مع بداية شهر أكتوبر، بدأت ملامح النمط الخريفي في الطقس تظهر بصورة أكثر وضوحًا، مع فرص لسقوط الأمطار لا تقتصر على المناطق الساحلية، وإنما تمتد إلى مناطق داخلية من الوجه البحري والصحراء الغربية ووسط الصعيد، وهو ما يفرض على المزارعين إعادة حساباتهم في إدارة مياه الري والتعامل مع التربة والمحاصيل خلال هذه المرحلة الانتقالية من العام.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، من التعامل مع برامج الري بصورة آلية بالتزامن مع فرص سقوط الأمطار، مؤكدًا أن القرار الزراعي خلال هذه الفترة يجب أن يرتبط بحالة التربة وكميات الأمطار التي تسقط فعليًا، وليس بمجرد التوقعات الجوية.
لماذا تظهر الأمطار في الخريف؟
ويعد الخريف مرحلة انتقالية بين حرارة الصيف وأجواء الشتاء، وخلال هذه الفترة تتغير تدريجيًا أنظمة الضغط وحركة الكتل الهوائية فوق المنطقة، بما يسمح في بعض الحالات بظهور حالات من عدم الاستقرار الجوي وتكوّن السحب الممطرة.
وتتأثر مصر في هذا الوقت من العام بعدة عوامل، من بينها موقعها الجغرافي بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وطبيعة سطحها الصحراوية، إلى جانب تغيرات الضغط الجوي ومناطق المنخفضات الجوية. وتوضح بيانات الدولة أن الموقع والتضاريس ونظم الضغط الجوي ومناطق الضغط المنخفض من العوامل الرئيسية المؤثرة في مناخ مصر.
وتختلف فرص سقوط الأمطار من منطقة إلى أخرى بحسب مسار المنخفضات والكتل الهوائية وكمية الرطوبة المتاحة، لذلك قد تشهد مناطق ساحلية أمطارًا في توقيت معين، بينما تمتد في حالات أخرى إلى مناطق داخلية، وهو ما يفسر ظهور فرص للأمطار بعيدًا عن السواحل خلال بعض الحالات الخريفية.
كما يمثل البحر المتوسط مصدرًا مهمًا للرطوبة بالنسبة للحالات الجوية التي تؤثر على شمال البلاد، بينما يمكن أن تسهم طبيعة البحر الأحمر والتضاريس، خصوصًا في سيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر، في ظهور حالات مطرية محلية في بعض الفترات.
أمطار الخريف تخرج من نطاق السواحل
وأشار فهيم إلى أن «مناوشات أمطار الخريف» بدأت بصورة مختلفة، مع ظهور فرص للأمطار في مناطق بعيدة عن السواحل، وهو ما يجعل متابعة حالة الطقس عنصرًا أساسيًا في تحديد مواعيد الري، خاصة في الأراضي التي تشهد تكاثفًا للسحب الممطرة.
وتشير توقعات الهيئة العامة للأرصاد الجوية، اليوم السبت، إلى فرص سقوط أمطار خفيفة قد تكون متوسطة ورعدية أحيانًا على مناطق متفرقة من السواحل الشمالية وشمال الوجه البحري والصحراء الغربية ووسط الصعيد، مع احتمالية زيادة غزارة الأمطار على بعض المناطق وعلى فترات متقطعة.
كما تمتد فرص ضعيفة لأمطار خفيفة إلى مناطق من جنوب الوجه البحري ومدن القناة وجنوب سيناء والغردقة، مع احتمالية امتدادها إلى مناطق متفرقة من القاهرة الكبرى.
«المطر يغير حسابات الري»
أمام هذا النمط من الطقس، يؤكد رئيس مركز معلومات المناخ أن أول قاعدة للمزارع هي عدم إضافة مياه جديدة إلى الأرض بصورة تلقائية، خاصة في المناطق المتوقع تعرضها للأمطار.
ويشدد فهيم على وقف عمليات الري في المناطق التي تتعرض للأمطار، مع تقييم مستوى رطوبة التربة قبل اتخاذ قرار جديد بشأن الري، موضحًا أن استمرار تشغيل شبكات الري بالتنقيط أو الرش بالتزامن مع سقوط الأمطار قد يؤدي إلى زيادة رطوبة منطقة الجذور.
ولا يعني سقوط الأمطار أن جميع الأراضي ستتأثر بالطريقة نفسها، إذ تختلف احتياجات المحاصيل وفقًا لنوع التربة ومرحلة نمو النبات وكمية الأمطار التي سقطت بالفعل، ولذلك فإن قرار استئناف الري يجب أن يأتي بعد تقييم الحالة الفعلية للأرض.
الصرف الزراعي في دائرة الاهتمام
وبالتوازي مع إدارة مياه الري، تبرز أهمية الصرف الزراعي مع زيادة فرص سقوط الأمطار، خاصة في الأراضي الثقيلة والمنخفضة.
ويوصي فهيم بمتابعة المصارف الزراعية والتأكد من عدم وجود انسدادات يمكن أن تعيق تصريف المياه، لتجنب تجمعها حول الجذور وما قد يترتب على ذلك من تغريق الأراضي أو اختناق الجذور.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات في الزراعات حديثة الشتل والإنبات، التي تحتاج إلى متابعة دقيقة في ظل ارتفاع مستويات الرطوبة، خاصة إذا استمرت الأجواء الممطرة لفترات متقاربة.
تأجيل الرش بعد توقعات الأمطار
ولا تتوقف تأثيرات الأمطار عند عمليات الري والصرف، إذ تمتد أيضًا إلى معاملات المحاصيل، حيث يحذر فهيم من تنفيذ عمليات رش المبيدات أو المغذيات الورقية في المناطق المتوقع تعرضها للأمطار.
فسقوط الأمطار بعد تنفيذ الرش قد يؤدي إلى غسيل المواد المستخدمة قبل استفادة النبات منها بالشكل المطلوب، وبالتالي انخفاض كفاءة المعاملة.
كما تتطلب زيادة الرطوبة متابعة المحاصيل الحساسة للأمراض الفطرية، خصوصًا الزراعات حديثة الشتل والإنبات، مع مراقبة أي تغيرات تظهر على النباتات.
الري بعد المطر.. القرار ليس تلقائيًا
أحد أهم التحذيرات التي يوجهها فهيم للمزارعين هو عدم التسرع في استئناف الري بمجرد توقف سقوط الأمطار.
فالقرار، وفقًا لتوجيهاته، يجب أن يستند إلى ثلاثة عوامل رئيسية: كمية الأمطار التي سقطت فعليًا، ومستوى رطوبة التربة، والاحتياجات المائية للمحصول.
وبذلك يتحول التعامل مع مياه الأمطار من مجرد متابعة لظاهرة جوية إلى عنصر مباشر في إدارة الموارد المائية داخل الحقل، إذ يمكن للأمطار أن تقلل الاحتياجات المائية للمحصول، لكن حجم هذا الانخفاض يختلف من أرض إلى أخرى ومن محصول إلى آخر.
رياح وأتربة بالتزامن مع فرص الأمطار
وبجانب الأمطار، تشهد البلاد نشاطًا للرياح على أغلب الأنحاء، تصل سرعتها إلى نحو 40 كيلومترًا في الساعة، مع احتمالية إثارة الرمال والأتربة في مناطق من الصحراء الغربية وشمال الصعيد.
ويضيف هذا النشاط عنصرًا آخر إلى قرارات المزارعين، خاصة فيما يتعلق بتوقيت المعاملات الزراعية والرش، ما يجعل متابعة النشرات الجوية والتحديثات اليومية أكثر أهمية خلال المرحلة الانتقالية بين الصيف والخريف.
أمطار الخريف.. اختبار جديد لإدارة مياه الري
ومع دخول أكتوبر، يصبح التعامل مع الطقس جزءًا من إدارة المحصول، وليس مجرد متابعة لحالة الجو، خاصة مع تداخل الأمطار مع برامج الري والرش والصرف.
وتكشف بداية موسم الأمطار الخريفية عن أهمية الربط بين التنبؤات الجوية والقرار الزراعي، بحيث لا يتعامل المزارع مع برنامج الري باعتباره جدولًا ثابتًا، وإنما يعدله وفقًا للظروف الفعلية للأرض والمحصول.
ويلخص فهيم القاعدة الزراعية للتعامل مع هذه الحالة في أن المطر المتوقع يستوجب مراجعة برنامج الري، بينما المطر الفعلي يستوجب إعادة تقدير الاحتياجات المائية للمحصول.
وبينما تتسع فرص الأمطار لتشمل مناطق داخلية خلال بداية الموسم الخريفي، يبقى التعامل المرن مع التغيرات الجوية ومتابعة حالة التربة والمحاصيل من أهم الإجراءات للحفاظ على الزراعات وترشيد استخدام مياه الري.