رنا أمين

السوشيال ميديا وصناعة الشائعة.. عندما تصبح الصورة أداة للتضليل

الأحد، 06 سبتمبر 2026 10:00 ص


في عصر السوشيال ميديا، لم تعد صناعة الشائعة تحتاج إلى إمكانيات ضخمة؛ فصورة قديمة، وعنوان مثير، ومئات المشاركات، قد تكون كفيلة بصناعة قصة تبدو حقيقية تمامًا في نظر الجمهور. ومع سرعة تدفق المحتوى، أصبح الخبر المضلل يصل إلى عقل المستخدم قبل أن يجد فرصة للتحقق منه، لتتحول مواجهة التضليل إلى سباق مع الزمن.

ليست كل صورة حقيقة، وليست كل مشاركة دليلًا على صحة الخبر.

والأخطر أن بعض الحسابات والمنصات التابعة لتنظيم الإخوان تستغل هذه الآلية لخدمة رواية سلبية مسبقة؛ إذ تُستخدم صور مفبركة ومقاطع فيديو لتشويه الإنجازات الوطنية، أو تُنشر أخبار محبوكة ومصنوعة خصيصًا لاستثارة مشاعر فئة بعينها من المجتمع وجذب تعاطفها.
وهنا لا تكمن المشكلة دائمًا في الصورة ذاتها، فقد تكون حقيقية، وإنما في «المعلومة» التي وُضعت بجانبها، والسياق المزيف الذي أُقحمت فيه الصورة لتحقيق هدف ما.

واقعة طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي.. النموذج والتطبيق

يمكن النظر إلى واقعة تداول صور ومقاطع فيديو لحادث تصادم مروع على طريق «القاهرة–الإسكندرية الصحراوي» باعتبارها نموذجًا يشرح طريقة عمل الشائعة الرقمية.
فقد قُدِّم المحتوى المتداول على أنه توثيق لحادث مأساوي وقع للتو، بينما كشفت الجهات الرسمية ووزارة الصحة والسكان الحقيقة: الصور قديمة ولم تُلتقط في موقع الحادث المزعوم.
هنا تبرز المعضلة؛ إذ تحصل صورة خارجة عن سياقها على عنوان جديد، ثم تتحول، بفعل كثافة التداول و«التأثير المتبادل»، إلى «حقيقة قاطعة» في أذهان الجمهور. لكن سرعة الانتشار لا تمنح المنشور مصداقية، وأعداد المشاركات ليست بديلًا عن المصدر الموثوق.
الذكاء الاصطناعي والتشتيت التكتيكي.. الأدوات الجديدة للتضليل.

لم يعد الأمر متوقفًا على كشف الأرشيف وإعادة توظيف الصور القديمة، بل دخلت صناعة التزييف مرحلة أكثر تعقيدًا بالتزامن مع تطور التقنيات الحديثة، ومن أبرز أدواتها:
• تزييف الذكاء الاصطناعي (AI): توليد صور ومقاطع فيديو مضللة شديدة الواقعية لضحايا أو حوادث وهمية، بهدف استثارة الرأي العام وإدخال الشارع في حالة من الاحتقان والتعاطف غير المبرر.


• صناعة «الأحداث الموازية»: تعمُّد خلق حوادث وأخبار مفبركة بالتزامن مع الأحداث الوطنية الكبرى، كالزيارات الرئاسية والافتتاحات الرسمية وتدشين المشروعات القومية، بهدف حجب الأنظار وتشتيت انتباه الرأي العام وإفساد الزخم الإيجابي لهذه المناسبات.
كيف نقرأ الجمهور الأكثر تأثرًا؟


مواجهة هذا التضليل المنظم لا تبدأ ببيانات النفي التقليدية، بل بفهم سلوك الجمهور أولًا. وهنا توفر السوشيال ميديا نفسها أدوات التحليل المطلوبة، ومنها:


• معدلات التفاعل والتفشي: تكشف حجم انتشار المحتوى ومدى تمدده.
• تحليل التعليقات: يوضح ما إذا كان الجمهور يتقبل الشائعة باعتبارها حقيقة أم يتعامل معها بشك.
• تحديد البيئة والفئة المستهدفة: من خلال معرفة ما إذا كانت الشائعة بدأت عبر مقاطع الفيديو القصيرة، مثل «Reels» و«TikTok»، أم عبر مجموعات مغلقة، إلى جانب تحديد الفئات العمرية الأكثر تفاعلًا معها.

من البيانات إلى مواجهة واعية

تحويل هذه البيانات إلى حملات توعية ذكية يمثل حجر الزاوية في المواجهة. فإذا كانت الفئة الأكثر تأثرًا تعتمد على الفيديوهات القصيرة، فمن غير المنطقي مواجهتها ببيان مكتوب طويل قد لا تقرأه؛ بل يجب تقديم الحقيقة في محتوى مرئي سريع، يوضح كيف جرى التضليل: ما تاريخ الصورة الأصلي؟ وأين التُقطت؟ وما سياقها الحقيقي؟ وكيف جرى التلاعب بها أو توظيفها بصورة مضللة؟
الحملات الناجحة لا تكتفي بعبارة «الخبر غير صحيح»، بل تشرح طريقة الخدعة؛ لأننا بذلك لا نواجه شائعة واحدة فقط، بل نمنح المواطن أداة تساعده على اكتشاف الشائعة القادمة بنفسه.

الخاتمة: بناء ثقافة «التحقق» قبل الضغط على «مشاركة»

المطلوب ليس تخويف الجمهور أو مطالبته بعدم تصديق أي شيء، بل بناء «ثقافة تحقق» تجعل السؤال عن المصدر والتاريخ والسياق سلوكًا تلقائيًا قبل الضغط على زر المشاركة.


السوشيال ميديا ساحة مفتوحة تختلط فيها الأخبار الصحيحة بالمضللة، والشائعة التي تبدأ بضغطة زر أو بصورة مفبركة لا يوقفها سوى مستخدم واعٍ يمثل خط الدفاع الأول، ويدرك أن الصورة، مهما بدت واقعية، لا تكفي وحدها لإثبات صحة القصة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة