تواجه بلدة إل تشالتين، في مقاطعة سانتا كروز جنوب الأرجنتين، خطر فيضان مفاجئ قد يمنح السكان فترة قصيرة للغاية للإخلاء، إذ يحذر خبراء محليون من أن الوقت المتاح للتحرك قد لا يتجاوز 45 دقيقة إلى ساعة واحدة، في حال فاضت مياه بحيرة لاجونا توري باتجاه وادي نهر فيتز روي.
وعلى الرغم من أن البلدة تقع على بعد نحو 18 ألف كيلومتر من موقع الكارثة التي ضربت منطقة الحدود بين نيبال والصين في أواخر أغسطس، فإن الخبراء يرون تشابهًا في الآلية الفيزيائية التي قد تؤدي إلى الكارثة، حيث يمكن أن يؤدي انهيار جزء من سفح جبلي إلى سقوط كميات كبيرة من الصخور والتربة والمياه والرواسب والأشجار بصورة مفاجئة، مولدًا موجة مائية شديدة القوة.
وكانت كارثة نيبال قد خلفت أكثر من 1300 قتيل وآلاف المفقودين، بعدما ارتفع منسوب أحد الأنهار بما بين 15 و18 مترًا، واجتاحت المياه مناطق سكنية على امتداد نحو 72 كيلومترًا.
ذوبان الجليد يكشف سفوحًا غير مستقرة
ويتركز الخطر في الأرجنتين داخل حوض بحيرة لاجونا توري، التي تقع على بعد نحو 10 كيلومترات من بلدة إل تشالتين، وهي منطقة تقع داخل منتزه لوس جلاسياريس الوطني وتعد من الوجهات السياحية الشهيرة.
وتشير الباحثة ماريانا كورّياس جونزاليس، من معهد IANIGLA-CONICET، إلى أن ذوبان الجليد أدى إلى كشف سفوح جبلية كانت في السابق مدعومة بطبقات سميكة من الجليد. ومع اختفاء هذا الدعم الطبيعي، أصبحت المنحدرات أكثر عرضة للانهيارات الأرضية.
ويكمن السيناريو الأكثر خطورة في احتمال سقوط كمية كبيرة من الصخور والتربة داخل لاغونا توري. وقد يؤدي ذلك إلى توليد تيارات مائية قوية أسفل سطح البحيرة، بما قد يتسبب في انهيار السد الرسوبي الطبيعي، ومن ثم اندفاع المياه نحو الوادي.
وفي حال وقوع هذا السيناريو، لن يقتصر الخطر على المناطق الطبيعية المحيطة بالبحيرة، بل قد يمتد إلى قلب البلدة، ما يهدد السكان والسياح والبنية التحتية الحيوية.
مراقبة لا تكفي أمام خطر سريع
وتكشف سجلات جامعة بوينس آيرس أن خطر الفيضانات المفاجئة ليس افتراضيًا. فقد سجلت الجامعة خمس حالات من ارتفاع مفاجئ للمياه في حوض نهر بلانكو، من بينها أحداث وقعت في بحيرتي بيدراس بلانكاس عام 1913 وسوسيا بين عامي 1966 و1968.
لكن الجيولوجية دانييلا شميت، من جامعة بوينس آيرس، تحذر من محدودية نظام مراقبة الجبال الحالي، الذي يعتمد بصورة أساسية على صور الأقمار الصناعية التي يتم التقاطها كل ثلاثة أو أربعة أيام.
وتكمن المشكلة في أن انهيارًا أرضيًا قد يحدث في الفترة الفاصلة بين عمليتي الرصد، ما يعني أن الكارثة قد تقع قبل صدور أي تحذير.
والأكثر إثارة للقلق أن القياسات الحديثة أظهرت أن الصدع الموجود في سفح الجبل تحرك خلال العام الماضي بمقدار يعادل الحركة المسجلة مجتمعة خلال السنوات السبع السابقة.
وفي حال حدوث انهيار كبير، يمكن أن تجرف الفيضانات مسارات المشاة والمخيمات، وتهدد حياة مئات الأشخاص، كما قد تغمر الجسر الوحيد الذي يربط أجزاء البلدة، إلى جانب محطة الوقود ومحطة الكهرباء والعيادة الواقعة على ضفة النهر.
خطة إخلاء عاجلة قبل موسم السياحة
ومع اقتراب موسم الصيف، الذي يشهد عادة زيادة في أعداد الزوار، طالبت بلدية إل تشالتين بوضع خطة إخلاء شاملة وفورية، بدلًا من الاعتماد على حلول منفصلة لا تتعامل مع الخطر بصورة متكاملة.
واقترحت كورّياس جونزاليس إنشاء نظام متكامل للإنذار المبكريعتمد على أربعة عناصر رئيسية.
ويتمثل العنصر الأول في تركيب أجهزة استشعار لقياس التغيرات في مستويات المياه وسرعة تدفقها، بما يسمح باكتشاف أي تطورات خطرة في وقت مبكر.
أما العنصر الثاني، فيتعلق بإنشاء شبكة من الكاميرات التي تنقل صورًا مباشرة لمراقبة سفح الجبل ورصد أي تغيرات أو تحركات غير طبيعية.
ويتمثل العنصر الثالث في تحديد مسؤوليات واضحة للمؤسسات المختلفة، لضمان سرعة اتخاذ القرار وتنسيق عمليات إجلاء السكان والزوار فور صدور الإنذار.
أما العنصر الرابع، فهو إطلاق حملات توعية تصل إلى جميع المنازل والمؤسسات، بحيث يعرف السكان مسبقًا المناطق الآمنة ومسارات الإخلاء التي يجب اتباعها عند وقوع الطوارئ.
وتشير التحذيرات إلى أن الدرس الأهم من كارثة نيبال، إلى جانب التاريخ الجيولوجي للمنطقة، هو أن التعامل مع مثل هذه الكوارث لا يعتمد فقط على منع الانهيار، وهو أمر قد يكون مستحيلًا، وإنما على القدرة على اكتشاف الخطر وإخلاء السكان في الوقت المناسب.
وفي حالة إل تشالتين، قد يكون الفارق بين النجاة والكوارث أقل من 60 دقيقة ما يجعل الاستعداد المسبق ونظام الإنذار السريع وخطة الإخلاء الواضحة عوامل حاسمة لحماية السكان والسياح من فيضان جليدي محتمل.