوم
سمى التقرير عددًا من قيادات الدعم السريع التي قال فريق الخبراء إنه تحقق من أدوارها خلال حصار الفاشر والهجوم عليها والسيطرة على المدينة.
وفي مقدمة هذه القيادات عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد الدعم السريع، الذي تحقق الفريق من وجوده أثناء السيطرة على مقر قيادة الفرقة السادسة مشاة خلال اقتحام مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، ووصفه بأنه كان أعلى القادة رتبة أثناء السيطرة على الفاشر.
كما ذكر التقرير اللواء النور أحمد آدم "القبة"، الذي كان ضمن القيادة العليا للدعم السريع وعلى اتصال مباشر بعبد الرحيم دقلو، وقال إنه لعب دورًا قياديًا وكان مصدرًا للأوامر المباشرة خلال حرب المدن والسيطرة على الفاشر، قبل أن ينفصل عن الدعم السريع وينضم للجيش السوداني.
ووضع الفريق جدو حمدان "أبو نشوك"، قائد قطاع الفاشر، في المرتبة الثالثة، وقال إنه تحقق من وجوده خلال اقتحام الفرقة السادسة، وإنه كان يدير العمليات في الفاشر منذ 14 يونيو 2023.
وذكر التقرير أن النور القبة انشق عن الدعم السريع في أبريل 2026 وانضم إلى الجيش، بينما انضم السافنا إلى الجيش في الشهر التالي، ووصل الاثنان إلى الخرطوم بعد حصولهما على عفو من قائد الجيش السوداني.
كما تحقق الفريق من وجود التجاني إبراهيم موسى محمد "الزير سالم" أثناء السيطرة على المدينة، بوصفه قائدًا بارزًا أصدر الأوامر وشارك في العمليات القتالية.
واتهم التقرير الفاتح عبد الله إدريس آدم "أبو لولو" بتنفيذ إعدامات موجزة بحق رجال عزل حاولوا الفرار من الفاشر.
مقتل مئات المدنيين في 27 أكتوبر
وبعد يوم واحد من سقوط الفاشر، وقعت اشتباكات في 27 أكتوبر 2025 قرب الساتر الترابي شرق بوابة قرني باتجاه جبل ونا، وشملت القافلة التي تعرضت للهجوم مركبات متعددة ومجموعة كبيرة من الأشخاص، بينهم مدنيون ومقاتلون مسلحون من الجيش والقوة المشتركة.
وقال التقرير إن مقاتلي الدعم السريع شنوا هجمات عشوائية أدت إلى مقتل مئات المدنيين، بينهم نساء حاولن الفرار مع القافلة، وأشار فريق الخبراء إلى تسجيلات مصورة قال إنها موثقة، وتظهر مقاتلي الدعم السريع وهم يتحركون على طول الساتر بين جثث متعددة لأشخاص يرتدون ملابس مدنية، كانت مبعثرة داخل الخندق وبالقرب من الساتر.
التقرير أمام مجلس الأمن
ويساعد فريق الخبراء لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، التي أنشئت عام 2005 بموجب القرار 1591، في متابعة تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور، ورصد حظر السفر وتجميد الأصول، والتحقيق في تمويل الجماعات المسلحة والعسكرية والسياسية ودورها في الهجمات على المدنيين.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن جلسة في 10 سبتمبر لمناقشة تقرير فريق الخبراء.
كما يتوقع أن يصوت المجلس على مشروع قرار لتمديد نظام العقوبات المفروض على السودان، والذي ينتهي في 12 سبتمبر، فيما تنتهي ولاية فريق الخبراء في 12 أكتوبر المقبل.