ليس كل ما يختلف عن المألوف تجريبًا، وليس كل ما يصدم المتلقي جديدًا، وليس كل ما يستخدم تقنية حديثة قدّم بالضرورة إضافة جديدة إلى المسرح.
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما نتأمل الاستخدام الواسع لمصطلح المسرح التجريبي في الخطاب المسرحي المعاصر، فقد أصبح المصطلح في أحيان كثيرة مظلة واسعة يمكن أن يوضع تحتها كل عرض يخرج قليلًا أو كثيرًا عن الشكل المألوف، حتى بدا أحيانًا أن التجريب نفسه تحول إلى قالب، وأن ما كان بالأمس فعلًا متمردًا على القواعد أصبح اليوم قاعدة جاهزة لإثبات حداثة العرض؛ لكن التجريب في جوهره لا يمكن أن يكون قالبًا ثابتًا، لأن تحوله إلى قالب يناقض طبيعته.
التجريب في المسرح ليس مدرسة جمالية ذات حدود مغلقة، وليس تقنية يمكن حفظها وتطبيقها، ولا مجموعة من السمات الشكلية التي إذا اجتمعت في عرض أصبح تجريبيًا، مجمع اللغة العربية يعرّف التجريب في المجال الفني بأنه اختبار لقضايا وأساليب فنية، ويربطه بالخروج على القواعد وإتاحة مساحة واسعة للمخرج في تشكيل العرض، ويشير إلى توظيف التراث الشعبي والراوي وهدم الحائط الرابع، والتمرد على وحدة الزمان والمكان وترتيب الأحداث، ثم يذهب إلى أن التجريب قد يكون مقدمة للتجديد إذا أُحسن تقديمه.
وهذا التعريف يقودنا إلى التمييز بين التجريب والتجديد، التجريب هو الفعل والعملية "أن أختبر، وأبحث، وأغامر، وأعيد النظر في ما استقر من قواعد ووسائل"؛ أما التجديد فهو الأثر المحتمل لهذا الاختبار، ولهذا ليس كل تجريب ناجحًا، وليس كل تجربة تؤدي إلى اتجاه جديد، لكن بعض التجارب الناجحة تفتح الطريق أمام غيرها، وقد تتحول مع الزمن إلى مدرسة أو لغة أو تقليد جديد؛ ولعل هذا هو السبب في أن بعض الدراسات المسرحية العربية وصفت مصطلح التجريب نفسه بأنه من المصطلحات الإشكالية، بسبب اتساع استعماله وتعدد ما يندرج تحته.
إذا أردنا أن نقترب أكثر من جوهر التجريب، فعلينا ألا ننظر إليه باعتباره مجرد طريقة لصناعة العرض، بل باعتباره موقفًا من المعرفة والفن، فالمجرب لا يتعامل مع القاعدة باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما يسأل هل يمكن أن يكون المسرح على نحو آخر؟، هنا يصبح التجريب سؤالًا قبل أن يكون إجابة.
ولهذا فإن جوهر التجريب ليس أن يقول الفنان سأفعل شيئًا لم يفعله أحد من قبل، فهذه دعوى يكاد يستحيل إثباتها، وإنما أن يقول سأعيد اختبار ما نظنه معلومًا في المسرح، وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التجريب لا يبدأ بالضرورة من اختراع شيء جديد، بل قد يبدأ من إعادة النظر في شيء قديم.
فهناك سوء فهم شائع في بعض الأوساط المسرحية، وهو الاعتقاد بأن التجريب لا يتحقق إلا إذا هدم الفنان كل ما سبقه، لكن التاريخ المسرحي نفسه لا يؤيد هذه الفكرة، فالتجريب لا يعني بالضرورة إلغاء الكلاسيكي، ولا يعني القطيعة مع التراث، ولا يعني إلغاء النص أو تهميشه، ولا يعني أن يكون العرض مخالفًا لكل ما عرفه المسرح من قبل.
قد يكون التجريب إعادة قراءة نص كلاسيكي، أو إعادة اكتشاف شكل مسرحي قديم، أو مزج تقنيات مألوفة في تركيب جديد، أو نقل تقنية من سياق إلى آخر، أو استخدام التراث مادة لإنتاج لغة معاصرة، بل إن بعض أهم التجارب المسرحية خارج المركز الأوروبي قامت على إعادة اكتشاف تقاليدها الخاصة وتوظيفها في بناء مسرح حديث.
ومن هنا يمكن أن نقول إن العلاقة الصحيحة بين التجريب والتقليد ليست بالضرورة علاقة إلغاء، وإنما قد تكون علاقة مراجعة وإعادة تركيب وإعادة اكتشاف، وهذا يحررنا من ثنائية زائفة كثيرًا ما يقع فيها الخطاب المسرحي، إما أن تكون تقليديًا، وإما أن تكون تجريبيًا، الحقيقة أن التجريب قد يحدث داخل التقليد نفسه، وبالتالي فالجديد ليس بالضرورة تجريبيًا، قد يكون العمل جديد الإنتاج، لكنه يستخدم لغة مسرحية عُرفت منذ نصف قرن، وقد يستخدم المخرج شاشة عملاقة، أو إسقاطات رقمية، أو مؤثرات إلكترونية، دون أن يضيف شيئًا جديدًا إلى علاقة المسرح بالتكنولوجيا، وقد يستخدم الجسد بصورة صادمة، أو العري، أو الصراخ، أو التشظي، أو تفكيك الشخصية، وهي كلها أدوات عرفها المسرح الحديث والمعاصر منذ عقود.
إذن علينا أن نميز بين الجديد زمنيًا والجديد جماليًا أو فكريًا، ليس كل ما ظهر اليوم جديدًا بالضرورة، وليس كل ما ينتمي إلى الماضي فقد قدرته على التجريب، فالمعيار الحقيقي ليس متى ظهرت التقنية؟، وإنما ماذا فعل الفنان بها؟.
وهنا ينبغي الحذر من كتابة تاريخ التجريب المسرحي باعتباره سلسلة بسيطة من المراحل، فالتجريب لم ينتقل بطريقة آلية من النص إلى المخرج، ثم إلى الممثل، ثم إلى الجسد، ثم إلى التكنولوجيا، ثم إلى الذكاء الاصطناعي، تاريخ التجريب ليس خطًا مستقيمًا، لقد كانت هناك مسارات متوازية ومتقاطعة.
ستانسلافسكي أعاد النظر في عمل الممثل وعلاقته بالشخصية والطبيعة الإنسانية، ومايرهولد بحث في جسد الممثل وحركته والبيوميكانيكا، بينما أعاد كريج التفكير في طبيعة الممثل نفسه وفي إمكانات الصورة والدمية، وجاء آبيا ليمنح الضوء والفضاء دورًا حاسمًا في تشكيل العرض، ثم ظهرت لدى بريخت أسئلة مختلفة حول وظيفة المسرح، بينما دفع آرتو المسرح نحو ما يتجاوز اللغة اليومية والمنطق الواقعي، وأعاد جروتوفسكي التفكير في العلاقة بين الممثل والجمهور، وعاد بروك وباربا إلى السؤال عن جوهر المسرح وعلاقة الأداء الحي بالمتلقي، وهذه التعددية التاريخية واضحة في الدراسات التي تتناول التجريب المسرحي؛ فالتجريب عند هؤلاء المبدعين لم يكن يعني الشيء نفسه.
إذن لا يوجد تجريب واحد، وإنما تاريخ طويل من الأسئلة التجريبية المختلفة، لكن ربما يمكننا أن نضع معيارًا بسيطًا، كل تجربة مسرحية حقيقية تبدأ من سؤال، ليس من التقنية، ليس من الصدمة، ليس من الرغبة في إثبات أن المخرج مختلف، وإنما من سؤال فني أو فكري يجعل الشكل الجديد ضرورة؛ إذا استخدم المخرج تقنية حديثة، فينبغي أن نسأل لماذا؟ ، وإذا جعل الجسد مركز العرض، نسأل لماذا؟ ، وإذا وظف الذكاء الاصطناعي، نسأل ما السؤال الذي لم يكن ممكنًا طرحه بهذه الصورة من دون الذكاء الاصطناعي؟ ؛ أما أن تصبح التقنية غاية في ذاتها، فذلك قد يجعل العمل حديثًا من الناحية التقنية، لكنه لا يجعله بالضرورة تجريبيًا.
وهكذا تبدو المفارقة، ما يبدأ باعتباره خروجًا على السائد قد يتحول بعد فترة إلى جزء من السائد، وما كان طليعيًا يصبح مدرسة، ثم منهجًا، ثم مادة تُدرّس، ثم تقليدًا، ولهذا تحدث الناقد المسرحي مايكل بيلنجتون صراحة عن تحول المسرح التجريبي، رغم تاريخه الراديكالي، إلى شيء مؤسسي، متسائلًا عن الحاجة إلى دفعة جديدة تعيد إليه روح المغامرة؛ وهذه ليست مشكلة خاصة بالمسرح، فكل طليعة معرضة لأن تتحول إلى تقليد، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس هل هذا العرض تجريبي؟، بل هل ما يقدمه العرض ما زال يمثل اختبارًا حقيقيًا، أم أصبح مجرد تكرار لصورة تاريخية عن التجريب؟.
فعلى سبيل المثال كان الجسد أحد أهم ميادين التجريب المسرحي في القرن العشرين، فانتقلت أسئلة المسرح من النص وحده إلى الممثل، ثم إلى جسده وحركته وطاقته وعلاقته بالفضاء والجمهور، فبرزت تيارات وتجارب متعددة أعادت تعريف الأداء، حتى أصبح الجسد ذاته لغة مسرحية، ثم ظهرت لاحقًا تصورات مسرحية أعادت توزيع السلطة بين الكلمة والصورة والجسد والصوت والفضاء والأداء، ليأتي مفهوم مسرح ما بعد الدراما عند هانز-تيز ليمان Hans-Thies Lehmann ، الذي درس تحولات المسرح منذ ستينيات القرن العشرين وما بعدها، حيث أصبحت الممارسة الأدائية والعلاقة بين المادة المسرحية والموقف الحي على الخشبة أكثر مركزية، بدل أن تظل الدراما المكتوبة المركز الوحيد الذي تنتظم حوله عناصر العرض.
لكن من المهم ألا نقع في تبسيط آخر، ما بعد الدراما لا يعني ببساطة إلغاء النص، المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إنها إعادة ترتيب للعلاقات بين النص والأداء والجسد والفضاء والصورة والمتلقي، وهنا يصبح السؤال مشروعًا إذا كان الجسد قد كان في مرحلة ما أحد ميادين التجريب الكبرى، فهل يكفي اليوم أن نضع الجسد في مركز العرض لكي نمنحه صفة التجريب؟ أم أن السؤال قد انتقل إلى مكان آخر؟ ، هل ما زال العري صادمًا؟ وهل الصدمة وحدها تكفي؟، يتعلق التجريب بما يضيفه الاستخدام إلى اللغة المسرحية، لا بمجرد كونه مخالفًا لما اعتاده جزء من الجمهور، فالصدمة يمكن أن تكون وسيلة، لكنها ليست معيارًا، إذا كان الشيء الذي كان صادمًا في مرحلة تاريخية قد أصبح معروفًا ومتكررًا ومستخدمًا في تجارب كثيرة، فإن مجرد تكراره لا يمنحه تلقائيًا صفة التجريب.
في بداية القرن العشرين طرح إدوارد جوردون كريج سؤالًا حول الممثل والجسد، وفي مشروعه حول السوبر ماريونيت لم يكن الأمر مجرد رغبة في استبدال ممثل بدمية، وإنما كان جزءًا من إعادة التفكير في السيطرة على العنصر البشري داخل التشكيل المسرحي، وقد درست أبحاث تاريخية هذا المفهوم وعلاقته بمشروع كريج في المسرح الجديد، وربطته بالدمية وبإعادة تشكيل العنصر الإنساني على الخشبة، وهنا تصبح فكرة كريج مثيرة جدًا إذا نظرنا إليها في القرن الحادي والعشرين، فقد كان السؤال القديم هل يحتاج المسرح إلى الممثل البشري بالشكل الذي عرفناه؟، أما السؤال المعاصر فيمكن أن يصبح هل يحتاج المسرح إلى المؤدي البشري أصلًا؟.
لنقترب من الروبوت، لا ينبغي أن نزعم أن الروبوت هو ببساطة السوبرماريونيت الجديدة، لكن التشابه النظري يستحق البحث، فدراسات حديثة في مسرح الروبوتات تطرح بالفعل هذا الربط، وتصف الروبوت المؤدي بأنه يمكن أن يُنظر إليه بوصفه تجسيدًا تكنولوجيًا لمفهوم كريج عن السوبر ماريونيت، فينتقل التجريب من سؤال ماذا يستطيع الممثل أن يفعل؟ ، إلى سؤال أكثر جذرية : من هو المؤدي؟
وإذا كان هذا السؤال قد بدأ في المسرح الحديث مع الدمية والماكينة والجسد المنضبط، فإنه يجد اليوم إمكانات جديدة في الروبوتات والأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهذا لا يعني أن التكنولوجيا الجديدة أكثر قيمة بالضرورة، وإنما يعني أن حدود المسرح نفسها أصبحت موضوعًا للتجريب، قد يستخدم المخرج الذكاء الاصطناعي في تصميم خلفية أو صورة أو مؤثر صوتي، دون أن يغير ذلك جوهر العملية المسرحية، أما التجريب الحقيقي فيبدأ عندما يفرض الذكاء الاصطناعي سؤالًا جديدًا على المسرح، مثل من هو المؤلف؟ من يكتب؟ من يقرر؟ من يؤدي؟ من يملك الشخصية؟ هل يمكن للخوارزمية أن تشارك في بناء الحدث المسرحي؟ وهل يستطيع الجمهور أن يتفاعل مع مؤدٍّ غير بشري؟ وهل يبقى الحضور الحي هو جوهر المسرح إذا دخل كائن آلي أو نظام ذكي في قلب الأداء؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح التكنولوجيا قيمتها التجريبية، لا مجرد وجودها، التجريب لا يلغي الماضي، ربما نحتاج هنا إلى تصحيح صورة شائعة عن الحداثة المسرحية، فالتجريب ليس سباقًا لإلقاء الماضي وراء الظهر، قد يكون أكثر التجارب حداثة هو الذي يعيد اكتشاف ما ظنناه قديمًا، وقد يكون استخدام عنصر تراثي في سياق جديد أكثر تجريبية من استخدام شاشة ضخمة في عرض لا يقدم أي تصور جديد، ومن ثم فإن التجريب الحقيقي لا يسأل فقط كيف أهرب من الماضي؟ ، بل يسأل ماذا يمكن أن أفعل بما ورثته؟، وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى المسرح العربي.
ربما يمكننا، في ضوء ذلك كله، أن نقترح مجموعة من الأسئلة للحكم على تجريبية أي عرض:
هل يختبر العرض قاعدة أو افتراضًا مسرحيًا قائمًا؟
هل يقدم علاقة جديدة بين عناصر العرض؟
هل يستخدم الوسيلة الجديدة لضرورة فنية أم لمجرد الاستعراض؟
هل ينتج معنى لا يمكن الوصول إليه بالطريقة التقليدية؟
هل توجد مخاطرة فنية حقيقية؟
هل يعيد النظر في علاقة الممثل والجمهور والنص والفضاء؟
هل يقدم تصورًا جديدًا للمسرح أم يكرر تجربة أصبحت معروفة؟
هل يستند إلى سؤال إنساني أو جمالي حقيقي؟
التجريب المسرحي هو عملية واعية لاختبار حدود المسرح ومسلماته ووسائطه وعلاقاته، بهدف اكتشاف إمكانات جديدة في التعبير والتلقي، وليس مجرد مخالفة المألوف أو استخدام عناصر صادمة أو تقنيات حديثة، وإذا كان هذا هو معنى التجريب، فعلينا أن نعيد النظر في كثير مما نطلق عليه اليوم مسرحًا تجريبيًا.
فالتجريب الذي لا يكتشف شيئًا قد لا يكون أكثر من تكرار لتجربة قديمة، والصدمة التي أصبحت مألوفة لم تعد، بمجرد كونها صادمة، دليلًا على الطليعة، والتقنية التي أصبحت متاحة للجميع ليست في ذاتها تجريبًا، وربما تكون المفارقة الكبرى أن المسرح قد يصل إلى لحظة يصبح فيها أكثر ما يسمى تجريبًا بحاجة إلى أن يُسأل عن مدى تجريبيته، فإذا كان التجريب الحقيقي هو الذهاب إلى المجهول، فإن تقليد ما فعله المجربون السابقون ليس تجريبًا، حتى لو ظل صادمًا، لقد أصبحنا نعرف الكثير من أساليب كسر القواعد، ولذلك ربما لم يعد التحدي الحقيقي هو كيف نكسر القاعدة؟ بل أي قاعدة جديدة تستحق أن نختبرها؟
إن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى المسرح العربي هو هل نريد أن نظل مستهلكين لأشكال التجريب التي أنتجتها مجتمعات أخرى في سياقات تاريخية وفلسفية مختلفة؟ أم نستطيع أن نعرف العالم، ونستفيد من تجاربه، ثم نطرح أسئلتنا نحن؟ لأن التجريب لا يكون حيًا حين نكرر ما كان ثوريًا بالأمس، التجريب يكون حيًا حين نسأل: ما الذي لم يسأله المسرح بعد؟