تكشف ممارسات جماعة الإخوان الإرهابية عن تناقض صارخ بين ما ترفعه من شعارات دينية وأخلاقية، وما تمارسه فعليًا عندما يدخل أعضاؤها في صراع مع الخصوم أو المنشقين وذلك من خلال أبواقها الإعلامية أو لجانها الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي التي تستخدمها لبث خطابها، وهنا تتجاوز المفارقة حدود التناقض في الممارسة إلى طريقة توظيف النصوص الدينية نفسها.
فبينما تتحدث أدبيات الجماعة عن الصدق والإخلاص والالتزام والأخلاق، يرصد باحثون في شؤون الجماعات الإسلامية استخدامًا انتقائيًا للنصوص وتأويلها بما يخدم مواقف تنظيمية وسياسية، وصولًا إلى الاستناد إليها لتبرير ممارسات تتعارض مع القيم التي يفترض أن يؤسس لها الخطاب الديني.
ويفضح هذا التناقض، وفق ما أكده باحثون، إشكالية تتعلق بالفارق بين «الفرد المسلم» الذي تقول الجماعة إنها تستهدف بناءه عبر مشروعها التربوي، وبين الممارسة الفعلية عند الخلاف والصدام، حيث تظهر اتهامات بالسباب والبذاءة والعنف والكذب والشماتة في الخصوم، وبين الشعارات التي تضع النص الديني مرجعية للسلوك، والممارسات التي تستدعيه بصورة انتقائية لتبرير مواقف مسبقة، تبرز تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الإخواني مع القيم التي يرفعها، وكيف تحولت النصوص الدينية في بعض الحالات من ضابط للسلوك إلى أداة في إدارة الصراع.
باحث يكشف كيف وظّفت الإخوان النصوص الدينية لتبرير ممارساتها؟
وأكد الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية طارق أبو السعد، أن الخطاب الإخواني شهد تناقضًا بين الشعارات الدينية التي ترفعها الجماعة والممارسات الفعلية لأعضائها، مشيرًا إلى أن التنظيم لم يكتفِ بتقديم نفسه باعتباره صاحب مشروع تربوي وأخلاقي، وإنما لجأ في بعض ممارساته إلى توظيف النصوص الدينية بما يخدم مواقفه، وصولًا إلى «ليّ عنق بعض الآيات وبعض الأحاديث» لتبرير السباب والشتائم والبذاءة.
تناقض إخوانى
وأوضح أبو السعد في تصريح لـ"اليوم السابع " أن هذا التناقض يظهر بوضوح في المشروع التربوي الذي طالما تباهت به جماعة الإخوان، وقدّمته باعتباره وسيلة لإعداد «الفرد المسلم» الملتزم قولًا وسلوكًا، إلا أن الممارسة الفعلية كشفت، عن فشل هذا المشروع في ترسيخ منظومة أخلاقية ثابتة، موضحًا أن التربية الإخوانية نجحت في ترسيخ الانتماء إلى الجماعة والتنظيم، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في ترسيخ القيم الأخلاقية.
وأشار إلى أن مظاهر الازدواجية تتجلى بصورة أوضح عند اشتداد الخلاف، لافتًا إلى ما شهدته بعض الحملات المتبادلة بين عناصر إخوانية من سباب وبذاءة وخوض في الأعراض، معتبرًا أن الانتقال من خطاب ديني يدّعي الالتزام بالأخلاق إلى ممارسة تتناقض معها يكشف الفجوة بين الصورة التي تحاول الجماعة تقديمها عن أعضائها وبين سلوكهم الفعلي.
ممارسة السباب أو البذاءة
وأضاف أبو السعد أن المشكلة لا تتوقف عند ممارسة السباب أو البذاءة، وإنما تتجاوزها إلى محاولة إضفاء غطاء ديني عليها، واصفًا ذلك بـ«أسلمة الشتيمة»، موضحًا أن تغيير طريقة صياغة الشتيمة أو استخدام ألفاظ ذات طابع ديني لا يجعلها مقبولة أخلاقيًا أو دينيًا، محذرًا من تحويل النصوص إلى وسيلة لتبرير سلوك يتعارض مع القيم التي يفترض أن يدعو إليها الخطاب الإسلامي.
وأكد أن الأخطر يتمثل في محاولة «ليّ عنق بعض الآيات وبعض الأحاديث» لتبرير السباب والشتائم، بما يحول النص الديني من مرجعية تضبط السلوك إلى أداة تُستدعى انتقائيًا لتوفير غطاء لممارسات التنظيم تجاه خصومه، وهو ما يعكس، بحسب أبو السعد، خللًا في التعامل مع النصوص وفصلها عن سياقها ومقاصدها.
ولفت إلى أن هذه الازدواجية لا تقتصر على الخطاب الأخلاقي، وإنما تمتد إلى مواقف الجماعة من القضايا المختلفة، إذ يتغير الخطاب وفقًا للظرف السياسي والمصلحة التنظيمية، بما يرسخ نمطًا من التعامل الانتقائي مع القيم والمبادئ، بحيث تصبح الشعارات الدينية حاضرة عندما تخدم الموقف، بينما يجري تجاوز مقتضياتها عندما تتعارض مع الحسابات السياسية أو التنظيمية.
ويرى أبو السعد أن هذه الممارسات تكشف عن فجوة واضحة بين الصورة التي حاولت جماعة الإخوان ترسيخها عن نفسها باعتبارها نموذجًا للالتزام الديني والأخلاقي، وبين واقع الممارسة، مؤكدًا أن رفع الشعارات الدينية لا يمنح السلوك المخالف لها مشروعية، وأن معيار الخطاب الديني الحقيقي يظل في مدى اتساق الممارسة مع القيم التي يرفعها أصحاب هذا الخطاب.
إسلام الكتاتني: الإخوان وظّفوا النصوص الدينية لخدمة مواقفهم.. وكرّسوا الازدواجية بين الشعارات والممارسة
وقال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية إسلام الكتاتني، إن جماعة الإخوان قدمت نفسها لسنوات باعتبارها صاحبة مشروع تربوي يستهدف صناعة نموذج للفرد المسلم الملتزم قولًا وسلوكًا، وكانت تعتبر «التربية» إحدى أبرز السمات التي تميزها عن غيرها من التيارات الدينية، إلا أن الممارسة الفعلية كشفت عن فجوة واسعة بين ما ترفعه الجماعة من شعارات وما يمارسه بعض أعضائها على أرض الواقع.
وأوضح الكتاتني في تصريح لـ"اليوم السابع " أن الفرد الإخواني قد يظهر في حياته الخاصة بصورة ملتزمة من حيث المظهر والعبادات، لكن عند الانتقال إلى المجال السياسي تظهر ممارسات مغايرة تمامًا، من بينها الغرور والكذب والسباب والشتائم والفجر في الخصومة وعدم الوفاء بالاتفاقات، بما يكشف عن «ازدواجية في الشكل والممارسة» ويطرح تساؤلًا حول جدوى المشروع التربوي الذي طالما تباهت به الجماعة.
وأشار إلى أن هذه الازدواجية امتدت كذلك إلى التعامل مع النصوص الدينية، موضحًا أن الإخوان دأبوا على «تطويع النص الديني» لخدمة مواقفهم ومصالحهم التنظيمية، بدلًا من الالتزام بالنص في سياقه ومقاصده.
وضرب مثالًا بشعار «وأعدوا»، قائلًا إن الجماعة قدمته في بعض مراحل خطابها باعتباره مبررًا لمواجهة الخصوم، بينما تحولت الممارسة على الأرض، بحسب وصفه، إلى استخدام العنف والإرهاب في الصراع السياسي، بما يجعل الاستناد إلى النص الديني في هذه الحالة توظيفًا له خارج إطاره الصحيح.
وأضاف الكتاتني أن الأمر نفسه ظهر في مسألة الكذب، إذ جرى وفق تحليله توظيف بعض الأحكام المتعلقة بجواز الكذب في الحرب على أنها مبرر للكذب في الصراع السياسي، باعتبار أن الجماعة في حالة حرب مستمرة مع خصومها، متسائلًا: «أين الحرب التي تبرر ذلك؟»، ومؤكدًا أن نقل حكم شرعي من سياقه إلى صراع سياسي لا يحول الممارسة المخالفة إلى سلوك ديني مشروع.
وأكد أن ازدواجية المعايير لم تتوقف عند القضايا السياسية، بل امتدت إلى الملفات الأخلاقية والاجتماعية، مستشهدًا بما وصفه بـ«فقه الشماتة»، حيث يرى أن بعض الخطاب الإخواني سعى إلى إيجاد مبررات دينية للشماتة في مرض أو وفاة الخصوم، رغم تعارض ذلك مع القيم الأخلاقية والإنسانية العامة، مشيرًا إلى تغير الخطاب تجاه المسيحيين بين مرحلة ما قبل الوصول إلى السلطة وما بعدها، معتبرًا أن هذا التباين يعكس استخدامًا انتقائيًا للشعارات الدينية وفقًا للظرف السياسي.
وخلص الكتاتني إلى أن جوهر المشكلة يكمن في «ازدواجية المعايير وازدواجية الممارسة»، معتبرًا أن تحويل النصوص الدينية إلى أدوات لتبرير المواقف السياسية أو السلوك العدائي يفرغ الخطاب الديني من مضمونه الأخلاقي، ويكشف التناقض بين الصورة التي حاولت الجماعة تقديمها عن نفسها باعتبارها نموذجًا للالتزام الديني، وبين ممارسات تتعارض مع جوهر القيم التي يدعو إليها الإسلام.