رنا أمين

فبركة بالذكاء الاصطناعي..أسرار محاولات غسيل العقول لتشويه الإنجازات الوطنية

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 10:43 ص


لم تعد معركة الوعي في عصر السوشيال ميديا تدور فقط حول ما يُقال، وإنما أصبحت تدور أيضًا حول كيف ومتى ولماذا يُقال. فمع كل إنجاز وطني أو مشروع جديد يلفت أنظار المواطنين، تظهر أحيانًا موجات من المحتوى المضلل، تتنوع بين صور قديمة يُعاد تقديمها باعتبارها حديثة، ومقاطع فيديو مجتزأة من سياقها، ومعلومات مجهولة المصدر، وصولًا إلى محتوى جرى إنتاجه أو التلاعب به باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا المشهد، تبرز محاولات جماعة الإخوان الإرهابية والمنصات المرتبطة بها لتوظيف أدوات الدعاية الرقمية في إعادة صياغة الأحداث وفق رواية سلبية تستهدف التأثير في وعي الجمهور وتشويه صورة الإنجازات الوطنية، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقدرة الخوارزميات على دفع المحتوى الأكثر إثارة للجدل إلى مساحات أوسع من الجمهور.

فكلما ظهر إنجاز وطني يحظى باهتمام المواطنين، تبدأ بعض الحسابات والصفحات في التعامل معه باعتباره فرصة لإعادة تدوير روايات سلبية قديمة أو اختلاق روايات جديدة. إلا أن الفكرة هنا لا تعتمد بالضرورة على اختراع قصة كاملة من الصفر، وإنما على انتقاء جزء من الحقيقة وإخفاء باقي الصورة، أو استخدام معلومة صحيحة في سياق مضلل، بما يجعل المتلقي أمام رواية تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تفقد معناها الحقيقي عند مراجعة التفاصيل.

وهذه إحدى أكثر أدوات التضليل تأثيرًا؛ لأن المحتوى لا يقدم نفسه باعتباره كذبة واضحة، وإنما يحاول بناء انطباع تدريجي لدى المتلقي.

الذكاء الاصطناعي يدخل على خط التضليل

ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت صناعة المحتوى المزيف أكثر سهولة من أي وقت مضى؛ فصورة يمكن تعديل تفاصيلها، وصوت يمكن تقليده، وفيديو يمكن التلاعب بمضمونه، ونص يمكن صياغته بطريقة تبدو وكأنه صادر عن جهة رسمية أو شخصية معروفة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالمتلقي لم يعد يواجه مجرد شائعة مكتوبة، وإنما محتوى مصممًا ليبدو حقيقيًا ومقنعًا وقابلًا للمشاركة. ولذلك، فإن التعامل مع أي صورة أو فيديو باعتباره دليلًا لمجرد ظهوره على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح أمرًا شديد الخطورة، خصوصًا عندما يغيب المصدر الأصلي، أو يكون المحتوى مصحوبًا بعنوان صادم يدفع المستخدم إلى المشاركة قبل التحقق.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يظهر المحتوى المضلل في توقيت الإنجازات؟

فطرح معلومة مضللة بالتزامن مع حدث يحظى باهتمام جماهيري يمكن أن يمنحها فرصة أكبر للانتشار؛ لأن الجمهور يكون بالفعل يبحث عن معلومات مرتبطة بالحدث. وهنا يمكن أن تتحول الشائعة إلى محاولة لصناعة سياق بديل للإنجاز؛ فبدلًا من أن يظل النقاش حول المشروع أو التطور الذي حدث، ينتقل الجدل إلى صورة مفبركة أو ادعاء مجهول أو فيديو قديم أُعيد نشره باعتباره حدثًا جديدًا.

وبهذه الطريقة، يصبح الهدف ليس فقط إنكار الإنجاز، وإنما سرقة الانتباه منه.

من الشائعة إلى «غسيل العقول»

الأخطر في حملات التضليل المتكررة أنها لا تعتمد على إقناع الشخص بكذبة واحدة، وإنما قد تعمل على بناء مجموعة متراكمة من الرسائل السلبية: منشور هنا، وصورة هناك، ومقطع فيديو خارج سياقه، وتعليق يحمل اتهامًا، ثم إعادة نشر من حسابات أخرى.

وبعد فترة، يبدأ المتلقي في الشعور بأن الرواية تكررت كثيرًا، وبالتالي لا بد أن يكون وراءها شيء من الحقيقة. وهنا تظهر إحدى أخطر آليات التأثير النفسي في البيئة الرقمية؛ فتكرار الادعاء قد يصنع لدى البعض شعورًا زائفًا بالمصداقية، حتى في غياب الدليل.

ومن هنا يمكن فهم مصطلح «غسيل العقول» في سياق الدعاية الرقمية باعتباره محاولة للتأثير التدريجي في طريقة تفكير الجمهور، من خلال تكرار رواية واحدة، وإغراق المساحة الرقمية بمحتوى متشابه، واستغلال الانفعالات بدلًا من تقديم الأدلة.

كما تعتمد الدعاية المضللة، في كثير من الأحيان، على المشاعر أكثر من اعتمادها على المعلومات؛ فالخوف والغضب والإحباط والسخرية والاستفزاز كلها مشاعر يمكن أن تدفع المستخدم إلى التفاعل والمشاركة بسرعة.

ولهذا نجد أن بعض المنشورات لا تبدأ بالمعلومة، وإنما تبدأ بسؤال صادم أو اتهام مباشر أو عبارة تستهدف مشاعر الجمهور، ثم يأتي الادعاء بعد ذلك. والنتيجة أن المستخدم قد يشارك المحتوى لأنه غاضب أو مصدوم، قبل أن يسأل نفسه: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل الصورة حديثة؟ وهل الفيديو كامل؟ وهل هناك مصدر رسمي يؤكدها؟

ولعل من أكثر أساليب التضليل انتشارًا إعادة استخدام محتوى قديم وربطه بحدث جديد؛ فصورة من سنوات سابقة يمكن تقديمها باعتبارها التُقطت اليوم، وفيديو من دولة أخرى يمكن تقديمه باعتباره حدثًا داخل مصر، وتصريح قديم يمكن إخراجه من سياقه وإعادة نشره وكأنه قيل حديثًا.

ورغم بساطة هذا الأسلوب، فإنه شديد التأثير؛ لأن الصورة أو الفيديو يمنحان الادعاء مظهرًا من مظاهر المصداقية. لكن البحث عن تاريخ نشر الصورة، ومصدر الفيديو الأصلي، وسياق التصريح، قد يكشف أن القصة مختلفة تمامًا.

لماذا تستهدف هذه الحملات الوعي قبل أي شيء؟

لأن التأثير في الرأي العام لا يحتاج دائمًا إلى إقناع الجميع؛ إذ يكفي أحيانًا أن تزرع الشك لدى جزء من الجمهور. فبدلًا من أن يقول الشخص: «هذا الإنجاز غير موجود»، قد يصل إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي: «ربما يكون صحيحًا، وربما يكون غير صحيح».

وهذه المنطقة الرمادية هي البيئة المثالية لانتشار الشائعات؛ لأن التشكيك المستمر يجعل الحقيقة تنافس روايات متعددة، حتى عندما تكون الأدلة متاحة.

لذلك، تصبح معركة الوعي أساسية في مواجهة التضليل، وليست مجرد معركة بين خبر صحيح وخبر كاذب.

المواطن هو خط الدفاع الأول

في مواجهة هذا النوع من الحملات، لا يكفي انتظار البيانات الرسمية لتصحيح كل شائعة؛ لأن سرعة انتشار المحتوى الرقمي قد تسبق أي عملية تحقق. وهنا يصبح المستخدم نفسه جزءًا من منظومة المواجهة.

وقبل مشاركة أي محتوى مثير، يجب التوقف عند عدة أسئلة بسيطة: من نشره؟ ومتى نُشر؟ وما المصدر الأصلي؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟ وهل الصورة أو الفيديو مرتبطان بالفعل بالحدث الذي يتحدث عنه المنشور؟

وفي حالة الصور والفيديوهات المصنوعة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي، يجب الانتباه إلى التفاصيل غير الطبيعية، مع البحث عن النسخة الأصلية وعدم الاكتفاء بالمحتوى المتداول.

الوعي أقوى من الفبركة

في النهاية، لا يمكن مواجهة التضليل بمجرد ملاحقة كل منشور مفبرك على حدة، وإنما ببناء جمهور أكثر قدرة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة للإبداع والتطور، لكنه يمكن أيضًا أن يُستغل في صناعة محتوى مضلل شديد الإقناع. كما يمكن للسوشيال ميديا أن تكون مساحة لنقل الإنجازات والحقائق، لكنها قد تتحول كذلك إلى بيئة خصبة لتضخيم الشائعات إذا غاب الوعي.

ولهذا، فإن مواجهة محاولات تشويه الإنجازات الوطنية لا تبدأ فقط من المؤسسات، وإنما تبدأ أيضًا من المواطن الذي يقرر ألا يكون مجرد حلقة في سلسلة إعادة نشر معلومة مجهولة المصدر.

ففي زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع صورة تبدو حقيقية، تصبح القدرة على التحقق أهم من القدرة على المشاركة، ويصبح الوعي خط الدفاع الأول أمام أي محاولة للتلاعب بالعقول أو تشويه الحقائق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة