بين ثلاجات الموتى وشفرة البتر.. "محمد خضر" صمود معلق على أمل العلاج خارج غزة.. الأطباء ظنوه شهيدا ووضعوه بين الجثامين فى مستشفى المعمدانى وعائلته لاحظت عدم توقف أنفاسه.. عاد حيا ليواجه معركة جديدة لإنقاذ أطرافه

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 04:00 م
بين ثلاجات الموتى وشفرة البتر.. "محمد خضر" صمود معلق على أمل العلاج خارج غزة.. الأطباء ظنوه شهيدا ووضعوه بين الجثامين فى مستشفى المعمدانى وعائلته لاحظت عدم توقف أنفاسه.. عاد حيا ليواجه معركة جديدة لإنقاذ أطرافه المصاب محمد خضر

كتب أحمد عرفة


<< لدي 4 تحويلات طبية عاجلة وأريد فرصة للعلاج قبل فقدان قدمي
<< استأصلوا نصف معدتي ودمرت الشظايا أجهزة جسدى
<< وضعوني عند ثلاجة الموتى لكن أنفاسي رفضت الاستسلام
<<  خضعت لعمليات لإنقاذ حياتي فقط لا للشفاء
<< الأطباء رفضوا البتر وقالوا: فيهن حياة.. والآن يتهددني البتر مجددا بنسبة 90%

 

لم تكن شهادة الميلاد هي الوثيقة الوحيدة التي كُتبت للجريح الشاب محمد فايز خضر، بل كُتبت له حياة جديدة من داخل ثلاجة الموتى بمستشفى "المعمداني" في مدينة غزة، هناك، حيث اختلطت جثث الشهداء بدماء الجرحى، كان هذا الشاب الفلسطيني يرقد غائبا عن الوعي، ينتظر مصيرا محتوما لولا بقية من روح تشبثت بالجسد المثقل بالشظايا.

في التاسع من يناير 2025، لم تكن المدرسة الواقعة في قلب مخيم جباليا شمال غزة مجرد مأوى مؤقت لمئات العائلات الفارة من القصف، بل تحولت في لحظات إلى ساحة لمجزرة دامية إثر استهدافها بنحو ثمانية صواريخ متتالية، من بين ركام ذلك الاستهداف، نقل أهالى القطاع، الشاب محمد فايز خضر جثة هامدة في نظر الجميع، ليُسجل اسمه ضمن قائمة الشهداء المفترضين، ويضعه الممرضين على أرضية مستشفى "المعمداني" بجوار ثلاجات الموتى.

محمد خضر
محمد خضر

 

استهداف المدرسة
 

تبدأحكاية محمد في يناير قبل الماضي، حين استهدفت نحو ثمانية صواريخ إسرائيلية، مدرسة تؤوي نازحين في جباليا، تحولت المدرسة في لحظات إلى ركام وضحايا، ظن الجميع أن الشاب أصبح جثة هامدة واستشهد ضمن الشهداء الذين واقعوا في هذا الاستهداف، ووسط الذهول والانهيار، كان أهله يفتشون عنه في أروقة المستشفى المكتظة، حتى وجدوه بين الجثث.

الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة


يتذكر محمد تلك اللحظات الفارقة قائلا في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"،:" تم نقلى إلى مستشفى المعمداني مع عدد من الجثث كشهيد، وأنزلوني من سيارة الإسعاف ووضعوني على الأرض بجانب ثلاجات الموتى مع الشهداء، أهلي وعائلتي بحثوا عني في كل أروقة المستشفى حتى وجدوني هناك، وعند اقترابهم مني اكتشفوا أن روحي لم تفارق جسدي بعد، رغم أنني كنت فاقدا للوعي تماما".

الجريح محمد خضر
الجريح محمد خضر

 

عند اقتراب أسرته منه، لاحظت العائلة أن أنفاسه لم تتوقف بعد، سارعوا بنقله إلى قسم الاستقبال، ليتبين أنه فقد معظم دمه، وبصورة عاجلة، زوده الأطباء بـ 8 وحدات دم للسيطرة على الصدمة النزفية، قبل أن يقرر الطبيب المعالج بتر يده وقدمه على الفور لإنقاذ حياته.

 

رفضت العائلة قرار البتر، واستمرت المحاولات حتى ساق القدر وفدا طبيا مغربيا زار المستشفى في تلك اللحظات، بعد معاينة أطرافه، رأى الأطباء وجود استجابة حيوية في العضلات وأنه لا يزال هناك أمل لإنقاذها، ليعاد تحويله فورا إلى مستشفى الشفاء في محاولة لإجراء تدخلات جراحية تحفظ ما تبقى من جسده.

الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

يستذكر محمد خضر تلك اللحظات الفاصلة بين قرار البتر وفرصة النجاة: " أهلي رفضوا الموافقة على البتر، فسبحان الله، كان هناك وفد طبي مغربي يزور المستشفى في ذلك الوقت، ولما شاهدوا حالتي فحصوا يدي ورجلي وقالوا: "حرام ينبترن.. فيهن حياة"، وعلى الفور تم تحويلي إلى مستشفى الشفاء لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه".

معركة تثبيت الأطراف والحفاظ على الحياة

لم تكن العمليات الأولى في مستشفى الشفاء هدفها "العلاج الكامل"، بل كانت مجرد إجراءات طارئة لإنقاذ الحياة، حيث ثبت الأطباء قدمه ويده اليمنى بواسطة أجهزة تثبيت خارجية "بلاتين خارجي"، لمنع البتر الفوري ومواجهة الكسور المتهتكة والتفتت العظمي الشديد، إضافة إلى تهتك الأنسجة وقطع الأعصاب والأوتار.

ولم تكن الأطراف هي مكان الإصابة الوحيد، حيث اخترقت الشظايا مناطق متفرقة من جسده منها شظية الصدر والبطن، فدخلت أسفل القلب، واخترقت الأحشاء والأمعاء، مما أدى إلى انفجار المعدة واستئصال أجزاء من الأحشاء ونحو نصف المعدة، بجانب شظية أخرى في الجمجمة ووصلت إلى المخ، مما تسبب في فقدان الإحساس بالنصف الأيمن من الوجه وتضرر الأعصاب الثالث والخامس والسابع، كما أدت شظية في الرقبة إلى تهتك الأنسجة ومحدودية الحركة، وتسبب المكوث الطويل وقطع الأعصاب إلى الإصابة بثلاثة غضاريف في الظهر واعوجاج في العمود الفقري وشلل في اليد والقدم اليمنى.

معاناة ذوي الإعاقة في غزة
معاناة ذوي الإعاقة في غزة

 

تعرض محمد أيضا لكسور غير ملتئمة في عظام اليد، وانفجار طبلتي الأذنين مع ضعف سمع مستمر، وجروح ممتدة في القدم اليسرى تم قطبها بالغرز، ولم تقتصر الإصابات على أطرافه، بل امتدت لتطال أجهزة جسده الحيوية، حيث يصف خريطة الآلام التي حُفرت في جسده قائلا: "إحدى الشظايا دخلت أسفل القلب مباشرة، وأكملت طريقها للأسفل فقطعت الأمعاء والأحشاء الداخلية للبطن وأدت إلى انفجار المعدة، وأجروا لي عملية استأصلوا فيها أجزاء من الأحشاء والأمعاء ونصف المعدة تقريبا".

ويضيف شارحا بقية الإصابات: "شظية أخرى فتحت رأسي واخترقت الجمجمة ودخلت في المخ، وأدت إلى فقدان الإحساس في الجهة اليمنى من الوجه وتضرر الأعصاب الثالث والخامس والسابع، وثالثة دخلت رقبتي سببت تهتكا في الأنسجة ومحدودية في الحركة، غير انكسار عظمة السلامية باليد اليمنى التي لم تجبر حتى اللحظة، وانفجار طبلتي الأذنين وضعف السمع".

التقرير الطبي لمحمد خضر
التقرير الطبي لمحمد خضر

 

ومع تنقل الجريح بين مستشفيات القطاع لتلقي الرعاية المتاحة، وصولا إلى مستشفى ناصر في خان يونس، أجرى الأطباء له عملية لاستبدال أجهزة التثبيت الخارجية بأخرى من نوع "الحلقات الدائرية"، وأسفرت هذه التدخلات الجراحية التعويضية عن تقصير يده اليمنى بمقدار 5 سنتيمترات، وقدمه اليمنى بمقدار 13 سنتيمترا.

في مستشفى الشفاء، لم تكن العمليات المتلاحقة بهدف الشفاء الكامل، بل كانت مجرد محاولات إمرارية لمنع البتر وتثبيت الجسد، حيث يقول محمد :" خضعت لعمليات ليس للعلاج، بل لإنقاذ الحياة فقط، هكذا فهمنا الطبيب، ثبتوا القدم واليد بجهاز بلاتين خارجي لعدم البتر، لكن ليس للعلاج النهائي، كانت لدي كسور متهتكة ومعقدة، وعظام مفتتة، وتهتك في الأنسجة، وقطع في الأعصاب والأوتار باليد والقدم اليمنى، إضافة إلى شظايا في جميع أنحاء جسدي".

 

أكثر من 6 آلاف حالة بتر

ويقول حسني مهنا، مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في مركز الأطراف الصناعية والشلل بغزة، إن وزارة الصحة في القطاع سجلت أكثر من 6 آلاف حالة بتر ضمن الحالات، حيث يشكل الأطفال نحو 25% من المستفيدين من خدمات المركز، ما يرفع الحاجة إلى برامج تأهيل وتصنيع أطراف تراعي تغير احتياجاتهم مع النمو.

ويضيف، أن الحصار والقيود المفروضة على إدخال المواد والمستلزمات الضرورية إلى غزة تحد من قدرة المركز على التعامل مع الأعداد المتزايدة، موضحا أن تصنيع الأطراف الصناعية يواجه نقصا حادا في المواد والمعدات، بما فيها الجبس المستخدم في مراحل أساسية من عملية التصنيع.

 

سباق مع الوقت لتفادي البتر

على الرغم من كافة الجراحات، ما تزال حالة محمد الحرجة تراوح مكانها، حيث يعاني الشاب من التهابات مزمنة وتآكل متكرر في الكلس والعظام، حيث يتعرض جسمه للتنكس ذاتيا، مما يضطره لدخول العمليات بشكل دوري للتنظيف الجراحي واستئصال الأنسجة الميتة وتنفيذ رقع جلدية وعضلية.

التقرير الطبي للجريح محمد خضر
التقرير الطبي للجريح محمد خضر

 

اليوم، يقف محمد أمام خيار صعب وقاس، حيث بلغت نسبة احتمال بتر قدمه اليمنى 90% خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة وفقا لتقديرات الأطباء المتابعين لحالته، وذلك بسبب تدهور حالة الأنسجة والعظام وعدم توفر الإمكانيات المتقدمة للترميم الدقيق داخل القطاع المحاصر.

حصل محمد خضر على أربع تحويلات طبية رسمية مصنفة كحالات "عاجلة وطارئة"، مصحوبة بالتقارير الطبية الكاملة التي تؤكد حاجته الماسة للسفر الفوري خارج قطاع غزة لتلقي العلاج التخصصي، وزراعة العظام والأعصاب، وإنقاذ أطرافه من البتر النهائي، إلا أنه حتى الآن لم يتمكن من السفر لإنقاذ قدمه وأطرافه.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة