رضا الصفتى يكتب.. حين تعصف الرياح يبقى الثابتون

السبت، 05 سبتمبر 2026 10:56 م
رضا الصفتى يكتب.. حين تعصف الرياح يبقى الثابتون رضا الصفتي

هناك أيام لا تختبر قدرتك على الوصول، بقدر ما تختبر قدرتك على البقاء واقفًا. تتبدل فيها الحسابات، تضيق الخيارات، تتعثر الخطوات، ويبدو المشهد كله وكأنه يتحرك فى الاتجاه المعاكس. وفى تلك اللحظة، لا يعود السؤال: لماذا حدث كل هذا؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا ستفعل وأنت فى قلب العاصفة؟

فالحياة لا تمنح أحدًا طريقًا مستقيمًا طوال الوقت. لكل إنسان منعطفاته القاسية، وخيباته المفاجئة، ولحظاته التى يشعر فيها بأن كل الأبواب قد أُغلقت دفعة واحدة. لكن تلك اللحظات، على قسوتها، قد تكون الأكثر قدرة على كشف حقيقة الإنسان؛ لأن المعدن لا يُختبر فى أوقات الرخاء، وإنما عندما تضيق المساحة ويصبح الثبات أصعب الخيارات.
الاستمرار لا يعنى أن الطريق سيصبح أكثر سهولة، وإنما يعنى ألا تتحول الصعوبة إلى سبب للتراجع. وقد لا يملك الإنسان دائمًا تغيير ما يحدث حوله، لكنه يملك أن يختار الطريقة التى يتعامل بها مع ما يحدث.
ومع تراكم التجارب، تتغير علاقتنا بالكثير من المواقف. نكتشف أن معارك كثيرة لم تكن تستحق خوضها، وأن بعض الكلمات كان يمكن أن تمر دون رد، وأن الانتصار فى كل نقاش ليس بالضرورة انتصارًا حقيقيًا.
بعض المواقف لا تحتاج إلى مواجهة، وبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى تفسير، وبعض الحكايات يكون إغلاقها أكثر حكمة من محاولة إعادة كتابتها.
وهنا يصبح الرحيل قرارًا واعيًا، لا هروبًا. أن تبتعد عما يؤذيك دون أن تحمل معك رغبة فى الانتقام، وأن تترك خلفك ما انتهى دون أن تجعل الكراهية وسيلة للارتباط به، هو أحد أشكال النضج التى تأتى بعد تجارب كثيرة.
ليس المطلوب أن تنكر ما أصابك، ولا أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث. المطلوب فقط ألا تمنح الألم عمرًا أطول من عمر الحكاية.
فالإنسان قد يخسر موقفًا، أو علاقة، أو معركة، لكنه يخسر أكثر حين يسمح لتلك الخسارة بأن تستولى على يومه ووقته وهدوئه.
ومن المفارقات أن أكثر ما يستنزف الإنسان أحيانًا ليس ما يحدث له، وإنما ما يتخيله عن نظرة الآخرين إليه. يراقب ما قيل عنه، ويفسر الصمت، ويتوقف أمام كل تعليق، وكأن حياته أصبحت ساحة مفتوحة لأحكام الآخرين.
والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته كاملة تحت رقابة الناس. سيختلفون حوله، وسيحكمون عليه، وسيضع كل منهم روايته الخاصة عنه. وفى النهاية، يبقى الأهم هو ما يعرفه الإنسان عن نفسه، وما يتركه من أثر فيمن حوله.
النضج الحقيقى يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن خوض المعارك التى لا تضيف إليه شيئًا، وعن تقديم الشروحات لمن لا يريد أن يفهم، وعن استنزاف نفسه فى تصحيح كل صورة خاطئة عنه.
عندها يصبح الهدوء موقفًا، والتجاوز اختيارًا، والصمت فى بعض الأحيان أكثر بلاغة من عشرات الكلمات.
وفى نهاية المطاف، ستكتشف أن الحياة لا تُقاس بعدد العواصف التى مررت بها، وإنما بقدرتك على الخروج منها دون أن تفقد نفسك.
قد تتغير الوجوه، وتسقط بعض الرهانات، وتغلق أبواب كنت تظن أنها ستظل مفتوحة إلى الأبد، لكن ذلك كله لا يعنى أن الطريق انتهى. أحيانًا تكون النهاية التى لم تخترها هى البداية التى لم تكن تملك شجاعة اختيارها.
وحين تنظر إلى الوراء، لن يكون أعظم ما تتذكره أنك لم تُهزم، بل أنك لم تسمح للهزيمة أن تغيّرك.
لهذا، لا تجعل عاصفة عابرة تحدد شكل حياتك، ولا تمنح موقفًا مؤلمًا سلطة أكبر من حجمه، ولا تسمح لضجيج الآخرين أن يسرق منك صوتك.
ففى هذه الحياة، ليست البطولة أن تعيش بلا عواصف؛ البطولة أن تعبرها محتفظًا بسلامك، وكرامتك، واتزانك... ثم تواصل السير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة