سينما قبل السينما؟.. كيف جعل إنسان الكهوف رسومه تتحرك بالنار

السبت، 05 سبتمبر 2026 09:00 م
سينما قبل السينما؟.. كيف جعل إنسان الكهوف رسومه تتحرك بالنار رسومات الكهوف

أحمد إبراهيم الشريف

قبل عشرات الآلاف من السنين، وفي أعماق الكهوف المظلمة، رسم الإنسان حيوانات الخيول والأسود والماموث على الصخور، لكن بعض هذه الصور تكشف عن شيء أكثر غرابة من مجرد القدرة على الرسم، فالحيوانات ظهرت أحيانًا بأرجل ورؤوس متكررة أو في أوضاع متعاقبة، وكأن الفنان القديم كان يحاول تسجيل مراحل الحركة في صورة واحدة. ومع ضوء النار المتذبذب أمام تلك الرسوم، ربما بدا الحيوان للناظر وكأنه يتحرك بالفعل.

وتستند هذه الفكرة إلى أبحاث أثرية منشورة، من بينها دراسة للباحثين مارك أزيما وفلوران ريفير في دورية Antiquity التابعة لجامعة كامبريدج، تناولت أساليب تمثيل الحركة في فن العصر الحجري القديم، إلى جانب دراسة أخرى نشرت في PLOS ONE عام 2022 اختبرت تأثير ضوء النار المتحرك على نقوش حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى.

حيوان بثمانى أرجل

من أشهر الأمثلة التي لفتت انتباه الباحثين رسم لحصان يحمل عدة رؤوس وأجزاء أمامية متكررة وذيلين، بما يوحي بأن الفنان حاول تصوير الحيوان أثناء تغيير وضع رأسه وجسده، بطريقة تشبه، من حيث المبدأ البصري فقط، مجموعة من اللقطات المتتابعة.

النار تدخل المشهد

لكن الحركة لم تعتمد على طريقة الرسم وحدها، فقد يكون الضوء نفسه جزءًا من التجربة الفنية، ففي دراسة أجريت على 50 لوحة حجرية صغيرة محفورة من موقع مونتاستروك في جنوب فرنسا، استخدم الباحثون الفحص المجهري والنماذج ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي والتجارب العملية لمعرفة كيف كانت تلك القطع تُشاهد في العصر الحجري.

وأظهرت النتائج مؤشرات على أن بعض الأحجار ربما وُضعت بالقرب من مواقد النار في ظروف منخفضة الإضاءة. وعندما أعاد العلماء التجربة، تسبب الضوء المتحرك في إبراز أجزاء مختلفة من النقوش بالتتابع، فظهرت الخيول والحيوانات المحفورة وكأنها تتحرك أو تخرج من الظلام ثم تختفي مرة أخرى. ويشير الباحثون إلى أن الدماغ البشري حساس بطبيعته لتغيرات الضوء والظل، ويمكن أن يفسرها باعتبارها حركة.

إحدى القطع الموجودة حاليًا ضمن مقتنيات المتحف البريطاني تحمل نقوشًا لخيول، بينما تحتوي قطع أخرى من المجموعة نفسها على حيوانات متراكبة أو مشتركة في بعض خطوط أجسادها، ما يجعل ظهور أجزاء مختلفة منها مع تغير الإضاءة أكثر لفتًا للنظر.

هل اخترع الإنسان القديم السينما؟

يستخدم بعض الباحثين تعبير «ما قبل صدى السينما» لوصف هذه الظاهرة، لكن من المهم عدم أخذ المصطلح حرفيًا، فالإنسان في العصر الحجري لم يخترع السينما بالمعنى المعروف، ولم تكن لديه شاشة أو صور تُعرض آليًا واحدة بعد أخرى. ما تشير إليه الأدلة هو شيء أدق: أنه أدرك الحركة، وحاول تفكيكها بصريًا، وربما استفاد من الضوء المتغير ليجعل الصورة الثابتة تبدو أكثر حياة.

وبذلك تكشف رسوم الكهوف أن الإنسان لم يكن يرسم فقط ما يراه، وإنما كان يفكر أيضًا كيف يراه الآخرون. وبين صخرة محفورة وشعلة تتحرك أمامها، ربما عاش أسلافنا تجربة بصرية جعلت حصانًا ثابتًا على الحجر يبدو، للحظات، وكأنه يركض في الظلام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة